“كشف المستور” فعلاً

رشا عمران

 العربي الجديد- 25 أبريل 2015

“على السوريات مُتابِعات هذا التقرير تناول دواء مهدئ، أو حبوب خافضة للضغط، قبل بدء المتابعة”. كان يجب أن تكتب هذه الجملة على التتر الخاص بالفيلم الوثائقي الاستقصائي، الذي عرضته محطة سكاي نيوز العربية، الأسبوع الماضي، “كشف المستور.. الزواج في زمن الحرب”، عن زواج السوريات في مخيمات اللجوء في تركيا والأردن ولبنان، إذ لا يمكن لسورية، يجري دم في عروقها، وهي تشاهد هذا الفيلم إلا أن تعاني من أعراض ارتفاع ضغط مفاجئة. ليس السبب أنه يعرّي الوضع المزري للاجئات السوريات، فكل ما يحدث، حالياً، للسوريين والسوريات، نتاج طبيعي لحالة الحرب والهروب والنزوح. ما يحدث للسوريين، اليوم، حدث ما يشبهه في الدول والمجتمعات، التي تعرضت لظروف مشابهة من حروب خارجية، أو حروب داخلية أهلية، عادة ما تزدهر في ظروف مثل هذه، تجارة الرقيق الأبيض وعمالة الأطفال وزواج القاصرات والدعارة، خصوصاً في المجتمعات، التي كانت تعاني سابقاً من مشكلات اجتماعية واقتصادية عميقة ومركبة.
بهذا المعنى، لم يفضح الفيلم، ولا صانعوه، شيئاً كان مستوراً. كل ما قدم في الفيلم الاستقصائي معروف، وثمة سلالة له في أماكن أخرى. الفضيحة الكبرى في الفيلم نفسه، في الآلية المتبعة في التصوير، في اللامهنية واللاأخلاقية المستخدمة في تصوير الفيلم. لوهلة، شعرت أن صانعي الفيلم من المتابعين المواظبين لقناة MBC  أكشن، وللمسلسلات الأميركية المنتجة خصيصاً لإظهار المقدرة الاستثنائية للمخابرات الأميركية وشركائها في كشف الجرائم الدولية والمحلية. هناك، في هذه المسلسلات، ينتحل عملاء CIA وعميلاتها شخصية إرهابي أو داعرة مستجدة مثلاً، لكشف منظمة تبيع السلاح بطريقة غير شرعية، أو كشف شبكة دعارة دولية، وهكذا. هذا ما حدث في “كشف المستور”. انتحل أحدهم صفة راغب في الزواج من فتاة سورية، وصور كامل تفاصيل الاتفاق معها من دون علمها، ثم عرض ما صوره على الملأ تحت اسم كشف المستور!! في مسلسلات الأكشن، ما يحدث هو تمثيل، الشخوص فيها مزيفون، مجرد ممثلين، ليس فيها اعتداء على أحد. هنا، مع هذا الاستقصاء الفضيحة، ثمة استباحة لخصوصية أشخاص حقيقيين، من لحم ودم، لهم أسماء حقيقية ووجوه حقيقية وعائلات حقيقية. استباح أحدهم كل هذا بذريعة العمل الصحافي، وتباهى باستباحته تلك، بعرضها على قناة تلفزيونية، تدعي المصداقية والمهنية من دون أية اعتبارات لما يمكن أن يتركه شيء كهذا من تبعات مادية ومعنوية على المعتدى على خصوصيتهن.
حقيقةً، لم يكن ينقص نساء سورية، في مخيمات اللجوء وفي كل مكان، غير هذا! لا يكفيهن كل ما حدث لهن، وما تعرضن له من قهر وخوف وامتهان من الجميع، لا تكفيهن أحزانهن ويأسهن وفقدانهن كل مسببات الحياة، حتى يتعرضن لتجربة شنيعة كهذه. الأسوأ من الفيلم الفضائحي هو رد فعل الذكورية السورية على الأمر، إذ بدلا من السعي إلى إيجاد طرق قانونية، توقف تصوير شناعات كهذه وعرضها، استنفر الشرف السوري الذكوري بصوته المرتفع، ليعلن أن ليس هذا سوى كذب وافتراء وتشويه للسوريات الثائرات. هذا الشرف نفسه لا يتوانى عن وصف أية أنثى بأشنع الصفات، وتعميم أوصافها على صفحات التواصل الاجتماعي، لمجرد أنها عبرت عن رأي مخالف لرأي الجماعة، هذا الشرف المحرض على الحرب والموت اليومي، وهو يتنعم بأمانة،  بينما يدفع ثمن هذا التحريض الأبرياء، والنساء غالبيتهم، النساء اللواتي تركن في العراء تماماً، بلا أي شيء يسندهن، بينما يكتفي هؤلاء بالصراخ الفيسبوكي والإعلامي في محاولة للتغطية على الواقع المزري لنا جميعاً، بدل البحث عن حلول سريعة، وتساهم في الخلاص من هذه المأساة، في صوت مشوه ومشابه لصوت معد الفيلم ومصوره. شكراً لشرفكم جميعاً، أيها السادة، ما حدث كشف المستور فعلاً عن انحطاط أخلاقي وإنساني وإعلامي محيط بمأساة المرأة السورية.

5 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *