قوة عربية مشتركة.. اهي ممكنة؟


علي العبد الله

 المدن – 8 ابريل 2015

علي العبد الله 

قال المحلل السياسي الأمريكي نوح فيلدمان في تعليق له على فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة: “ان هناك قولا مأثورا يعبّر عن اليأس من قدرة العرب على الاجتماع على كلمة واحدة ويسفّه فكرة العمل العربي المشترك مفاده أن “الوحدة العربية” هي بمثابة اجتماع لفظتين متناقضتين. غير أن إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن موافقة “مبدئية” للجامعة العربية على إنشاء قوة عسكرية مشتركة ربما يفند كل ذلك ويدحضه”. فهل نحن أمام دحض أم تأكيد هذا القول المأثور؟ واقع الحال إن الدعوة إلى تشكيل قوة عربية مشتركة لاقت استحسانا وقبولا عربيا واسعا لأنها جاءت في لحظة سياسية دقيقة وحساسة تواجه فيها الدول العربية تحديات داخلية وخارجية تستدعي اتخاذ موقف قوي وشامل لما تنطوي عليه هذه التحديات من مخاطر هددت وتهدد الأمن الوطني لعدد من الدول العربية، ان لم يكن كلها، ومواجهتها اكبر من قدرات دولها منفردة. وقد تجلى الاستحسان والقبول في إقرارها في القمة العربية الـ 26 في شرم الشيخ وتكليف رئيس الدورة الحالية، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بمتابعة الموضوع بدعوة رؤساء أركان الدول الراغبة لمناقشتها ووضع آليات تشكيلها وتحديد حجمها وساحة عملها، وعرض النتائج على اجتماع خاص لمجلس الدفاع العربي المشترك لإقرارها في موعد لا يتجاوز الثلاثة أشهر. غير إن إدراك ضرورة تشكيل القوة الذي عكسه الاتفاق الذي تم في القمة العربية لم ينجح في تجاوز تباين المواقف والرؤى بين الدول العربية على خلفية الأدوار والأوزان، فطرح الفكرة من قبل الرئيس المصري قبيل القمة العربية بأسابيع والتحرك للترويج لها عبر طرحها على عدد من الدول العربية مصحوبا بحملة إعلامية صاخبة ضخمّت من قدرات مصر ورئيسها وحددت موقعها ودورها القيادي والريادي عاكسة رغبة النظام المصري في تشكيلها ولعب دور قيادي فيها، باعتبار الجيش المصري وحده من بين الجيوش العربية الأخرى المؤهل للقيام بهذا الدور وتحمل تبعاته البشرية والعسكرية، ما يعني ضمنا تسليم قيادة الدول العربية للرئيس المصري، وفرضه تحمّل الدول العربية التبعات المادية، جرى تسريب تقديرات مالية للعملية تقدر بـ 50 مليار دولار ولاحتياجات مصر كي تنطلق عجلة اقتصادها وتصبح جاهزة للعب الدور بـ200 مليار دولار. أثار هذا التصرف استياء عدد من الدول العربية، وخاصة السعودية، لاعتبارات تتعلق بتبني تصور والترويج له دون انتظار مناقشة الموضوع بشكل رسمي في القمة، وتحديد دور الدول العربية الأخرى كصندوق تمويل وحسب، وما ينطوي عليه من استخفاف بالجيوش العربية الأخرى واعتبارها اقل مستوى وجدارة من الجيش المصري. وقد جاء الرد غير المباشر في قرار السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء سلطنة عُمان، إطلاق “عاصفة الحزم” وقيام طائراتها بشن غارات جوية مكثفة على مواقع الحوثيين والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح دون مشورة مصر او انتظار مشاركتها في العملية. عكس رد الفعل المصري على إطلاق “عاصفة الحزم” تفاجؤ النظام وارتباكه حيث تباينت تصريحات المسؤولين المصريين، وخاصة وزير الخارجية سامح شكري، حول العملية وموقف مصر منها واستعدادها للمشاركة فيها، بين التحفظ والقبول والانخراط فيها بإرسال 3 قطع بحرية إلى باب المندب لكن لاعتبار وطني: المحافظة على المضيق مفتوحا امام الملاحة لارتباط عمل قناة السويس بذلك. لقد أدرك النظام المصري مغزى الرسالة وأحس بالحرج والصغر دون أن يعني انه سلم بالمعادلة التي فرضتها السعودية بتحملها مسؤولية “عاصفة الحزم” ووضع ثقلها العسكري فيها، وما ينطوي عليه ذلك من احتمالات وتبعات داخلية وخارجية، وأنها قادرة على رد التحدي دون انتظار مساعدة خارجية، وإنها بذلك أثبتت جدارتها بقيادة العالمين العربي والإسلامي، وجاء رده على مستويين رسمي، عبر إبراز تباين موقف مصر عن موقف السعودية اثناء القمة العربية بالتأكيد على الخلفية القومية العربية للموقف المصري وتبنيه الدفاع عن الأمن القومي العربي في مقابل موقف طائفي/سني مموه بستار إسلامي، وغير رسمي/ إعلامي حيث انتقدت صحف وفضائيات مصرية خاصة “عاصفة الحزم” لتدميرها البنية التحتية في اليمن والإجهاز على الجيش اليمني وإمكانياته التي هي إمكانيات عربية، والتلميح انه كان بالإمكان حل الصراع دون اللجوء إلى التدخل عبر دعوة الفرقاء اليمنيين إلى الاجتماع في القاهرة للاتفاق على مخرج سياسي ينهي الصراع ويعيد اليمن للهدوء والاستقرار. ليس هذا العامل الوحيد الذي قد يعرقل تشكيل القوة العربية المشتركة حيث ثمة خلافات حول من هو العدو الذي ستقاتله القوة بين من يرى انه الارهاب، موقف مصر التي تريد من القوة محاربة الارهاب اولا استجابة لحاجتها في مواجهته في مصر وليبيا، ومن يرى ان العدو هو ايران التي اخترق الجغرافيا السياسية العربية وعمق الشروخ بين ابناء الدول العربية على اسس طائفية، موقف دول الخليج المرتبط بهواجسها ومخاوفها من تحرك ايران في المشرق العربي، وبين من يرى ضرورة وضع اسرائيل على قائمة الاعداء الذين ستواجههم القوة، لتعضيد الموقف الفلسطيني عبرت عنها الصحافة والفصائل الفلسطينية، وهي رغبة مضمرة لدى السلطة الفلسطينية لكنها لم تستطع طرحها لأنها نقطة خلافية مع الدول العربية وتبنيها سيصطدم بالموقف الغربي عامة والامريكي خاصة. تثير هذه الخلافات أسئلة كثيرة وترفع علامات استفهام كبيرة حول إمكانية التوافق والانخراط العملي في تشكيل القوة العربية المشتركة في ضوء الصراع والتنافس على القيادة والتباين في المواقف من الملفات المطروحة وفي تحديد العدو وترتيب الأولويات بين الدول العربية الرئيسة. هل تتأكد صحة المقولة المأثورة التي قالها المحلل الأمريكي أم تفعل الضرورة الضاغطة فعلها وتعيد المتنافسين الى التعقل وتحكيم المنطق وتحقيق الفكرة؟.

6 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *