عن الحياة في زمن الموت


د. مضر الدبس

المصدر: جريدة الحياة الدولية

تعجز السياسة عمّا يخفق فيه رصيد الحب، لكنها تضيء الدرب نحو حب شاغر لم يتبادله اثنان. والثورة كالإنسان، تحب أن تضفي على نفسها نوبات من نشوة الوجود قبل أفول وجودها. تدرك أنها إن صدَّقت القدسيَّة في مجازات الثوار، توهَّمت كوهم جلجامش الأول، وغامرت بالأبناء في بحث سوريالي عن خلود مستحيل، ففوّتت، خلف هذا السراب، حياة جميلة ممكنة تستحقها قبل موت هادئ مؤجل. تطلب الثورة منّا أن نطلق العنان للجمال من بين الركام، لتصير العينان لساناً والجفنان شفتين، أن ننشد الجمال ولا ننسى طعم القبلة وحوار القانون والقيثارة وصوت الصهيل. إخلاصاً لمن رحلوا نستمر في الحياة، وننشد مع خليل جبران: ما أنبل القلب الحزين الذي لا يمنعه حزنه من أن ينشد أغنية مع القلوب الفرحة. وإذا تأبَّط الحزنُ الحزنَ، فاعتبر مع جلجامش من خلاصة التجربة: «الموت حق يا أورشنابي، لكن الحياة حق أيضاً. فإن لم نقبل الموت لا نستطيع أن نقبل الحياة. إن الإنسان يموت… وعليه أن يفعل الكثير قبل أن يمضي. لقد حُكِم عليه بالامتحان الكبير وعليه أن يتعلم كيف يعيش، وعليه أن يتعلم كيف يموت. لقد تركتُ أوروك وأهلها ولم أكن في الحقيقة إلا باحثاً عنها وعنهم، وها أنذا عائد إليهم، فبهم ومعهم سأحيا، وبينهم سأموت». هذا الاستهلال توطئة صغيرة لحديث عن أمل كبير، حديث عن الحياة عندما ائتلفت المماتُ مع العطاء.

في هذا الوجود، عبثية أدركها الإنسان الواعي منذ زمن بعيد، ومع تجاسر الفكر أدرك أن فكرة الخلود وهم لا ينفع في مواجهة هذه العبثية، بل الفكر الخلاق القادر على ابتكار منتجات المتعة وطريقة التعامل معها. ولم تكن هذه الحاجة الاستيطيقية إلا حاجة طبيعية إنسية مُكمِّلة، هي وعي الابتكار وممارسة قدرات الاستمتاع بوعي الوجود، بينما الجمال هو الحس الرفيع في الشكل المُبتَكر الذي يحمل صفة الأفضل النسبي. تكون هذه القدرة طبيعية المنشأ متأصلة في وعي الإنسان وفي بيولوجيّته، فهو الكائن الذي يلعب، وينحت، ويرسم، ويغني، ويرقص، ويُحبُ، ويُحَبُّ، ويَرتجف ويَضبط التركيز في القبلة الأولى… لكن هذه الطبيعة الجميلة قابلة للتخريب والتشويه.

وبقدر ما يُعطَّل الفكر عن حرية التفكير، ويُفرَض عليه الالتزام بمعرفة خارج الفكر وخارج عالم الوجود، ويتقبل هذه الرؤى ويخضع لها، بقدر ما يفقد قدرة الابتكار والتفكر. إن الحس في الشكل الأفضل الذي يُنتجه الفكر الحر، يؤلِّف الوعي بالجمال بعد منحه قيمة استمتاعية. ولا يمنع النقص في الحاجات النَفعية من ابتكار الجمال، بل ثمّة مساحة واسعة لابتكار جمال ينير الدروب في السعي نحو الاكتفاء والحرية والكرامة والعدل والمواطنة. لكن ما يمنع من ابتكار الجمال، هو مرض سببه نقص وتشوّه قدرات الابتكار التي يتمتع بها الفكر بالسليقة، بحيث تنكر الذات أن لها قيمة بذاتها، وتمرض سيكولوجيا الذات وتلد بيئة كئيبة، فلا تعي ضرورة الجمال وتنكر ضرورتها الوجودية لمصلحة تضخّم قوى إرضاء الحاجة الرمزية، وهي تلك الحاجة التي تعمل على الوعي بموقع هوية الذات بين الأشياء في واقع عالمها الوجودي، وتشكّل الوعي السيكولوجي المتعلق بمسألة بقاء وزوال كيان الذات: الوعي الوجودي بالحياة والموت.

يؤدي هذا المرض إلى ابتكار قوى «شَبحيّة مُقدَّسة»، وأخرى «تَشبيحيّة مُؤَسّسة» تستعين بها الذوات المريضة لمقاربة وجودها، فتعيش معها أوهاماً مأسوية. وتتبع الأولى نهج «الاستمتاع المؤجل» الذي يتحقق في عالم خارج وجودها الدنيوي، ويؤمن لها بقاء أزلياً ووجوداً ممتعاً مع حور العين، وأكواب، وأباريق، وولدان يطوفون، وفاكهة، ولحم طيرٍ، ولبس من سندس وإستبرق… فيما تتبع الثانية نهج الاستمتاع الغرائزي الحيواني الذي يتجسد في التسلط، والتعجرف، والتعذيب الممنهج، والحقد المؤدلج، والهمجية، والسلب، والنهب، والاغتصاب، والتجويع… لكن السوري هو الإنسان الطبيعي الذي يُغني لينطلق المستحيل، فيكتبه على ألواح الوجود ويحفظها من هواة الرثاء، يُغني لئلا يضيع منه الجميل وينكسر على بقايا سجية قتلها الطاغية قتلاً ممنهجاً، فغدت تنتج تشبيحاً أو أشباحاً، يُغني بلا عوائق بين الإحساس والنغم، يُغني مجدداً علَّ المغنى يطيب للحب كما يطيب لنا الوطن… ولا نهاية لهذا المقال، فلا يطيب مقام الخواتيم في دعوات الجمال.

206 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *