القردة تكشف لنا عن أسرار “النوم المريح”

بي بي سي – 22ابريل 2015

بدو تأمل قرد من نوع “أورانغ تان” أو (إنسان الغاب) خلال نومه، شبيها بالنظر إلى رضيع ضخم ذي حُمرة، وهو غافٍ في وداعة.

هذه الكائنات الضخمة، التي تنتمي إلى فصيلة “القردة العليا”، تحب أن تدلف إلى فراش أو عش لتستكين فيه وتخلد إلى نوم طويل وعميق. وبين الحين والآخر، تتراقص أعين تلك الحيوانات خلف جفونها، ما يشير إلى أنها ربما تكون في تلك الأثناء ترى حلما عابرا، من ذلك الذي قد يراود القردة من جنسها.

لكن النظر إلى قرد “البابون” خلال نومه، يبدو أكثر شبها بمشاهدة شخص ضعيف ذي مشاعر مريرة ومصاب بالشك المرضي في الآخرين؛ وهو يحاول جاهدا نيل قدر ولو ضئيل من النوم.

فتلك الحيوانات تنام على نحو غير مريح، جالسة في وضع مستقيم، ومرتكزة بأجسادها على مؤخراتها لحفظ التوازن، بينما لا تكف عقولها عن التفكير وكأنها “تطن”، وبداخلها خوف مستمر من أنها مُلاحقة من قبل شيء أو شخص ما.

ومن شأن ذلك أن يطرح سؤالا مهما: لماذا تنام قردة “إنسان الغاب” بعمق شديد، بينما تعاني قردة “البابون” – التي تنتمي مثلها إلى رتبة “الرئيسيات” – من النوم المتقطع؟

وحسبما يدرك العلماء حاليا، فإن إجابات مثل هذه الأسئلة تضرب بجذورها في عمق تاريخ تطورنا. وتساعد هذه الإجابات على أن تشرح، ولو جزئيا، كيف كان بوسع الكائنات -التي تنتمي إلى فصيلة “القردة العليا” ومن بينها البشر – التطور إلى أن أصبحت على الشاكلة التي نبدو نحن عليها في الوقت الحاضر. كما تفسر السبب الذي يحدو ببني البشر إلى أن يفضلوا عادة الخلود للنوم على الأَسِرَّة.

يقول ديفيد سامسون عالم الأنثروبولوجي (علم الإنسان) بجامعة ديوك بمدينة دور هام بولاية نورث كارولينا الأمريكية “لم يُعترف سوى مؤخرا بأن النوم ربما يُشكل عاملا ذا دور جوهري في عملية التطور البشري.”

رغم ذلك، فنادرا ما درس العلماء كيف يمكن أن يكون النوم قد أثر على تطورنا كنوع من الكائنات الحية. ولذا، قرر سامسون وزميله روبرت شوماكر، من جامعة إنديانا بمنطقة بلومينغتون الأمريكية، الاضطلاع بهذه المهمة تحديدا.

واختار الاثنان إجراء دراسة على كائنات تنتمي إلى نوعين يندرجان تحت رتبة “الرئيسيات”، ونشرا النتائج التي خلصا إليها في الدورية الأمريكية للأنثروبولوجيا الطبيعية.

وقال سامسون لبي بي سي: “اخترنا قردة من نوع أورانغ تان (إنسان الغاب) لأنها نوع من القردة لم يخضعه العلماء المتخصصون في دراسات النوم للبحث والدراسة بعد.”

ويضيف: “بالإضافة إلى هذا، فهي أقرب الكائنات التي تنتمي لفصيلة ’القردة العليا‘ صلة بالبشر، وبالتالي فهي نوع مهم لاستخلاص بيانات يمكن استخدامها لأغراض المقارنة”.

ويستطرد سامسون: “اختيرت قردة البابون تحديدا نظرا لكونها أحد أكبر أنواع القردة حجما من نوع (السعادين) التي لا تستخدم منصات للنوم. في الأساس، كنت أريد تثبيت عنصر حجم الجسم، لأطرح سؤالا مفاده: لماذا يتباين هذان الكائنان الضخمان، واللذان ينتميان لرتبة الرئيسيات، في سلوكياتهما بشكل ملحوظ للغاية خلال النوم؟”

وفي إطار الدراسة، عكف العالمان على تسجيل مقاطع مصورة لخمسة من قردة “إنسان الغاب”، و12 من قردة “البابون” خلال نومها على الأسرَّة، على مدى فترات تتراوح ما بين شهر إلى أربعة أشهر.

ودرس الباحثان أوضاع هذه القردة خلال النوم، وحركات أجسادها، بالإضافة إلى أنماط نومها. كما سجلا الوقت الذي تظل فيه تلك الكائنات المنتمية لرتبة “الرئيسيات” مستيقظة، والوقت الذي تخلد خلاله للنوم. كما لاحظا ما إذا كان نوم تلك القردة متقطعا أم لا.

وشملت الدراسة كذلك مراقبة نشاط الدماغ، عبر قياس الحركة السريعة للعين التي تشير إلى النوم الأقل عمقا أو النوم الخفيف، مقارنة بالحركة غير السريعة للعين التي تشير إلى النوم الأكثر عمقا. وبالنسبة للبشر، ترتبط الحركة السريعة للعين بالاستغراق في الأحلام.

وثَبُتَ عبر هذه الأبحاث أن قردة “إنسان الغاب” تنام لفترات أطول، وعلى نحو أكثر عمقا من قردة “البابون”، وهو ما يشير إلى أن كل الكائنات المنتمية لفصيلة “القردة العليا”، تنام بالفعل بشكل أفضل، من تلك التي تنتمي لفصيلة “السعادين” التي يعرفها البعض باسم “القردة البدائية”.

 

 

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *