رداً على قول الأسد “سوريا بخير” !!


د. رفعت عامر

صدى الشام-17 ابريل 2015

 

مرت أكثر من أربعة عقود على حكم البعث وآل الأسد لسوريا، تميزت هذه المرحلة بالركود الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مع ظهور أزمات قوية كانت سبباً كافياً لتغيير النظام لو كنا في دولة فيها الحد الأدنى من الديمقراطية وحقوق الإنسان ودور حقيقي لمنظمات المجتمع المدني.

كانت الأزمة الأولى عام 1982 حين قاد الإخوان المسلمون احتجاجات مسلحة ضد النظام الذي كاد أن يسقط لولا الحملة العسكرية التي قادها رفعت الأسد ودمر فيها أحياء كاملة بمدينة حماة، وقتل وشرد لا يقل عن 50 ألف سوري. وكانت الثانية مع نهاية الثمانينات بسبب الحصار الاقتصادي الذي أوقف دورة الاقتصاد عن العمل بفاعلية بعد فقدان مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والاستهلاكية، حتى صار المواطن السوري يصرف جل وقته في الطوابير للحصول على الحد الأدنى من حاجاته من المواد الأساسية كالسمنة والزيت والسكر وغيرها. أما الثالثة، وهي الأخطر من كل الأزمات السابقة بالنسبة للنظام، فهي الثورة السورية العظيمة التي فاجأته بإصرار الشعب السوري وقدرته على تحدي آلة القتل والدمار والحصار.

سنكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى الآثار الاقتصادية للأزمة الأخيرة دون التطرق للأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والإنسانية التي أنتجتها.

إن العامل الاقتصادي المتدهور كفيل بإسقاط أي حكومة في بلد مؤسسات يحترم الدستور والقانون. ولكن الأوضاع الاقتصادية الكارثية في سوريا لم تكن كفيله لوحدها بإسقاط النظام بسبب بنيته الأمنية والعسكرية وتضافر عوامل أخرى داخلية وخارجية ما زالت مساعدة على إبقائه. لقد تحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد حرب مقطع الأوصال بين إمارات وأمراء حروب و60% من مساحة سوريا خارج سيطرة النظام.

تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي إلى أكثر من 80% قياساً لعام 2010، وتوقفت السياحية كلياً. وتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 60 مليار عام 2010 إلى أقل من 30 مليار عام 2015. جفت مصادر الدخل الأساسية التي كانت تشكل موارد الموازنة العامة للدولة حيث أصبحت غالبية آبار النفط بيد داعش، ومجموع ما ينتج هو 15 ألف برميل بعد أن كان حجم الإنتاج يقارب 400 إلف برميل يومياً، ونزح أكثر من 7 مليون سوري إلى مناطق أخرى داخل سوريا وأكثر من 3 ملايين نحو الخارج، ولم تعد هناك إدارة اقتصادية موحدة للبلاد. حتى في المناطق التي يحتلها النظام يُدار السوق من قبل تجار الأزمات والحروب وزعماء المافيا والفاسدين من الموظفين الكبار في مؤسسات الدولة.

سوق منفلت من أية ضوابط تشريعية وقانونية وفنية، يفرض النظام سلطته على اللاعبين فيه بالأدوات الأمنية فقط، وأحيانا بالوسائل الإدارية. ولم يبق تحت سيطرته حتى الآن إلا التحكم نسبياً بسعر صرف الليرة السورية بدعم مالي إيراني، بعد أن أنفق الاحتياطي من العملات الصعبة في البنك المركزي والمقدرة بـ 18 مليار دولار قبل الثورة بعد تثبيت سعره عند حدود معينة. الأمور مرشحة الآن إلى التدهور بعد إطلاق إيران تصريحات بعدم قدرتها على الدعم إلى أمد مفتوح، وعندها سيفقد النظام السيطرة على إدارة الاقتصاد بالكامل.

لقد صار أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر، و70% من الشعب السوري عاطل عن العمل، والبلاد غارقة بديون تجاوزت 13 مليار دولار ستدفع لاحقا من جيوب المواطنين السوريين ..

خسرت سوريا خمسين عاما من النمو، وكلفتها الحرب، التي خاضها النظام ضد الشعب السوري، أكثر من 250 مليار دولار. تحول تعداد سكان سوريا من 21 مليون عام 2010 إلى حوالي 17 مليون عام 2014. ينام أكثر من 60% من السوريين خارج منازلهم، وأكثر من مليوني طفل سوري لم يلتحقوا بمدارسهم. وفقد السوريون القدرة على تأمين الغذاء واللباس والطاقة في بلد يعتبر الأغنى بين البلدان العربية في الإنتاج الزراعي والصناعي.

لقد تعدت الأزمة الراهنة بالنسبة للنظام كل الأزمات السابقة بسبب عمق التحول الذي أفرزته في بنيته السياسة والاقتصادية والعسكرية، وأسقطت عنه كل الشرعية المحلية والدولية ووصل إلى الحالة التي يدرك فيها استحالة العودة إلى الوراء، بعد أن حول سوريا إلى أكبر مأساة في العصر وأخطر منطقة للسكن والحياة في العالم. ومع ذلك، ما زال يكرر من مخبئه في القصر الجمهوري “سوريا بخير”.

 

38 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *