أرقام سورية.. كان لضحايا التعذيب أهل وأطفال وأحلام

حلب ــ لبنى سالم

العربي الجديد – 8 أبريل 2015

لم تنتهِ بعد تداعيات نشر الصور المسرّبة من سجون النظام السوري لمعتقلين ماتوا تحت التعذيب. الأرقام التي وُسمت بها الجثث بعد قتلها، كان لها وقع مؤلم على السوريين. فهم ليسوا أرقاماً. يقولُ أحمد، وهو شقيق أحد الضحايا: “لطالما عاملنا النظام كأرقام. العالم أيضاً بات يقيس حجم المأساة السورية بالإحصاءات والأرقام”. يضيف: “لم يقتل النظام رقماً بل حلماً، ومشروع أب، وطبيباً ناجحاً. قتل حسّه الفكاهي وابتسامته الجميلة في الصباح”.

وبادر عدد من السوريين إلى إطلاق حملة توثيقية وإعلامية تحت شعار “السوريون ليسوا أرقاماً” على “فيسبوك”، بهدف توثيق قصص الضحايا. فتقول الناشطة سمر: “لن يرجع الشهداء ويخبروننا بما حدث. لن نعرف أحلامهم. لكنّ أصدقاءهم وأحباءهم الذين عاشوا معهم يعرفون أشياء كثيرة. واليوم، يحكون قصصهم للعالم، علّه يسترجع إنسانيته، ولا ينظر إليهم كأرقام فقط”.

من جهته، يقول أحد القائمين على الحملة (بدأت في 22 مارس/آذار الماضي) رامي العاشق، إنها استطاعت توثيق أكثر من عشر قصص عن شهداء قضوا تحت التعذيب، لافتاً إلى نية لتجميعها في كتاب. يضيف: “استطعنا لفت نظر الإعلام إلى الضحايا، وقد انضم إلينا صحافيون أجانب من أمثال السويسري دومينيك غروس. ونحن نتعاون مع مجموعة من الحقوقيين في دمشق بهدف تحضير ملف قضائي يتضمن أسماء مرتكبي جرائم التعذيب الذين استطعنا التعرف إليهم، ونعمل على جمع صور الشهداء والجناة لنشرها على موقعنا الإلكتروني”. ويوضح أن “عدد المنضمين إلى الحملة وصل إلى أكثر من ثمانية آلاف”.

51234
لم أرها منذ شهرين. إنه لأمر مربك أن أنظر إليها بعد كل هذا الوقت. ستنتظرني في شارع في دمشق، وأجلب لها وردة حمراء. أمسكت الوردة بعناية وركبت السرفيس. ها نحن نخرج من المخيم. صورتها لا تفارق مخيلتي طوال الطريق. ستبتسم تلك الابتسامة التي أعشقها عندما ترى الوردة الحمراء. يصرخُ الجندي عند الحاجز الأول: “هاتوا الهويات”. يقعُ قلبي بين قدميّ. “سيدي والله نسيتها بالبيت. خليني جيبها. ما بهرب”. يتهكم “وحامل وردة؟”. لماذا كل هذا الألم؟ أريد الخلاص. فجأة لم أعد أشعر بشيء. رأيت صورتها تبتسم قبل أن أرحل. وضعوا الرقم 51234 على جبيني المدمّى ورموا بي في شاحنة.

2983
أندفع بين الزحام وأبحث عن اسمي في القائمة الطويلة. تتسارع ضربات قلبي: “لك شو كان اسمي!”. ها هو، ناجح. لقد تخرّجت. فجأة، كلّ شيء يبدو أجمل. لم أعد طالباً بعد اليوم. أمسك الهاتف لأخبر والدتي ولم أتصل. سأخبرها وجهاً لوجه. تبكي أمي كثيراً، لكنها اليوم ستبكي من شدة الفرح. أودّع رفاقي سريعاً وأنتظر الباص. تمر الدقائق بطيئة. ها هو أخيراً. أراقب وجوه الناس من الشباك وأفكر بالحلوى الأشهى للتخرّج. نابلسية أو كعكة؟ سأشتري الأغلى ثمناً كونه يوم تخرجي.

الحواجز مزعجة. ألا يملّون التدقيق في الهويات. لو أن أحدهم أراد فعل أي شيء ضدهم لن يمر من هنا. كان الجندي يعيد الهويّات إلى الركاب، لكنه لم يعدها إلي. سألته فطلب مني النزول بالإضافة إلى شابين آخرين. مشى الباص وانهالوا علينا بالضرب من دون مقدّمات ثم رموا بنا في سيارة واقتادونا إلى حيث لا نعلم. كلّ شيء مظلم هنا. يتوجه إليّ جندي بسؤال ثم ينهال عليّ بالضرب بعصاه الحديدية قبل أن أجيب، فأقع أرضاً. تخدّر جسمي ولم أعد أشعر بالوجع. أنظر إلى السقف وأرى السماء صافية وجميلة. أمي، أمي، لقد تخرّجت.

506879
الباب يُطرق بقوّة. تتوسل إلي زوجتي “روح.. اهرب.. هلأ بياخدوك”. أركض مسرعاً وأقفز من فوق السور الخلفي. أحمد الله أن بيتي ريفيّ. عدتُ في المساء. “سألوا عنك”. حاولوا أخذ صغاري الصبية قبل أن يرتضوا بالسيارة كرشوة. نحزم حقائبنا ونغادر القرية. مر وقت طويل. أشتاق لأمي وإخوتي كثيراً. لم أكن قادراً حتى على توديعهم. يرن الهاتف “إمك تعبانة”. أركب السيارة كالمجنون وتبكي زوجتي. تتوسل إليّ أن أعود. لكن أريد أن أرى أمي لو كان هذا آخر يوم في حياتي. أنزل من السيارة فيهاجمني أكثر من خمسة أشخاص ويمسكون بي. يضربونني كالوحوش. منذ ذلك الحين وأنا هنا. أراقب جسمي الذي يتغير لونه يوماً بعد يوم. أمامي نصف رغيف يابس وماء نتنة لا تساعد على الشفاء. ساعات التعذيب اليوم أطول من المعتاد. أشعر أن جسدي ينهار. هناك من يناديني من بعيد. أتذكر عائلتي. أهوّن على نفسي: “لا بأس، سيلحقون بي إلى الجنة”.

5584
لوحاتي كلّها باتت متشابهة. معاناة وعذاب وحرية. يمسّني كل ما يحدث في بلادي. أتساءل: “هل تحتمل اللوحات كل هذا الألم؟”. توقفت عن الرسم. ما نفع جميع اللوحات التي أرسمها؟ كثير من أصدقائي في المعتقل وأنا هنا أرسم. تقنعني صديقتي أنه “علينا أن نتظاهر لأجلهم. نحن فتيات ولن يعتقلوننا”. ربما يكون هذا أفضل. نذهب إلى السجن ونهتف لإطلاق سراح المعتقلين. لم تمض أكثر من خمس دقائق حتى هاجمونا. أخطأت صديقتي ومضت أيام طويلة. أشتاق لريشتي. الألم هنا أكبر بكثير. لن أحتمل أن تبقى كل هذه الصور في رأسي، يجب أن أرسمها. اقتادوني إلى التحقيق وبقيت هناك ساعات. كان هناك إنسان معلّقٌ ومقيّد بسلاسل حديدية. لم أعرف إن كان حياً أو ميتاً. تأملته لساعات وحفظت ملامحه. أعادوني إلى الزنزانة وحصلت يومها على ورقة ورسمته. لم أعرف اسمه حتى اليوم. كل ما أعرفه أن له صورتين: واحدة معي وأخرى كتبوا عليها الرقم 5584.

19930
أُمعن النظر بما يكتبه المحاضر على اللوح. لكنني أفكر فقط إذا كانت هدية عيد ميلادها ستعجبها. ترى من يفهم النساء؟ يبتسم المحاضر في وجهي وكأنه عرف ما يدور في ذهني. أحدهم يدخل القاعة ويجرّني أمام زملائي. يضربني بشدّة قبل أن يضعني في السيارة. كنت أبكي. في الغرفة التي وضعوني فيها كنت عاجزاً عن الحركة. لا أنا بواقف أو جالس. لنقل معلّقا. يمعنون في تعذيبي من دون الحصول على أي معلومة. أفكّر بذكرياتنا معاً. وحدها تمدّني بالقوة. قطعوا أصابعي وصرت أنزف. كل شيء فيّ ينزف.

4 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *