مقتصرة على الدور الأسري والاجتماعي المشاركة السياسية للمرأة

 مجلة سيدة سوريا – رهف موسى

22% فقط من البرلمانيين حول العالم هن من النساء حتى كانون الثاني/ يناير 2015، وهي زيادة بطيئة عن نسبة 11.3% المحققة عام 1995، فحتى كانون الثاني 2015 شغلت 10 نساء منصب رئيسة الدولة، و14 امرأة منصب رئيسة الحكومة حول العالم. هناك 38 دولة حول العالم تمثل فيها النساء نسبة تقل عن 10% من البرلمانيين في مجالس النواب، منها خمسة مجالس لا توجد فيها أي امرأة. هذه مجرد إحصائيات بسيطة تظهر مدى ضعف مشاركة المرأة في المجال السياسي حول العالم، فعلى الرغم من أن المشاركة الفعالة للمرأة في الحياة السياسية باتت جزءاً من عملية التحول الديمقراطي في المجتمعات، ما تزال المرأة ذات تمثيل ضعيف في البرلمانات والمناصب السياسية، وإن تم تسليمها منصباً أو وزارة، فهي غالباً ما تكون مناصباً مقتصرة على الدور الأسري والاجتماعي، وليست من المناصب الأساسية، كمنصب وزيرة الشؤون الاجتماعية مثلاً.

إن مشاركة المرأة في الحياة السياسية هي أحد أهم مقومات العملية الديمقراطية، وهي تعكس طبيعة ومدى تطور النظام السياسي والاجتماعي في الدولة. وبالمثل، فإن ضعف الآليات والقوى الديمقراطية في الدولة يساهم في تهميش المرأة وإضعاف مشاركتها السياسية. كما أن مدى نمو المجتمعات يقاس بمدى قدرتها على تعزيز دور النساء في العملية التنموية، ودمجهن في قضايا المجتمع المختلفة.
تعرّف المشاركة السياسية للمرأة بأنها مساهمة المرأة في اتخاذ القرارات على عدة مستويات سياسية تشمل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية وانخراطها في الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى دورها كناخبة. وبشكل عام تتقارب نسب المشاركة السياسية للمرأة والرجل كناخبين حول العالم، إلا أن الفجوة تظهر في نسب تمثيل المرأة، كمرشحة وعضو في البرلمان في جميع دول العالم باختلاف النسبة.

أسباب تدني المشاركة السياسية للمرأة

تأخذ معوقات المشاركة السياسية للمرأة عدة مناحٍ، أهمها المنحيان السياسي والاجتماعي. فهيمنة العادات والتقاليد التي ترفض عمل المرأة السياسي، تؤدي إلى افتقارها للدعم الأسري والتشجيع من قبل الرجل على الانخراط في المجال السياسي، ما يساهم في الحد من تحقيق مساواة المرأة بالرجل، ويقلص فرصها السياسية.

أما بالنسبة للناحية السياسية، فتتعدد المعوقات، وأهمها الافتقار لخطط وبرامج واضحة لمشاركة المرأة السياسية من قبل التنظيمات النسائية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وتقاعس هذه الجهات عن تنفيذ أجندات مشتركة تهتم بتحسين حضور المرأة السياسي. كما أن ضعف الوعي السياسي والقانوني للمرأة يساهم في غياب إدراكها لقوتها التصويتية، وقدرتها على المشاركة بشكل فعال في المجال السياسي، بشكل يؤدي لتغيير الواقع العام، بالإضافة إلى أن انعدام ثقة المرأة بنفسها وقدراتها في مجتمع يميل لكفة الرجل أدى إلى عدم ثقة المرأة بالشخصيات النسائية التي تترشح في الانتخابات.

من العوامل السياسية الأساسية التي تحد من مشاركة المرأة في الحياة السياسية كذلك هي غياب قوانين منصفة بحق المرأة، وذلك لكون المشرع في العديد من الدول العربية يركز على منح المرأة حقوقها السياسية دون منحها حقوقها المدنية، مع أن وجود الأولى يعتمد على وجود الثانية، فالمرأة التي تعاني من غياب قانون منصف للأحوال الشخصية، لا يهمها أن تشارك في المجال السياسي لأنها منشغلة بهمها الشخصي.

مراحل المشاركة السياسية

تمر المشاركة السياسية بمراحل مختلفة، تبدأ من الاهتمام بالشأن العام والسياسي، وتتطور إلى الانخراط السياسي ومن ثم القيام بنشاط سياسي، وتنتهي أخيراً بالوعي بضرورة تحمل المسؤوليات السياسية وتعاطي كل أشكال النشاطات والعمل والنضال السياسي. وتنتهى هذه المراحل بقرار المرأة المشاركة في الحيـاة السياسـية، وهنا إما أن تختار الخوض في الحياة السياسية بنفسها وذلك عبر الترشح للانتخابات، أو أن تختار أن يكون لها صوت في تحديد من يمثلها ويدافع عن حقوقها وذلك بأن تكون ناخبة.

جميع هذه المراحل، متضمنةً الترشح أو الانتخاب، هي تعبيرات مختلفة للمواطنة، التي تستدعي بشكل أساسي تطوير الاعتقادات وتدعيم الثقافة السياسية، إذ تقوم المشـاركة السياسية على الحقوق المتساوية للجماعات والنساء والرجال، والاعتراف بحقوقهم وحرياتهم الأساسية.

وسائل تفعيل المشاركة السياسية للمرأة 

تبنت العديد من الدول حول العالم التدابير الخاصة لتفعيل المشاركة السياسية للمرأة، وذلك تماشياً مع اتفاقية منع جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو). تدعو الاتفاقية في المادة الرابعة الدول الموقعة إلى تبني تدابير خاصة مؤقتة لدعم المرأة، على أن توقف العمل بهذه الإجراءات عندما تتحقق المساواة.

أقوى هذه التدابير وأكثرها فعالية هو نظام الكوتا، تعرف الكوتا على أنها نسبة أو عدد محدد من المقاعد في الهيئات المنتخبة لممثلي جماعة معينة، قد تصنف على أساس قومي أو سياسي أو ديني، وفئات أخرى مثل الكوتا على أساس عمري كما في كوتا الشباب في السنغال، أوعلى أساس مهني مثل العمال والفلاحين في مصر، أو كوتا خريحي الجامعات كما في السودان. تمثل الكوتا النسائية أحد أشكال التمييز الإيجابي تجاه النساء، ويتم تبنيها لضمان وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار والتشريع.

توجد ثلاثة أشكال للكوتا، هي:

– الكوتا القانونية، والتي يتم عبرها تحديد نسبة معينة من المقاعد في المجالس التشريعية للنساء، كما في العراق، حيث ينص الدستور على تخصيص نسبة 25% من مقاعد مجلس النواب للنساء، وكذلك في الأردن التي خصص فيها القانون نسبة 10% من المقاعد للنساء. ولضمان تطبيق الكوتا القانونية، يجب أن يكون النص القانوني الخاص بذلك معروفاً وواضحاً، ومن الضروري أيضاً وضع آليات واضحة لمحاسبة غير الملتزمين بهذا القانون.

– الكوتا الترشيحية، التي قد تكون مقننة وتجبر الأحزاب على تضمين نسبة معينة من النساء في قوائم ترشيحها، وذلك كما في فلسطين، حيث نص قانون الانتخاب على أنه: “يجب أن تتضمن كل قائمة من القوائم الانتخابية المرشحة للانتخابات النسبية (القوائم) حداً أدنى لتمثيل المرأة لا يقل عن امرأة واحدة من بين كل من:

1- الأسماء الثلاثة الأولى في القائمة، 2- الأربعة أسماء التي تلي ذلك، 3- كل خمسة أسماء تلي ذلك”.

– الكوتا الطوعية، وهي التزام طوعي من الأحزاب السياسية يضمن ترشيح حد أدنى من النساء في القوائم الانتخابية، ويكون هذا الالتزام نابعاً من قناعات الحزب بأهمية تمكين المرأة وتعزيز دورها السياسي، ولا تترتب أية إجراءات عقابية على عدم الالتزام بهذا النوع من الكوتا. في السويد تبنى الحزب الديمقراطي الاجتماعي مبدأ أن يكون كل ثاني مرشح امرأة، وبذلك يكون تمثيل المرأة تقريباً 50% في القائمة الحزبية. في النرويج تبنى حزب العمل 40% كوتا للمرأة، وفي جنوب إفريقيا تبنى حزب المؤتمر القومي الافريقي مبدأ 33.3% تمثيل للمرأة، وكذلك في المغرب تبنت العديد من الأحزاب ميثاق شرف وأدرجت المرأة في قوائمها بنسبة 10%.
تندرج التوعية السياسية وتمكين المرأة في سياق تفعيل وتعزيز المشاركة السياسية للمرأة، فالوعي السياسي هو دعامة أساسية لفهم جذور المشاكل الاجتماعية والتوصل إلى حلول خاصة بها، ويتكون الوعي السياسي من أربعة عناصر أساسية هي: القدرة على فهم طريقة عمل النظام السياسي وآاليات صنع القرار، القدرة على إدراك ترابط الأحداث، توافر الحس النقدي والتحليلي بالإضافة إلى الرغبة في تعاطي الشأن العام. ويعتبر الوعي السياسي، في آن واحد، وسيلة وهدفاً في قضايا الدفاع عن حقوق المرأة.
لقد بات العمل على تمكين المرأة في المجتمع جزءاً لا يتجزأ من جهود تفعيل دور المرأة السياسي، فهو يهدف لتدريب ورفع القدرات القيادية والإدارية للمرأة في اتخاذ القرارات والتخطيط والتنفيذ، وعليه أدت جهود التمكين لإبراز أهمية دور المرأة على مختلف الصعد جنباً إلى جنب مع الرجل، في دفع عملية التنمية والتطور للمجتمعات. لم يعد تمكين المرأة بحد ذاته هدفاً، بل دعامة للنمو الديمقراطي.

تعتبر المشاركة السياسية مبدأ ديمقراطياً من مبادئ الدولة الوطنية الحديثة، يمكننا على ضوئه التمييز بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الاستبدادية الشمولية. ويمكن القول إن المشاركة السياسية هي جوهر المواطنة الحقيقية، فالمواطن هو ذو الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي لا تفرق بين شخصين على أي أساس كان، ويصون هذه الحقوق قانون واضح وصريح. إن المشاركة السياسية هي أساس الديمقراطية وتعبير عن سيادة الشعب.

71 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *