“اللي بيقتل شعبو خاين”


كفاح زعتري

خاص بموقع حزب الجمهورية

 

كانت بدأت بدرعا.. لم نكن نتخيل أنها ستكبر بسرعة وتنتقل بين المدن السورية، ربما الرغبة بالحرية التي كانت تعيش معنا، ورغبتنا بالخلاص من الاستبداد، كانت كبيرة إلى درجة بدونا فيها وكأننا ننتظر فرصة حتى نتنفس الحرية ونرفع صوتنا بالغناء عالياً على أمل الغد الجديد.

قررنا مجموعة من الشباب، نعرف بعضنا منذ زمن طويل، يجمعنا نفس الهم، أن نصلي صلاة الجمعة ـ رغم أن أغلبنا ما كان يصلي ـ في جامع آمنة بحي سيف الدولة الحلبي، في محاولة لخروج مظاهرة من هناك نتضامن فيها مع درعا..

أذكر يوم الخميس لم أنم جيداً، ربما من الخوف، ربما من القلق، ربما من الفرح بأن صوتي سيخرج عالياً، وسأكون حراً للمرة الأولى في حياتي..

يوم الجمعة، ترددت قليلاً، وخفت قليلاً، لكنني حزمت أمري، ارتديت ملابسي مع خفٍّ رياضي، وتوجهت إلى حي سيف الدولة، مستخدماً التاكسي رغم يقيني الكامل أن السائق سيكون عنصر مخابرات، فنزلت عند دوار الكرة الأرضية وأكملت طريقي ماشياً، كانت الشوارع فارغة تماماً، اتصلت بصديقي الذي سبق وتواعدنا في زاوية “المول” قبل الجامع، كان ينتظرني، مررت به، ومشينا معاً، لمحنى خمسة شباب نعرفهم يمشون متفرقين، لم نرَ غيرنا في الطريق، أكثر من مرة جاء ببالي أن أرجع إلى البيت، إلا أنّ سرّاً ما كان يشدني لأكمل المسير وخوض التجربة الأولى، شيء غريب فعلاً كان يأسرني، وصلنا أمام الجامع وكان يقف أمامه باصان كبيران وأكثر من 200 شاب من الذين يضعون أياديهم في  جيوبهم ليبدون وكأنهم يتمشون بالصدفة، دخلنا على الجامع وكان فارغاً تقريباً، والمصلين يجلسون كل واحد بديرة… على باب الجامع ومداخله ينتشر عناصر الأمن بلباس مدني، عرفناهم من سحنتهم التي بتقطع الرزق… كنا متوترين جداً وجلسنا قريبين من بعضنا البعض وتعاهدنا أن نبقى سوية.

صعد الخطيب إلى المنبر وبدأ خطبته كالعادة عن الفتن، وأن على الواحد منّا أن يلزم بيته… ومن هذا الحكي الفاضي، بدأت الوشوشة حولنا… كان هناك أكثر من شاب بدؤوا بالتعليق على الخطيب بصوت مسموع وبشكل مستفز، ساد صمت رهيب ومخيف، وخلال ثوانٍ بدأ الشباب يقاطعون الخطيب علانية، ويهتفون: “بالروح بالدم نفديك يا درعا”، وقفنا من هول المفاجأة، كنا مرعوبين، أمسكنا بأيدي بعضنا البعض من الخوف، وبلحظة قوة بدأنا نتمتم مع من حولنا بالهتاف… ورويداً رويداً ذهب الخوف وبدأنا نهتف، ونهتف، ونهتف، إلى درجة أن الشبيحة حين بدؤوا بالتحرك، صرنا نهتف بوجههم وبأعلى صوت نملكه: “الله سوريا حرية وبس” وصار التدافع، وبدأ الشبيحة والأمن بالضرب والتخويف، خرجنا من الباب مع الخارجين، كان هناك كثير من الشباب الذين نعرفهم في الخارج، لمحت باسل وآزاد وطوني ونادر وسليم ووووووو، بسرعة انضموا إلينا وصار الصوت أعلى، ومع استشراس الشبيحة بالضرب بالعصي والقبضات الكهربائية، لم أرَ نفسي إلا وأنا أصرخ: “يلي بيقتل شعبه خاين” ردد أصدقائي الهتاف، وبدأ بعض الشباب يهتفون معنا، فجأة وجدنا أنفسنا محاصرين بقطعان من الشبيحة وهي تشتم وتلعن وتكفر حاملة بأيديها العصي و”الجنتيانات” وعيونهم تقطر سماً، وبدؤوا بضرب المتظاهرين بوحشية، وبدأت الناس تتفرق، وكل يهرب من جهة، البعض هرب من مفرق العلوم وآخرين ركضوا باتجاه سوق سيف الدولة وبعضهم من مفرق الإذاعة، لا أعرف كيف قررت أن أهرب عكس الآخرين ومن الجهة التي يهجم علينا الشبيحة منها، ركضت باتجاه الكرة الأرضية واستطعت أن أهرب ضمن حالة الفوضى، وبعد أن ابتعدت قليلاً وشعرت بالأمان، وقفت وبدأت أراقب من بعيد، وشاهدت أول حالة اعتقال في حياتي، أمسكوا بشاب جامعي أعرفه بالشكل ولكني لا أعرف اسمه، كانوا يجرونه بقسوة ويضربونه بلؤم فظيع.

أكملت طريقي فرحاً أنني شاركت في أول مظاهرة في حياتي، كانت عيوني تدمع على الشاب المعتقل، وقلبي مقهور من الناس التي كانت واقفة وتتفرج علينا ولم تشارك، وكنت بيني وبين نفسي أدندن “اللي بيقتل شعبو خاين.. اللي بيقتل شعبو خاين”.

84 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *