الرمّانة 


دانة وليد

قصة قصيرة

 

في أرض قاحلة أركض وأركض وأركض وألهث من داخل جرحي النازف شوقاً وأملاً للعودة إلى زمني المفقود .. زمن التحرر من سطوة الشمس الحارقة .. هذه الشمس التي تحرق جلدي الجاف من ريح حرون هبّت منذ أربع سنوات ونيف .. ريح تحبس أنفاسي كلّما اشتدت .. وتسد مجرى تنفسي و تعصف بأضلعي مع أنها جاءت في موسمها .. الموسم الذي ترعد فيه السماء ولا تمطر لقحط السماء والحقيقة معاً .. موسم ظننته خلاصاً فكان دماراً .. أركض وأركض فأبصر من بعيدٍ واحة وبركة ماء .. أقترب أكثر فإذا بشجرة رمان عملاقة وسط هذه البيئة الجرداء والعيش المجدب .. هل أنا في حلمٍ أم أن ما أراه حقيقة ؟ .. كيف لفصيل كهذا أن ينبت وسط هذا القحل والجفاف ؟؟ اقتربت أكثر فهبت الرياح بسرعة أكبر .. وأوراق الشجرة تتطاير في كل مكان وتتساقط بعض منها على كتفي ورأسي .. فألتقط ما تساقط علي وأمضغه بين أسناني .. إنني جائعة وبحاجة إلى غذاء فجلدي يموت من جفاف الطقس وجسدي بحاجة لماء الأوراق لأنعش بدني .. لم أستطع أن أشرب من البركة لأنها تحولت إلى مستنقع تعثوا فيه الضفادع .. وتلهو بالقرب منه الأفاعي .. حتى أن الواحة مليئة بالفزاعات .. وبدأت ثمار الرمان بالتساقط علي .. أصابتني واحدة تلو الأخرى على رأسي الواهن من شدة العطش فسال دمي بين عيني حتى وصل لفمي .. تذوقته .. له طعم مالح و ذكرني لسبب ما بحساء جدتي الذي كانت تعده لنا عندما نجتمع عندها في العطل والمناسبات .. كنا نقضي اليوم بأكمله عند جدتي فتقص علينا مغامراتها العاطفية مع جدي وقصص بطولات أعمامي التي لا تنتهي .. آخر مناسبة كانت عيد الاستقلال .. مازلت أجهل كل أعيادنا ربما لكثرتها أو لعدم أهميتها أو لأني أبحث عن ذاكرة جديدة .. أعادني طعم دمي لذاكرة الأعياد رغماً عن أنفي .. وأحاول أن أتذكر وأنا أترنّح من الوجع كلام جدتي لي في تلك المناسبة .. قالت لي : ” المحتل يا ابنتي ليس فقط من يستبيح أرضك وعرضك .. المحتل من يستبيح ذاكرتك . ” .. أغمي علي بعدها واستيقظت وأنا أردّد : ” الريح ذاكرتي .. الريح ذاكرتي . ” … شعرت بأنها تعويذتي فلقد نجوت وأنا الآن على سرير من نور … أطير بين الغيوم … أشعر بماء يتدفق بين ثنايا جسدي وبأن الشمس لم تعد تحرقني .. غفوت فوق سريري مطمئنة وذهبت باتجاه أفق جديد . ومازلت أردّد  : ” الريح ذاكرتي .. الريح ذاكرتي . ” .. هنا من السماء أستطيع أن أرى جذور الشجرة ضاربة بالأرض وأستطيع أن أكفّ عن الاحتفال بالأعياد ولكن لن أتذوّق بعد الآن حساء جدتي المصنوع من مرقة وحبوب رمان .. وأرى من مكاني الجديد أسراب السنونو مهاجرة تحمل عبث الرياح وتسافر باتجاه زمان ومكان آخرين .. هذا قبر جدي مبعثر للريح أيضاً .. نهبه اللصوص وسرقوا شاهدته وبنوا بها قصوراً بالقرب من الشجرة .. وهذا قريبي الصحفي يحمل قلمه ويخط بيده اليسرى على الشجرة ذكرى يده اليمنى التي انتزعتها الوحوش .. لم أخبركم قبل انتقالي هذا عن الوحوش التي تعبر الأرض القاحلة وتأكل الأخضر واليابس فقريبي كان ضحيتها .. وأنا ما زلت أردّد من مكاني الجديد : ” الريح ذاكرتي .. الريح ذاكرتي .” ولن أكفّ حتى تعود شاهدة جدي وأسراب السنونو وتنبت يد قريبي .

63 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *