الانتفاضة الثالثة.. ضرورة أم حتمية؟

مالك ونوس

العربي الجديد- 11 أبريل 2015

تشبه الخفة التي يتعامل بها رئيس حزب الليكود الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع قضية الشعب الفلسطيني، خفة البهلواني في تغيير ألعابه، لإدهاش الجمهور، والحصول على ما تيسر من قروشهم، بفارق أن ما يريد نتنياهو الحصول عليه من تصريحاته التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية، قبل أيام، والتي أدهشت جمهوره، هو أصواتهم الانتخابية لضمان استمراره في رئاسة الحكومة الإسرائيلية. وبالتالي، الاستمرار في نهجه في إنكار الحقوق الفلسطينية قولاً، وتكريسه ذلك عملياً بمصادرة الأراضي الفلسطينية لإقامة المستوطنات عليها، ضارباً عرض الحائط بعملية السلام والاتفاقيات الناظمة لها، أو الحلول المطروحة لحل القضية الفلسطينية التي ظلت القيادة والسلطة الفلسطينية، تعول عليها طوال عشرين عاماً، شهدت فيها القضية الفلسطينية انحسار الاهتمام الدولي فيها، وفقدانها الأولية لدى دول كثيرة في المحيط العربي أولاً، وبين دول العالم ثانياً، علاوة على فقدانها عوامل المقاومة، عبر تحريم أدواتها في مناطق الضفة الغربية. وهي حقائق سيجد الفلسطيني نفسه أمامها عارياً، لا يملك في مواجهتها سوى قبضته، وحجارة ما تبقى من أراضٍ يقف فوقها، يمتشقها ليخرج من جعبته آخر الحلول، الانتفاضة الثالثة.

نجحت إسرائيل، ومن خلفها ما يسمى المجتمع الدولي، في إدخال الشعب الفلسطيني في حالة يأس مزمنة، مردها دخوله في حالة نكوص أدخله فيها عودته إلى مرحلة ما قبل اتفاقية خارطة الطريق سنة 2002، بسبب عدم التزام اللجنة الرباعية الدولية بتنفيذ حل الدولتين، والتي جاءت تصريحات نتنياهو، قبل الانتخابات الإسرائيلية، بخصوص تنصله من حل الدولتين، لتكون بمثابة نعي لهذا الميت الذي لم يصدق أحد موته، إلى أن جاءت تلك التصريحات وأثبتته. وحسناً، فعل نتنياهو في تصريحه الذي أظهر للعلن حقيقة المواقف التي يزخر بها اللاوعي الإسرائيلي، وينتظر الفرصة المناسبة، لكي يهجس بها من جهة، وحقيقة دور السلطة الفلسطينية المتمثل بالأمر الوحيد المتروك لها، وهو تنفيذ واحد فحسب من بنود الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل: التنسيق الأمني لوقف (العنف)، أي بمفهوم السلطة الفلسطينية، منع أي عمل مقاومة ضد إسرائيل.

ولا تأتي التصريحات الأميركية، أخيراً، حول الموضوع، سوى لتزيد حالة اليأس تلك، بإظهارها القضية الفلسطينية ورقة يخرجها الأميركيون، لاستعمالها تهويلاً وضغطاً على الإسرائيليين الذين بدأوا يوجعون رأس الأميركيين. وهو فعل لفظي، تخبرنا الوقائع على الأرض بحقيقة هي عكس ذلك الفعل. فالتصريح الذي جاء على لسان دنيس ماكدونو، كبير موظفي البيت الأبيض، والذي دعا فيه الجانب الإسرائيلي إلى “إنهاء احتلال دام 50 عاماً” للأراضي الفلسطينية، اعتبره كثيرون أبعد عن الموقف الحقيقي باعتباره رداً على معارضة الإسرائيليين سعي واشنطن إلى عقد اتفاق بشأن برنامج إيران النووي، الذي يرى الإسرائيليون أنه يجب تدميره، وتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية معه.

وفي الإطار عينه، صدرت، قبل أيام، مقالة في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: “إبقاء الآمال الفلسطينية قائمة”، عن قرار قد يصدر قريباً عن مجلس الأمن، وقد لا تستخدم واشنطن حياله حق النقض، ولن يكون لفرض حل للقضية، ولكن للتشجيع على العودة إلى المفاوضات. ويأتي المقال المذكور بالتتابع بعد التصريحات حول إنهاء الاحتلال وكأنه مكمل لها. ولكن، لدى قراءة ما بين سطوره عن ضرورة تنفيذ حل الدولتين وعودة اللاجئين الفلسطينيين، نجد أن مصالح إسرائيل لن تتراجع عن أولويتها في الرعاية لدى صناع السياسة الأميركية. وهو ما أكده أوباما في حديثه لموقع “هافنغتون بوست”، وقد قال فيه إنه على الرغم من الخلافات مع نتنياهو، فإن المساعدات الأميركية لإسرائيل المقدرة بثلاثة مليارات دولار سنوياً لن تتأثر. ويلحظ المقال أنه إذا التزمت الولايات المتحدة والدول الفاعلة الأخرى بقرار مجلس الأمن المذكور، ربما يمكنها ذلك من منع الفلسطينيين من التقدم بشكوى ضد إسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية التي انضمت إليها فلسطين في الأول من إبريل/نيسان الجاري.

وبينما نستعرض هذه التصريحات، نتذكر أنه، وعلى الرغم من كل ما عاناه الشعب الفلسطيني في عدوان عملية “الجرف الصامد” التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في 8 يوليو/تموز 2014، وكل الضحايا والدمار الذي خلفه لم يستطع المجتمع الدولي فرض مجرد رفعٍ للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ سنة 2006، على الرغم من الإدانة الدولية الواسعة لذلك العدوان. وعلى الرغم من الجرائم التي ارتكبتها خلاله، ظلت إسرائيل محافظة على وضعها، ذلك المقدس الذي لا يُمَس.

ولكن، هل ما زال حل الدولتين ممكن التحقيق مع ما تبقى من القدس الشرقية، ومع الجدار العازل الذي فَتَّتَ ما تبقى من أراضٍ فلسطينية؟ وهل هو ممكن مع مشاريع الاستيطان التي تقضم يومياً مزيداً من الأراضي، وتدمر القرى والمزارع الفلسطينية، لكي تقوم فوق أنقاضها؟ هل حل الدولتين ممكن مع هذا الواقع، وأي مكان تبقى ليقوم عليه كيان يكون هو الدولة الفلسطينية المنشودة؟ وهل ما زال ممكن التحقيق مع غياب الممر الآمن الذي يربط قطاع غزة مع الضفة الغربية، والذي نصت اتفاقية “واي ريفر” الثانية 1999 على تشغيله؟ ولم يغب ذلك الممر فحسب، بل إن حصاراً إسرائيلياً فرض على قطاع غزة، بدلاً من تشغيله.

كل العوامل المنطقية التي تفترض تغيير هذا الواقع باتت جاهزة، وكل المواقف من حل القضية الفلسطينية اتضحت حقيقتها، وظهر نكرانها. وانتفاضة فلسطينية ثالثة، والحالة هذه، ليست ضرورة لتغيير الواقع الحالي، بل ستكون نتيجة هذا الواقع، ونتيجة حالة النكران التي يعيشها الشعب الفلسطيني. وستعرف الولايات المتحدة والدول الأخرى أنها نتيجة كيلهم بمكيالين، ونتيجة تقاعسهم عن فرض حل الدولتين الذي التزموا بتنفيذه من خلال الرباعية الدولية، وحين أرادوا، أو ألمحوا إلى ضرورة تنفيذه، لم تعد هنالك أرض، لكي تقوم الدولة المنشودة عليها.

 

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *