المعارضة السورية وتحدي سياسة الأرض المحروقة


برهان غليون

العربي الجديد- 03 أبريل 2015

شكل تحرير إدلب، في 28 من شهر مارس/آذار الماضي، أحد أهم الإنجازات للمعارضة السورية المسلحة في الجبهة الشمالية. وجاء هذا الحدث، بعد أقل من أسبوعين على الانتصار الاستراتيجي في بصرى الشام في الجبهة الجنوبية، ليؤكد استعادة المعارضة المبادرة على الأرض، على الرغم من الهجوم الكبير الذي حشد له الإيرانيون قوات من الحرس الثوري، ومن المليشيات التابعة لهم، وطبّلوا وزمروا له في وسائل إعلامهم، باعتباره الهجوم الكاسح الذي سيغير مجرى الأحداث. لكن، كما حصل في بصرى الشام، وكما يحصل منذ أربع سنوات، في جميع المدن والأحياء المحررة، لم تمض على هذا الإنجاز أيام، حتى بدأ قصف المدينة بالبراميل المتفجرة والصواريخ البعيدة، مع التهديد المستمر باستخدام الأسلحة الكيماوية، بهدف بث الذعر وتدمير المرافق العامة، وتفكيك الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وتحويلها إلى مدينة موت، بعد تهجير آلاف من أبنائها.
ليس هناك شك في أن قسطاً كبيراً من المسؤولية في مواجهة ما يطبقه النظام من استراتيجية الأرض المحروقة لردع المعارضة، وترويع حاضنتها الشعبية، يقع على كاهل المجتمع الدولي الذي لا يزال يغمض عينيه عن الممارسات الشنيعة للمليشيات التابعة لإيران، وعن التدخل السافر لطهران في شؤون البلدان والشعوب المجاورة. لكن، بصرف النظر عما يمكن للأمم المتحدة، والدول الصديقة، أن تفعله، تضع هذه الاستراتيجية قوى الثورة والمعارضة أمام تحدّ خطير، لا تزال المعارضة غير قادرة على معالجته، وربما لم تفكر، بما فيه الكفاية، في وسائل الرد على الابتزاز المستمر لـ “النظام” بحرق المناطق التي تنجح في تحرير نفسها من سيطرته، وقتل أكثر ما يستطيع من أبنائها وتفريغها من سكانها، بالقصف أو التجويع، أو تدمير شروط الحياة الاجتماعية فيها.

من هنا، وبعد ما حل بالرقة، وما لحق بالمدن والبلدات المحررة الأخرى من خراب ودمار وموت، تشكل إدلب، وهي عاصمة محافظة كبيرة وواعدة، أكبر امتحان لقدرة المعارضة على التصدي لاستراتيجية “الأسد أو نحرق البلد”، والحفاظ على الحياة الطبيعية في المدينة، وتجنيبها التحول إلى مدينة أشباح. وفي الرد الصحيح والناجع على هذا الامتحان تكمن، في الوقت نفسه، فرصة المعارضة الوحيدة في استعادة الثقة المفقودة في الداخل والخارج. بل ربما كان ردها على هذا التحدي هو الذي يحدد في الأشهر القريبة وجودها نفسه، وليس فقط دورها وشعبيتها، والدعم الذي ستتلقاه في المرحلة المقبلة الحساسة.

يعني هذا، باختصار، أن على المعارضة أن تدرك أن مسؤولية حماية إدلب، شعباً ومدينة، والمدن المحررة عموماً، تقع منذ الآن، وبشكل أكبر، بسبب تخلي المجتمع الدولي وشلله، على المعارضة التي حررتها. وعلى هذه المعارضة أن تظهر، بهذه المناسبة، لشعبها وخصومها معاً، أن تحرير أي مدينة في سورية، وانتزاعها من بين أنياب النظام المتوحش، لا يعني حتماً الحكم عليها بالدمار، وعلى شعبها بالتهجير والتشريد. فإذا فشلت المعارضة في ذلك، وأظهرت أنها غير قادرة على حماية انتصاراتها، لم يبق للتحرير نفسه معنى.

مستويان داخلي وخارجي

يستدعي الوصول إلى هذا الهدف التحرك بسرعة على مستويين، داخلي وخارجي:
على المستوى الخارجي، آن الأوان، بعد أربع سنوات من المعاناة والمحنة، أن تكف المعارضة عن التعلق بوهم تطابق مصالح تحرير سورية من النظام الغاشم والاحتلال الإيراني مع مصالح هذه الدولة أو تلك، وأن لا تنتظر قيام بعضها بمبادراتٍ تصبّ في مصلحة المعارضة أو التحرير. عليها أن تتحرك، هي نفسها، في كل الاتجاهات، مزودةً بملفات عن حجم الموت والدمار والخراب في كل مدينة وقرية في سورية، وأن ترسل وفوداً لعرض القضية السورية في كل المحافل الدولية والمنظمات، وأن يكون موضوع حديثها الرئيسي ما يصيب سورية من القتل والدمار وتشريد الملايين على يد المليشيات الأجنبية المتحالفة، مباشرة أو موضوعياً، مع النظامين، السوري والإيراني. وأن يكون وقف القصف والدمار والانتقام هدفاً رئيسياً وفورياً، بصرف النظر عن جميع القضايا الأخرى، بما فيها الإرهاب، واستمرار النزاع. وقف الدمار والقتل المجاني والعشوائي ينبغي أن يكون موضوع حملة سياسية ودبلوماسية خاصة سريعة وشاملة، بهدف تعبئة الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي ضد ما يحصل في سورية، والذي يهدد حياة ملايين البشر عقوداً طويلة مقبلة.

وبالمثل، حتى تضمن مصالح الشعب السوري، لا ينبغي للمعارضة أن تنتظر خطط الدول والأطراف الصديقة، أو تعتمد وتراهن عليها، مهما كانت درجة صداقتها، بل عليها أن تبلور، هي نفسها، خطة تحركها، ولا تقبل بأقل من أن تكون شريكاً كاملاً، بشكل واضح ومعترف به، في أي مبادرة مطروحة، سواء كانت من نوع إقامة مناطق آمنة، أو محظورة الطيران، أو تحالفات على شاكلة التحالف العربي الإقليمي في اليمن.
وعلى المستوى الداخلي، حتى تنجح المعارضة في حملتها الدولية، وتفرض وجودها، والاعتراف بها بالفعل معارضة على الدول والمنظمات، ينبغي أن تنجح في تحقيق الحد الأدنى من التنسيق والتعاون ووحدة الصف، وأن تكون لها رؤية مشتركة وخطة واضحة. وهذا يستدعي، على المستوى الداخلي، العمل على أربعة محاور أساسية:
الأول، إعلامي يهدف إلى تثبيت حضور المعارضة في هذه اللحظة المصيرية، والتزامها تجاه أهالي إدلب والسوريين عموماً، وإعلان استعدادها لتقديم كل المساعدات اللازمة للحفاظ على حياة السكان وحقوقهم، وكذلك وضع العالم والمؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها. ومن الضروري، بهذه المناسبة، توجيه الدعوة لمنظمات حقوق الإنسان ووكالات الأنباء والصحافة الدولية لزيارة إدلب، وتشكيل شبكة حماية للمدينة من الناشطين الأجانب الموجودين فيها إذا أمكن، وتحويل هذا الحدث إلى منطلق لحملة إعلامية واسعة، تعيد الاعتبار إلى قضية الثورة والتعريف، على أوسع نطاق، بمعاناة السوريين، وفي المناسبة نفسها، إصلاح إعلام الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ودعوة إعلام الثورة الجديد إلى التعاون في إرسال الرسائل المطلوب توجيهها، في هذه المرحلة، إلى السوريين والعالم.

والثاني سياسي، يهدف إلى العمل بأسرع وقت على ردم الهوة بين قيادات المعارضة، السياسية والمسلحة، والاجتماع لمناقشة خطة سياسية وعسكرية مدروسة، للتحرك على جميع المستويات، تشترك في صوغها القيادتان العسكرية والسياسية معاً، محورها تجنيب إدلب الدمار والتهجير والتشريد. ولا يمثل النجاح في التوصل إلى مثل هذه الخطة مساهمة كبيرة في تحديد مصير إدلب، وإنما سيشكل دافعاً كبيراً لتقدم مسيرة التحرير على كل التراب الوطني، بعد أن يتحول إلى نموذج لإدارة المدن المحررة، يمكن احتذاؤه في المناطق الأخرى، وسوف يشجع السوريين جميعاً، والمترددين منهم، على الانحياز للثورة، بعدما يئسوا من قدرة نظام الأسد على إخراجهم من هول الحرب المستمرة. ولا أعتقد أن مثل هذه الخطة قد نوقشت في أي مكان بعد.
والثالث استراتيجي، يهدف إلى حل المعضلة الكبرى التي لا تزال تضعف قوى الثورة، وتأكلها من الداخل، وهي شكوك يثيرها كثيرون في الداخل والخارج حول العلاقة بين القوى الجهادية والقوى الوطنية، والتي تجعل المستقبل يبدو غامضاً أمام أي تقدم على الأرض، وفي مجال التحرير. ليس من الممكن، ولا من المطلوب، تغيير اعتقادات الناس السياسية، أو تبديلها، أو التسوية بينها. المطلوب تعريف المصالح المشتركة التي تجمع بين القوى في مرحلة معينة والبناء عليها. وكما أمكن التفاهم بين المقاتلين الذين خاضوا معركة تحرير إدلب على خطة لتحرير المدينة، وهم من اتجاهات متباينة، سيكون من الممكن التوصل، أيضاً، إلى صيغة متفق عليها، لصون هذا النصر، والتعاون على حماية المدن والقرى المحررة، وتجنب الفوضى والانقسام والاقتتال. ولا أعتقد أن القوى التي قدمت عشرات الشهداء لتحرير إدلب تفتقر إلى الحنكة والرشد اللازمين، للتوصل إلى صيغة تضمن حماية المدينة من الفوضى، إذا بذل فيها ما ينبغي من الجهد السياسي والدبلوماسي والفكري، وساهمت فيها شخصيات فاعلة، وتم التواصل مع الدول الداعمة لها.
والرابع عسكري، يهدف إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية والممكنة، العسكرية والسياسية، وربما بالتفاهم مع بعض الدول الصديقة، لردع النظام عن الشروع في عمليات تدميره البربري مؤسسات الدولة ومراكزها والمرافق العامة. وقد يكون من الضروري، منذ البداية، بقاء المقاتلين في محيط المدينة للدفاع عنها، وتسليم إدارتها إلى مجلس محافظة مدني، تحت إشراف محافظ تعيّنه القيادة، والتعجيل في نقل مقرات الحكومة المؤقتة والمعارضة الخارجية إليها، والانطلاق منها للتواصل مع الجبهة الجنوبية في حوران والقنيطرة، إلى أن يتم تحرير كامل التراب السوري.

لن يمكن مواجهة استراتيجية الأرض المحروقة التي يطبقها النظام الوحشي في المناطق فور تحررها من سيطرته، زارعاً فيها الخراب والدمار والموت من دون خطة متكاملة، عسكرية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية معاً، تخرج المعارضة من حالة تشتت القوى وضعف الرؤية وغياب المبادرة السياسية، ولا يمكن لمثل هذه الخطة أن توجد من دون توافق القيادتين، السياسية والعسكرية، وتعاونهما على مستوى الجبهات والمستوى الوطني العام. وهذا هو السبيل الوحيد لتغيير صورة الحرب نفسها ونتائجها، وتطمين الشعب على أرواح أبنائه وممتلكاته ووجوده، ودفع النظام إلى التسليم بهزيمته، وبحتمية الانتقال السياسي، بدل الرهان على حشد المليشيات الأجنبية والاحتلال.

 

4 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *