إقليم كردستان نحو جيش كردي بدعم أميركي

أربيل ــ العربي الجديد

في تطور لافت، أعلنت سلطات إقليم كردستان العراق، أمس الثلاثاء، عن فتح باب التطوع للخدمة العسكرية للمواطنين في الإقليم حصراً، في إطار تشكيلات جديدة تقرر استحداثها ضمن قوات البشمركة يتم تدريب أفرادها وتسليحهم بمساعدة الولايات المتحدة.

وبررت وزارة البشمركة في الإقليم، والتي تماثل في مهامها وزارة الدفاع، الخطوة بالقول إنه “من أجل تقوية وتطوير وتنظيم وحدات قوات البشمركة في كردستان، ولإشراك كافة القوميات والأطياف من مواطني كردستان في العمليات والمهمات الوطنية للدفاع وحماية كردستان، قررت وزارة البشمركة تشكيل لواءين بنظام التطوع”. ولفت بيان الوزارة إلى أنّ “القادة والمسؤولين الكِبار في الولايات المتحدة الأميركية الصديقة تعهدوا بتأمين كافة التجهيزات من الأسلحة والذخائر والمعدات والأجهزة والمستلزمات اللازمة لهذه الوحدات”. واشترط إقليم كردستان العراق على الراغبين بالتطوع أن يكونوا من مواطني الإقليم، من دون التفريق بينهم على أساس انتماءاتهم العرقية والدينية (في إشارة إلى القومية التركمانية). وأشارت الوزارة إلى أنها ستقبل الطلبات لمن تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، على أن تكون الأفضلية للأصغر سنّاً، وكذلك لمن يحمل شهادة أعلى من غيره.

وعلى الرغم من عدم الإعلان عن الأعداد بشكل دقيق، يتوفر لدى الأكراد نحو 140 ألف مسلح، أكثرهم انضم من باب الولاء للأحزاب، وليس انتساباً للمؤسسة العسكرية.

وكانت المشاركة الفعالة للمقاتلين الأكراد في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” خلال الأشهر التسعة الماضية، وتمكّنهم من تحقيق تقدم وطرد المسلحين من كثير من المواقع التي وقعت تحت سيطرتهم، أوجدت اهتماماً دولياً بالقوات الكردية وتم مدها بالسلاح والعتاد. كما يتولى مدربون من 16 بلداً، بحسب تأكيد من حكومة إقليم كردستان، تدريب المقاتلين الأكراد على أساليب القتال واستعمال الأسلحة الحديثة.
وستتخلص سلطات إقليم كردستان، عبر تأسيس قوات على أساس التطوع، من مشكلة وجود قوات تدين بالولاء لأحزاب كردية، وليس للحكومة بعد أن عجزت عن معالجتها طيلة السنوات الماضية.

وبحسب مصادر كردية مطلعة، فإن عملية فتح باب التطوع العام لمواطني الإقليم تعدّ الأولى من نوعها منذ تأسيس الإقليم والاعتراف به رسمياً دولياً وعراقياً. ويقول الأستاذ في جامعة كركوك، مصطفى حمة، لـ “العربي الجديد” إن “الخطوة تأتي لتأسيس جيش كردي قوي قادر على حماية حدود الدولة المستقبلية للأكراد التي طال انتظارها”. ويوضح أنّ “الدعم الأميركي مهم جداً لبناء هذا الجيش الذي سينتقل من مرحلة قوات نظامية الى جيش رسمي نظامي فيه أصناف برية وبحرية وجوية، قادر على إسناد مشروع الاستقلال الكامل”.

كما يعتبر حمة أن “الجيش الكردي سيكون عنوان قوات البشمركة المقبلة التي لن تبقى محصورة الولاء بين حزبي الطالباني والبرزاني”، في إشارة إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني.
ولفت الأستاذ في جامعة كركوك إلى أن “الجيش قد يتم تدريبه وفقاً للمدرسة العسكرية الأميركية من حيث سياقه العام، وستكون غالبيته العظمى من الأكراد مع وجود تركمان وعرب ومسيحيين وأيزيدين وكاكائيين وغيرهم ضمنه، كونه حق طبيعي لهم إذ يسكنون ضمن حدود الإقليم وتاريخياً هم يقيمون فيه منذ القدم”.

ويأتي الإعلان عن تشكيل قوات جديدة في إقليم كردستان بعد يومين من إصدار برلمان الإقليم قانوناً يوضح خطة لإعداد مشروع دستور للإقليم، ليكون جاهزاً لعرضه على استفتاء عام في غضون مهمة قدرها 90 يوماً.

وقد نال القانون موافقة كتل البرلمان على اختلافها ومن دون اعتراضات. ويحسم مشروع الدستور الكردي في حال نيله الدعم في الاستفتاء العام الكثير من التفاصيل التي تدفع بمشروع تأسيس الدولة نحو الأمام ومنها حدود الإقليم، والتي ظلت الحكومة العراقية تماطل بحسب رأي السلطات الكردية، في تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الحالي والتي تحل مشكلة المناطق المتنازع عليها بين الإقليم وبين بغداد لتتضح خريطة إقليم كردستان، بما يساعد على انفصاله عن العراق.

وتعود استعدادات الأكراد لوضع دستور للإقليم إلى سنوات ماضية، إلا أن خلافات داخلية وضغوطا خارجية، وبشكل خاص من إيران ومن الحكومة العراقية الموالية لها، أدت إلى عدم تمرير الدستور، وبشكل خاص في عام 2013 عندما أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية عن عدم تنظيم استفتاء على دستور إقليم كردستان بالتزامن مع انتخابات برلمان الإقليم.

ويعتبر سياسيون أكراد بارزون أن تمسّكهم بوضع دستور لكردستان، وتنظيم استفتاء لتقرير مصير مناطقهم، وبشكل خاص من قبل رئيس الإقليم مسعود البرزاني، طيلة السنوات الماضية، وخصوصاً للرد على عمليات تضييق كانت الحكومة العراقية تقوم بها ضد الأكراد في المجالين المالي والعسكري، هو السبب الأول في تحولهم إلى هدف لتنظيم “داعش” بعدما كان صراعه في بداية الأمر قد أخذ طابعاً مذهبياً يقوم على إسقاط الحكومة في بغداد.

ويربط محللون أكراد بين زيادة الضغوط الخارجية عليهم، وبشكل خاص من إيران وتركيا، وبين اقترابهم من وضع دستور أو بناء المؤسسات التي تدعم استقلالهم.

وبالفعل زادت التوترات السياسية الداخلية في إقليم كردستان، ويجري تحويل قضيتي الدستور ومنصب رئيس الإقليم الى موضوع للصراع وتبادل الاتهامات، بشكل غير مسبوق، إلى درجة أن مفردات مثل “الاقتتال الداخلي” نتيجة الصراعات الداخلية باتت ترد في بيانات الأحزاب السياسية.
وكان مرض الرئيس العراقي السابق، جلال الطالباني، وهو يترأس أحد ثلاثة أحزاب سياسية رئيسية في إقليم كردستان، وابتعاده عن ممارسة العمل السياسي، قد أدى إلى وقوع الحزب تحت تأثير مباشر وغير مسبوق لإيران التي توفد مسؤوليها باستمرار للاجتماع بزوجة الطالباني التي حصلت على دعم طهران لتولي مهام زوجها في قيادة الحزب وتهميش بقية القيادات المعروفة. وانعكس هذا الأمر تدخلاً أكبر لإيران في مجمل تفاصيل العملية السياسية في إقليم كردستان، وحتى التأثير على علاقات الأطراف المختلفة وأداء البرلمان بالتالي، وفي إقحام الإقليم في قتال “داعش” في يونيو/حزيران 2014، في مناطق قريبة من الحدود العراقية الإيرانية.

بموازاة ذلك، يعتقد المحللون الأكراد أن وضع الدستور وتحويل قوات البشمركة إلى مؤسسة دفاعية حديثة، سيدعم بقوة مشروع تأسيس دولة كردستان التي يتحول موقف دول في المنطقة منها، ولا سيما الدول الرافضة للتمدد الإيراني في العراق.

ويرى المحلل السياسي العراقي، محمد المازني، في حديث إلى “العربي الجديد” أن “الكثير من الدول الغربية ودول المنطقة، رفعت تحفظها عن إقامة الدولة الكردية، بما فيها الدول العربية، بعد نجاح سياسية الإقليم الخارجية ونجاح تجربته مقابل فشل تجربة بغداد بعد الاحتلال”. ووفقاً للمازني، فإن “الأهم من ذلك كله الخوف من المدّ الإيراني في المنطقة، فعداء الأكراد التاريخي مع إيران رغم دفء العلاقات الحالية سيبقى قائماً وستكون عملية التمدد الإيراني أكثر صعوبة في حال أضيفت دولة أخرى في المنطقة، بينما سيكون الجانب الكردي سهل الابتلاع إيرانياً في حال استمر ضمن العراق”، معتبراً أن “جميع المؤشرات تؤكد ولادة دولة جديدة في المنطقة، هي الدولة الكردية”. وكان عدد من الفنانين الأكراد قد أقاموا أخيراً مسابقة لتصميم ما قالوا عنه عملة الدولة الكردية الجديدة، وسط ترحيب واهتمام واسع من وسائل إعلام محلية كردية.

في غضون ذلك، أفاد مصدر كردي، طلب عدم نشر اسمه، لـ “العربي الجديد” بأن دوراً كبيراً سيوكل إلى قوات البشمركة في معركة تحرير الموصل، لتكون القوة البديلة للحشد الشعبي.
وقال المصدر إن موضوع تولي البشمركة دوراً أساسياً في معركة الموصل بات يحظى بدعم من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ومن إدارة محافظة نينوى، وحتى من الولايات المتحدة الأميركية التي ستقوم بتوفير غطاء جوي للمقاتلين الأكراد.
وكان مسؤول كردي كبير قد أعلن صراحة أنه من دون دور كردي فلن يكتب النجاح لمعركة الموصل، مشيراً إلى أن القوات الكردية باتت تحيط بمدينة الموصل من ثلاث جهات، هي الغرب والشمال والشرق، وليس هناك سوى جنوب المدينة ليس للبشمركة من وجود فيها.
وتعمل الحكومة العراقية وسلطات إقليم كردستان على إيجاد غرفة عمليات للمعركة تدير العمليات على الأرض، حيث يتوقع أن تهاجم البشمركة وقوات من أبناء محافظة نينوى جرى تشكيلها أخيراً من الشمال والغرب والشرق، على أن تندفع قوات عراقية من جنوب الموصل للمشاركة في المعارك وبإسناد جوي.

لكن ما يعيق اقتراب موعد المعارك هو إخفاق القوات العراقية في التقدم من تكريت باتجاه مدينة الموصل اللتين يفصلهما 225 كيلومتراً من الأراضي، بعدما أعدّ تنظيم “داعش” خطوط دفاع بين المدينتين وفي محيط مدينة الموصل، ومنها خندق جرى حفره من قبل المسلحين وقطع الكثير من طرق الوصول البرية إلى المدينة، وآخرها كان تفجير جسر يدعى “بادوش” ويربط مناطق غرب الموصل بمركزها.

 

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *