ربطة العنق ولحية الخليفة وحنجرة القاشوش


محمد صبرا

ثلاثة مشاهد تختزل القضية:

المشهد الأول: بشار بربطة عنق فرنسية, وقماش إنكليزي فاخر، يدخل إلى مجلس الشعب ليلقي كلمته الأولى بعد الثورة على أعضاء حشروا في المجلس قبل وصوله بساعات، يجلس الجميع للاستماع إلى الخطاب التاريخي للقائد الضرورة، الأمين على المسيرة المظفرة. يلقي بشار كلمته, يحذف من هذا الخطاب وجود الشعب، كل ما يحدث هو مجرد مؤامرة تستهدف الوطن, والوطن هنا مجاز لشخص الحاكم, لا وجود لأفراد أو مواطنين، فقط حاكم فرد أحد, يدير هو بمشيئته المطلقة حيوات الجميع, ويستبصر المستقبل، من ليس معي فهو ضدي, ومن ليس معي فقد أعلن الحرب علي، وأهلاً بالحرب، هكذا يتخذ الحاكم قراره البسيط ضمن عاصفة من التصفيق لكائنات لا تستخدم من أعضاء الإنسان سوى أيديها, العقل مغيب تماماً, والحاكم يستحق أن يحكم العالم، لأنه جوهر سامٍ ومتفردٌ في كينونته، وليس بشراً كالباقين، حياته هي المعادل لحياة شعب كامل, وكرسيه يساوي الوطن, فليتحطم كل شيء ويبقى الكرسي “الأسد أو نحرق البلد”، هذا الشعار الأكثر تعبيراً وصدقاً عن هذا النسق الكامل من السياسات ومنظومة التفكير التي بني عليها جهاز الحكم ومؤسساته الأمنية, لا حدود لأي شيء ولا ضوابط لأي تصرف، سوى حد البقاء للحاكم فقط وإن فني الجميع.

المشهد الثاني: ساحة العاصي, مئات الألوف من الأفراد, يحملون أعلامهم، ألوانٌ أربعة تسود الساحة، الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، يرقص الجميع ويغنون بفرح مع القاشوش أغنية “ارحل”, وكلٌ منهم يصنع الأغنية ولا يردِّدها، جميعهم على قدم المساواة، كانوا يصنعون الحدث ويعلون نشيد الحياة، وكان كل منهم يتميز عن الآخر، يشعر بكينونته الإنسانية وبجوهره السامي، منتشياً بشعوره كإنسان حر، مالكاً لإرادته وشرطه الإنساني في الوجود، ويشعر أنه الند الموازي لبشار الأسد، وأنه قادر على قول كلمة إرحل، واحد مقابل واحد، بشار مقابل أي واحد منهم، فكلٌ منهم يشعر أنه هو الوطن، إذ أصبحت الحرية والشعور بالكرامة والإرادة الإنسانية الحرة هي المجاز لمفهوم الوطن.

المشهد الثالث: رجل متشح بالسواد، يدخل مسجداً فيه جموع تطأطئ الرؤوس، يخترق صفوف المصلين ويصعد إلى المنبر رويداً رويداً بحركة مسرحية، يلتفت إلى الجموع المنكسرة، أيها الناس إني قد وليت عليكم، مستخدماً الفعل الماضي للمجهول، لا يهم من ولاني، المهم أنني قد وليت عليكم، وإني آمركم بالسمع والطاعة. رجلٌ واحدٌ فريدٌ فيما الباقي كتلة صماء، ليسوا أفراداً متمايزين بل مجرد جمع من البشر. يطل هذا الرجل المتشح بالسواد عليهم من علٍ، يرى رؤوسهم فحسب،  تتشابه الرؤوس عنده، لا أحد يتميز عن أحد, ليس من حق أحد الكلام، لم يكن يشبه ذاك “الهاخاديتو” في رواية رامة الشحاد لاستورياس، ذاك الآخرالمتشح بالسواد المزين باللآلئ، كان فقط أسوداً وكأنه قادم من ماض سحيق. إنه يشبه الشياطين في ذاكرتنا الطفلية، على الرغم من الوداعة التي يرسمها على وجهه، وكان أقرب إلى كائنات الليل، لم يكن ينتمي للنهار .

قبل سنوات طويلة حدث ما يشبه ذلك في مكان آخر من العالم , “أيها الرفاق لقد قررت اللجنة المركزية أنني الأحق والأمين على تراث الرفيق لينين، ولذلك فقد نصبتني حاكماً واحداً أحداً عليكم”, لم يكن جوزيف ستالين يختلف عن البغدادي في شيء, وكذلك لم يكن يختلف عن بينوشيه أيضاً، “أيتها الجماهير لقد قررت القيادة العسكرية إزاحة مجموعة اللصوص التي يقودها سيلفادور الليندي حماية لأخلاقكم وإرثكم الحضاري والديني”، بينوشيه الكاثوليكي الملتزم كان نفسه البغدادي المسلم وستالين الشيوعي وبول بوت البوذي وبشار البعثي، كلهم واحد وإن اختلفت شعاراتهم التي يرفعونها، الاستبداد في كل مكان هو نفسه أياً كان المستبد، مسلماً، شيوعياً، كاثوليكياً، أو كونفوشياً أو بوذياً، فكل ذلك غير مهم، المهم أن علاقة الاستبداد هي دوماً في اتجاه واحد, فرد وجماعة صماء لا حقوق لها، عليها فقط واجبات، لا تستطيع التعبير عن نفسها لأن انسانيتها مهدورة وغير معترف بها، هي فقط تنفذ وتكون أداة لتحقيق حلم الحاكم أياً كان هذا الحلم. على مر التاريخ كان الاستبداد يتوسل أي شيء لتبرير استبداده، تارة حماية الدين وتارة حماية أخلاق الأمة وأخرى حماية الوطن والثورة وقيم الثورة ومكتسبات العمال والفلاحين وصغار الكسبة، لكنه يبقى استبداداً، ويظل فجّا ومكشوفاً مهما تلون، ولا ينطلي إلا على الحمقى والبلهاء.

في هذه المشاهد السورية تختزل القضية. كيف نريد سورية الجديدة؟ هل نريدها تلك الفرحة التي تغني للفرح القادم، يحمل أبناؤها بألوانهم المتباينة أمل الغد الذي يرونه قريباً جداً، أم ربطة العنق الأنيقة التي تخفي الوحش البدائي المختبئ في القماش الإنكليزي الفاخر، أم لحية الخليفة التي تظلل عمائم الجميع. وقفت الحاكم بربطة عنقه مع اللحية ضد الحنجرة لأنها تعبر عن مواطنين أحرار قادرين على انتزاع الكرسي من تحت الحاكم، بينما لحية الخليفة لم تخفه، بل استخدمها لإخافة الأحرار, واتخذ قراره: لا بد من استئصال حنجرة القاشوش وترك لحية الخليفة تنموأكثر، فكلما طالت لحية الخليفة كلما كبر الخوف في قلوب السوريين، وكلما طالت طال عمر الحاكم وقصرت أحلام السوريين. إنه السواد الذي يملأ قلب الحاكم والخليفة معاً، لكن حنجرة القاشوش ستنتصر على هذا السواد، عاجلاً أم آجلاً، لأنها الفرح والأمل اللذان يصنعان الحياة.

689 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *