يوم الأسير الفلسطيني

 القدس العربي –16 ابريل 2015

الدكتور منجد فريد القطب:

يصادف اليوم 17 نيسان ذكرى الأسير الفلسطيني تخليدا لرجال سجلوا صفحات في سفر التاريخ تبهر بمداد صمودهم وعشقهم للوطن رجال ما زالوا ذاكرة حية لتاريخ عابق بالبطولات وتضحيات خالدة وصبر جميل دفاعا عن حق لا يقبل التنازل أو المساومة أو التقسيم ماضون بعزم واقتدار نحو الانعتاق من نير الظلم والقهر الاسرائيلي.

لا يزال أكثر من ستة الاف أسير وأسيرة من كل أطياف الشعب الفلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال منهم أمهات واباء وأطفال وشيوخ وقادة ونواب ومرضى وكهول وجرحى وحوامل وقاصرات ونخبة مثقفين وسياسيين باختصار يمثلون شعبا بأكمله في نضال دؤوب في سبيل الاستقلال والحرية وسيادة الوطن يمثلون شعبا بأكمله بثوراته وانتفاضاته ومرارات الاحتلال وعذاباته، يمثلون تاريخ شعب لم يهادن ولم يقبل بأنصاف الحلول ولا بالعبودية للاستعمار وأبى أن يبتلع مرارة الهوان وقهر السجانين وأن يتحدى بشموخ سياط الجلاد وسياسات اسرائيل الظلامية الارهابية التكفيرية باصرار على الحياة وشعلة أمل متوقدة لا تغيب.

سيبقى هذا اليوم محفورا في ذاكرة الأجيال بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والاجتماعية والانسانية يختزل تاريخ شعب مترع باحتلال يستمر لأكثر من سبعة عقود ومشاهد من المعاناة والمرض وانتهاكات مستمرة لحقوق الانسان ما يزال المحتل الاسرائيلي يقترفها بشكل يومي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكما قال الرئيس أبو مازن يعتقلون بالقنطار ويطلقون سراح الأسرى الفلسطينيين بالقطارة يستخدمون ملف الأسرى كأداة ضغط على الجانب الفلسطيني.

وما يبعث في القلب مرارة أن هذا اليوم يطل والأمة غارقة في فتنة طائفية مذهبية لرسم خطة سايكس بيكو جديدة في المنطقة بأدوات جديدة ومقاييس جديدة تتناسب فقط مع خطط العراب الصهيوني لتفتيت المنطقة العربية برمتها وشرذمة وحدة صفها وما تزال اسرائيل حتى هذه اللحظة تضرب بعرض الحائط كل المواثيق والمعاهدات الدولية وتزيد من وتيرة الاستيطان اليهودي على الأرض الفلسطينية وتهويد المقدسات الاسلامية والمسيحية وتسيطر باجحاف على الموارد المائية والمالية والطبيعية لخلق حقيقة الأمر الواقع والهروب من استحقاقات السلام وجعل الحلم الفلسطيني ببناء دولة حرة مستقلة على كافة التراب الفلسطيني حلما واهيا.
و في ذكرى الأسير الفلسطيني لا يمكنني الا أن أستحضر رجالا من الذاكرة الانسانية، رجالا أيدوا الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال والعدوان والممارسات العدوانية والعنصرية وسياسات الخداع والتضليل الاعلامي الممنهج ايمانا منهم بأن الظلم عبر الحدود لا يقاوم الا بنضال عبر الحدود كيف لا وكانت اسرائيل من أعتى مناصري نظام جنوب افريقيا العنصري.
أستحضر ذكرى أشهر سجين في العالم نلسون مانديلا الذي صنع منه السجن سبع وعشرون عاما رمزا للحرية والنضال الوطني النبيل في كافة أرجاء المعمورة، باختصار كقصة أي أسير فلسطيني قصة شعب وبلاد تواقة لنسائم ونفحات الحرية وتاريخ عابق بالمصلحة الوطنية والتعايش والتسامح والعدالة الاجتماعية.

أرادوا له الغياب في ردهات السجون تماما كما أراد الاسرائيليون للفلسطينيين فخرج منارة للشعوب ونبراسا للحرية والتحرر وبوتقة مصالحة وطنية مجنبا بلاده من حرب أهلية كادت أن تحرق الأخضر واليابس وخطى بخطوات جريئة نحو التحرر والتقدم والبناء.
لم تكن هذه الرحلة يسيرة قط يقول الزعيم الراحل مانديلا في كتابه رحلتي الطويلة في طريق الحرية عندما خرجت من السجن ماشيا على قدمي كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معا لقد مشيت في تلك الطريق الطويلة من أجل بلوغ الحرية محاولا أن أحافظ على رباطة جأشي صحيح أنني ارتكبت بعض الأخطاء في تقدير خطواتي أحيانا لكني اكتشفت سرا مفاده أن المرء مهما انتهى من تسلق تل شامخ الا وتبين له أن هناك العديد من التلال الأخرى بانتظاره
للشعب الفلسطيني باع طويل في دروب النضال والجهاد ضد كل أشكال العنصرية والظلم والاحتلال الاسرائيلي وفي قصة مانديلا الكثير من العبر والدروس قصة كفاح ضد العنصرية والتمييز العنصري قصة تكللت بالنجاح لشعب دخل التاريخ الحديث من أوسع أبوابه.
العدو الاسرائيلي متفوق عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا واستخباراتيا وحتى سياسيا بفعل تأثير مراكز اللوبي اليهودي وتأثيرها في صناعة القرار الأمريكي والأوروبي، ومن هنا أتت دعوة الرئيس محمود عباس بانتهاج مبدأ غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ بالنضال السلمي كتكتيك نضالي من أجل نيل الحرية والاستقلال وبناء مجتمع ديمقراطي سلمي قائم على احترام الآخرين وصون حقوقهم وحرياتهم وتعايش عقائد متصارعة في انسجام.

كل له اجتهاداته ولجميع الفصائل دور في مقارعة الاحتلال وأنحني لكل الرجال الأوفياء على العهد، والاحتلال لم يميز أحدا ففي السجون قادة لحماس وفتح والجبهة الشعبية وفصائل أخرى ولكن الخروج على الشرعية وشق الصف وبناء دويلة في غزة لا يلبي الا مطالب الاحتلال الاسرائيلي الساعي لاهدار الحقوق الفلسطينية وتكريس الفرقة والانقسام.

الاحتكام للشرعية الدولية وطرق باب محكمة الجنايات الدولية وتدويل القضية والاحتجاج السلمي على السياسات الاستيطانية والتوغل اليهودي والاعتداءات المتواصلة على المقدسات الاسلامية والمسيحية بخطوات سياسية واثقة وهادئة هي الوحيدة الكفيلة باحداث نقلة نوعية بمسيرة شعبنا التنموية والعلمية والسياسية والفكرية والاقتصادية.

خريطة المنطقة السياسية والجغرافية والديموغرافية تغيرت ولكن فلسطين باقية كالسنديان جذورها عميقة وانطلاقتها دولية قادرة على كسر الحواجز والابداع بالحلول وبناء الجسور بين من فرقتهم جدران التفرقة وسيبقى الأسرى والمعتقلون رموزا شامخة في الصراع مع الاحتلال، والمقاومة السلمية محور لوحدة الوطن الفلسطيني وصمود أهله، لم ولن يساوم الرئيس أبو مازن بحكمته الثاقبة وروحه النضالية التي لم ولن تكسر ما يزال يسطر بمداد عنفوانه مجد فلسطين الخالد.

 

0 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *