سورية التي لا تكف عن الولادة


محمد صبرا

سأحدثكم عن وطني
وطني نجمة صبح، برزخ بين عالمين لا بد للمتقاتلين من عبوره، وطن الأوليّات، أول مستوطنة زراعية، أول أبجدية مكتوبة، أول تدوين موسيقي، أول مكتبة مؤرشفة، يعني اسمه بالآرامية السيدة “سوريا “…. سيدة بقاع الأرض، أم الحضارات.
في هذه القبضة الصغيرة من روح الأرض نثر الله أزهاره التي نفخ فيها فكانت إنسانا سويَا.. من سهول تركمانستان قطف زهرة أتعبتها الريح الصفراء ورياح الكره فحملها على جناح الرحمة ليزرعها في التربة الطيبة .. فأنبتت قرى ومواقد تئن في الشتاء، فكان تركمان سوريا، عشقا زرعته الرحمة الإلهية في الأرض التي لا تشيخ، والتفت الله إلى أنغوشيا والشيشان وداغستان وقمم القوقاز .. وقطف وردة يضوع عطرها علىالأفاق…وردة بحجم همهمات الطفل لكن لها شوكة تدمي الباغين اذا اقتربوا .. فانطلقت في أرض سوريا شقيقة الخيل الأصيل حتى اقترن اسمها بالفروسية (أديغة) فكان الشركس نبلاء في الحرب ونبلاء في السلم ..ومن منابع الخير من هضبة أرمينيا أخذ نرجسة وزرعها في حنايا الوجدان السوري فكان الأرمن طيبين ووادعين، فيهم إباء الجبال ورقّة السهل الفسيح، وما أن جمع الله وروده من الأرض البعيدة حتى ضمها إلى بعض وشد عليها برباط الود إلى نبت الأرض من سريان وكرد وعرب .. فرسان الريح المنطلقة .. إخوة الجميع .. وملجأ المحتاج ومفزع الخائف إذا ادلهم الليل وأحدقت الخطوب .. باقة من زهر الإنسانية اختارها الله بقضائه لتعيش معا في قبضة الروح الصغيرة في الأرض الأثيرة لديه … لتكون معجزة التآخي والوئام بين الأعراق والديانات، فأحبها الجميع وأحبتهم .. غنوا لها أغانيهم وعزفوا موسيقاهم .. تحدثوا لغاتهم وتعلموا لغة الأرض فما وجدوا فيها غربة وما أحسوا في حناياهم ألم الفراق ..تنسم الجميع هواء الحرية فتفتحت أرواحهم وكانوا كقوس قزح جميل عشق أرض سوريا فانداح إلى أديمها تاركا السماء … كانوا جميعاً ( سوريين من غير سوء) يمجدون اسم الله بكل اللغات ، وكل على طريقته وحسب طقوسه …

سورية التي انتشر أبناؤها في العالم القديم يركبون البحر وينشرون حيثما حلّوا حضارة ونوراً يزيح الظلام عن الأرض ، أعطوا للبقاع أسماءها وأبجديتهم وشيئا من روحهم الطامحة للكمال.

وكلما ضاقت بهم أرضهم بفعل غزوات الطامعين ، خرجوا منها ليشيدوا حضارات وأمما وصروحاً ما زالت تشهد أن السوري توأم الحلم والخلود.

سورية التي كانت مطمع الجميع  لأنها سّرة العالم وسرّه المتجلي للبشرية ، أبناؤها كما أرضها عصيّة على الفناء ، تتجدّد باستمرار وتولد من رماد حرائقها فتيّة جميلة وكأنها استعادة الربيع لروحه بعد موات الصقيع .

سورية التي قاومت وما زالت تقاوم كل أشكال التهشيم ، تضحك دائما على كل المستبدين والغزاة ، تظنها ماتت واندثرت ، فتظهر من جديد وكأنها تولد الآن.

و”الآن”  في تعرف السوريين هو حبّهم للحياة، لأنهم أبناء الحياة، بادت على أرضهم كل الغزوات وبقوا هم، كما كانوا سوريين يعشقون حلمهم ويشدون الرحال إليه.

سورية التي قال فيها “مليغر الصغير “شاعرها الجميل في الألف الثاني قبل الميلاد:

“جزيرة صور قد رعتني

 

وجدارة التي تشبه أتيكا

 

لكنها في سوريا قد ولدتني

 

أنجبني أوكراتس أنا مليغر

 

الذي بعون ربات المواهب أولا

 

سرت بموازاة منعمات منيبوس

 

إن كنت سورياً ما العجب ؟

 

أيها الغريب

إننا نسكن بلدا واحدا هو العالم “.

سورية التي قال شاعرها العظيم بدوي الجبل :

يفنى الجميع ويبقى الله منفرداً

فلا أنيس لنور الله لولانا

لنا كلينا بقاء لا انتهاء له

وسوف يشكو الخلود المرّ أبقانا

 

كانت سوريا هي الكل حين يتكثف في الجزء، كانت مثل فاتحة الكتاب والسبع المثاني تعبيرا عن الإنسان حين يكون إنسانا، لكن الظلم والظلام خيم على هذا الوطن الجميل، فتداعت مفاهيم الإخاء، واندحر التسامح لصالح الكراهية والحقد الذي بات يتقدم في النفوس، لكن الروح تقاوم وستبقى تقاوم، فكنتم أنتم كوكبة من أبناء الوطن الحالمين بحياة أفضل وبمجتمع يكون الإنسان فيه هو الأساس والهدف، كنتم أنتم تعبيراً عن نجمة الصبح التي تبشر بولادة نهار جديد، كنتم أنتم اختلاجات قيامة الروح الوطنية السورية، وكان هذا الحلم الذي تجسد بتأسيس حزبنا ليكون رافعة تنتشل أرواحنا من جحيم اغترابها وشتاتها الذي بات يهدد وجودنا المادي والمعنوي.

في ذكرى الجلاء العظيم ، وفي ذكرى تأسيس حزبنا ، كل عام وأنتم بخير ، سورية ستولد من جديد كما نريد لها ، وكما تشاء مشيئتنا، حرّة ورائعة تموج بالعدل والمساواة.

167 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *