رأس المال الاجتماعي هدفاً إصلاحياً


إبراهيم غرايبة

إبراهيم غرايبة

العربي الجديد- 17 أبريل 2015

كيف نوسع خيارات الأفراد، في الوقت الذي يكونون مرتبطين بالمجتمعات؟ تلك هي معضلة الإصلاح والنضال أيضا. ترسيخ الفردية، وفي الوقت نفسه، بناء نظام اجتماعي متكامل ومتماسك. ويرشد تقرير التنمية البشرية الإصلاحيين نحو العمل لأجل مؤشرات اجتماعية، تجعل النمو الاقتصادي يحقق الرفاه بالفعل، ويعمل لصالح جميع الناس. وفي المقابل، ضعف المؤشرات الاجتماعية مثل المساواة، والثقة والشعور بالرضا، ومعدلات الجريمة والانتحار والإدمان تقوض فرص الإصلاح والحريات، أو التمتع بالفرص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتاحة. وفي ذلك، النظام الاقتصادي والاجتماعي كي يحقق التقدم يجب أن يضمن عدالة التوزيع في الموارد والخدمات، وبغير ذلك، تنشأ حتى في الدول الغنية مجتمعات وطبقات مهمشة، تتعرض للظلم والإقصاء جيلا بعد جيل.

يسمي تقرير التنمية البشرية هذه الموارد الاجتماعية بـ “التكامل الاجتماعي”، ويعبر عنها بمجموعة من المؤشرات القابلة للقياس. وفي الأهداف النهائية التي يعمل لأجلها الإصلاحيون، تمثل الثقة والأمان والرضا موارد اقتصادية، تنعكس، بوضوح، على الموارد والأعمال والأداء العام، فالنمو الاقتصادي المطلوب يحتاج إلى مجتمعات فاعلة ومؤهلة، تستطيع أن تطور الاقتصاد. والأهم من ذلك أن توظف الموارد المتاحة توظيفا صحيحاً وفاعلاً، وقد يحدث نمو اقتصادي تهدره المجتمعات، من خلال استخدامه، بعيداً عن الأهداف والأولويات والاحتياجات الحقيقية، أو عبر أنماط من العمل والسلوك والحياة، تجعل للموارد الاقتصادية ضرراً يفوق نفعها.
وفي جميع الأحوال، يفترض التقدم الاقتصادي أن تنشئه مجتمعات فاعلة ومنتجة؛ أي إنه يجب أن يكون محصلة لجهود ومبادرات الأفراد والمجتمعات. ولا يصح النظر إلى التقدم الاقتصادي هدفاً نسعى إليه، إلا من خلال مجتمعات وأسواق حقيقية، تنشئ وتملك وتجدد وتطور مواردها وأسواقها وفرصها، ولن تفيد كثيراً، هذا إن لم تضر، الأموال المتدفقة إلى المؤسسات والأسواق والمعونات والمنح الخارجية.

ويمكن سرد قائمة طويلة من الأمثلة على الأثر الإيجابي للفاعلية الاجتماعية في التقدم الاقتصادي، فامتلاك الأسر مهارات العناية الصحية والتنشئة السليمة يمكن أن يوفر نفقات كبيرة تنفق على الصحة والدواء، وأن ينشئ أفراداً سليمين وقادرين على العمل والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية. كذلك، إن توجه المواطنين والمجتمعات إلى العمل في الحرف والزراعة والبناء والمطاعم يمكن أن ينشئ منظومة أعمال وثقافة تطور الموارد وأساليب الحياة والمهن والأعمال، وتجعل الموارد في حالة إبداع وتنام وتجدد، وتساعد الأفراد والمجتمعات على تنظيم الحياة باتجاه ما ترغب في تحقيقه. وحين تنشأ المجتمعات، او تكون لها منظوماتها ومؤسساتها الثقافية والفنية:

والرياضية، فإنها توفر للمواطنين فرصاً وخيارات معيشية واقتصادية إضافية، تحسن حياتهم، أو تعوضهم عن صعوبة أعمالهم، وتمنحهم فرصاً كبيرة للرضا وتقدير الذات والتطور الاجتماعي والمشاركة العامة، وقدرة على إسماع صوتهم تحميهم من التهميش والإقصاء، ولا تجعل الحرف والأعمال الصغيرة سبباً للتهميش الاقتصادي والاجتماعي. ويمكن للمجتمعات أن تبدع منظومات للحياة، تفعّل الفرص والتقنيات والمهارات الممكن تطويرها، في تحقيق حياة أفضل، وبكلفة أقل، إذا طورت تقنيات وأساليب العمارة والغذاء؛ فهي بذلك تطور حياتها، وتقلل من الواردات والنفقات. وبالطبع، فإن هذا هو هدف النمو الاقتصادي.

ولن تحقق الديمقراطية المنشودة الإصلاح الذي نتطلع إليه، مهما كانت نزيهة، إلا إذا كانت المجتمعات قادرة على تحقيق مشاركة سياسية واقتصادية، تعبر عن مصالحها وتطلعاتها، وفق الفرص الديمقراطية المتاحة، ولن تنجح هذه المشاركة، وربما لن تتحقق، حتى مع زيادة مساحات الحرية والديمقراطية. فالديمقراطية، في أزهى حالاتها، تعمل لصالح الأكثر وعياً والأكثر تنظيماً، ولن تمنحها السلطة والنخب الوعي والتنظيم والفاعلية الاجتماعية التي تؤهلها للمشاركة السياسية والاقتصادية، والاستقلال عن السلطات والشركات في مواردها وادارة احتياجاتها وأولوياتها ومرافقها، وحتى في الجانب المتعلق بالسلطة، فإن المجتمعات، بغير الوعي الكافي لإدراك هذه المطالب وأهميتها، لن تكون قادرة على مواجهة السلطة، ولا التمييز بين المطالب وما هو متحقق بالفعل، وبين الممكن وغير الممكن.
يلاحظ تقرير للتنمية البشرية للأمم المتحدة أن ربع حالات عدم المساواة في الدخل تعود إلى الظروف الاجتماعية، مثل التحصيل العلمي للوالدين أو الانتماء العرقي أو الإثني، أو مكان الولادة، وفي المحصلة، فإن النضال الاجتماعي تلخصه مقولة محبوب الحق، مؤسس تقرير التنمية البشرية: “في جميع بقاع الأرض، يلتقي البشر حول هدف واحد: المشاركة بحرية في الأحداث والمداولات التي تؤثر على حياتهم”.
فالتنمية لا تتحقق ما لم يشارك الأفراد مشاركة حقيقية في الأحداث والإجراءات التي تؤثر على حياتهم. ويجب أن تكون للأفراد القدرة على توجيه عملية صنع السياسة العامة، والتأثير على نتائجها. كما يجب تمكين الشباب خصوصاً من التطلّع إلى مزيد من الفرص الاقتصادية، والمشاركة السياسية، والمساءلة. ويتوقف التقرير عند السياسات الاجتماعية المبتكرة لهذه الدول.

الرضا، والثقة والأمان، والعدالة، والوعي الصحيح بالذات، تعبر عن رأس مال اجتماعي، يؤسس لتقدم اقتصادي واجتماعي.

10 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *