السياسي وبعض علاماته الفارقة 


أيمن مراد

 خاص بموقع حزب الجمهورية

 

لعل اكبر عقبات الثورة ومعيقاتها انها لم تنتج قيادات سياسية حقيقية حتى الان، والمراقب يدرك ان السلوك السياسي لجميع الذين تصدروا المشهد السياسي هو سلوك يمكن لنا ان نصفه باوصاف متعددة، لكن لا يمكن لنا ان نصفه بانه سياسي .فهو ثوري حيناً، وهو اعلامي حيناً اخر، وهو سلوك مثقفين حينا ثالثاً، او سلوك دعويين او طهرانيين او … الخ . لكنه لم يكن سلوكاً سياسياً يقدم للثورة ما يجب ان يقدمه السياسي.

سنحاول ان نسلط الضوء على بعض الفروق المهمة التي تميز السياسي عن غيره من متصدري المشهد الثوري واقصد بمتصدري المشهد الثوري, المثقف, والاعلامي ,والثوري الميداني .

بين السياسي والمثقف:

لنقل مبدئياً:

ان من شأن المثقف ,البحث عن الحقيقة المعرفية وكشف مختلف جوانبها، وان من شأن السياسي, توظيف هذه الحقيقة وايجاد الاليات المناسبة لتطويع هذه الحقيقة في خدمة برنامجه السياسي.

هذا الفرق الجوهري بين الميدانين، يطبع سلوكيات واولويات كل ميدان بطابع مختلف، فالفرق كبير بين البحث عن الحقيقة المعرفية واكتشافها، وبين توظيفها وتطويعها لما يخدم اجندة سياسية ما.

في عملية البحث عن الحقيقة (دور المثقف ) تعتبر الموضوعية معياراً اساسياً، فالمثقف موضوعي، والموضوعية ليست فقط معيار بل شرط اساسي بدونه لايمكن استكمال البحث واكتشاف المعارف، حتى ان الموضوعية في مرحلة متقدمة، تصبح تجرداً تاماً ازاء موضوع البحث، اياً كان الموضوع ومدى التصاقه بالباحث، على حين ان عملية توظيف الحقيقة هي عملية منحازة سلفاً، ومعيار نجاح التوظيف (دور السياسي ) يصبح الانحياز لا الحياد او التجرد.

فالسياسي يجب ان يكون منحازاً لخطه السياسي انحيازاً تاماً، وبالتالي يجب عليه ان يوظف الحقائق المعرفية المكتشفة توظيفاً منحازاً لصالح خطه السياسي.

المثقف غير الموضوعي هو مثقف مضلل (يجوز كسر اللام الاولى او فتحها)، ولايستطيع ان ينتج معارف، انما ينتج اوهاماً وفي احسن الاحوال يمكن له ان ينتج ادلوجات.

على حين ان السياسي غير المنحاز لخطه هو سياسي (مايع) لايمكن له ان يبني مواقف سياسية او ان يراكم هذه المواقف لينتج بمراكمتها حالة سياسية عامة.

سوريا ليست فقيرة بالمثقفين، لكن معظم المثقفين السوريين هم مثقفون دخلوا الميدان الثقافي عن طريق احزابهم، واحزاب سوريا قبل الثورة هي احزاب ايديولوجية، ومعظم هؤلاء (المثقفون ) لم يقطعوا مع ايديولوجيا احزابهم ,وهذا ما قد يفسر وقوعهم في مطب التضليل والوهم.

كما ان سوريا ليست فقيرة بالسياسيين، لكن معظم سياسيي سوريا دأبوا قبل الثورة (بسبب القبضة الامنية) لتقديم انفسهم كمثقفين، والقبضة الامنية ليست سبباً وحيداً لهذه الحالة، هناك اسباب اخرى يمكن لنا ان نختصرها جميعاً بمقولة المثقف العضوي.

هناك ميل واضح عند معظم سياسيينا لان يقدموا انفسهم كمثقفين، هذا الميل كان يجد ما يبرره قبل الثورة، فالقبضة الامنية لم تكن لتتيح لاحد ان يقدم نفسه كسياسي، على حين كان هناك هامش يتيح لهم ان يشتغلوا بالهم الثقافي.

مع انطلاق الثورة وبعد مضي اربع سنوات نجد ان السياسي مازال يصر على تقديم نفسه كمثقف، فهو المحلل الجهبذ، والعارف بكل تفاصيل الاحداث ومآلاتها، لكنه ينسى او يستقصد عدم تصدير موقف سياسي واذا حصل وصدر موقفاً لا نرى منه متابعة حثيثة تتيح امكانية المراكمة لانتاج الحالة السياسية المطلوبة ,كأنه يهرب من عبء الموقف والتزاماته الى فضاء الرأي.

الثورة اسقطت مقولة المثقف العضوي، هذه المقولة التي حولت بعض احزابنا الى مدارس ايديولوجية، وساهمت الى حد كبير بنزع اهم صفة من صفات السياسي، صفة الحزم والحسم.

في كل مفترق تاريخي، او اي حدث سياسي،  يطرح الواقع جملة ممكنات وخيارات، دور المثقف ان يوضح هذه الممكنات والخيارات ويستقرأ مآلاتها وميول تطور الواقع، ثم يأت دور السياسي في ان يحسم خياراته من بين الخيارات المتاحة، ويحزم امره على المضي في توقيع هذه الخيارات. ان البقاء في دائرة التحليل والاستقراء لا ينتج سياسة، هذا بديهي، الغائب عن معظم مثقفينا وسياسيينا ان البقاء في تلك الدائرة لا ينتج معرفة ايضاً، المعرفة تنتج في الواقع، وفي الممارسة الحية والمتفاعلة عبر اختبار قراءاتنا ومعارفنا في خيارات سياسية محسومة ومواقف حازمة ومتابعة وصبر ومصابرة ايضاً.

مقولة المثقف العضوي انتجت مثقفين مؤدلجين ومضللين، وانتجت سياسيين متخبطين لايعلمون قيمة وفضيلة الحسم والحزم في العمل السياسي، وبالتالي انتجت لنا سياسي مايع ومنافق، ومثقف ايديولوجي ومضلل.

التخصص والاختصاص هي من اهم انتاجات العصر الحديث، والعمل بروحية العصر تعني ان نحترم التخصصات، ونترك للاكاديميات ومراكز البحث، والشعراء والفنانين والادباء والمفكرين …. ان نترك لهم انتاج المعرفة والثقافة، وان نترك للسياسيين مهمة البحث عن الادوات والطرق المناسبة لمتابعة خياراتهم السياسية.

153 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *