“داعش” يرتّب أولوياته العسكرية: العراق ساحتنا الرئيسية لا سورية

لم تتوقف حركة انتقال المسلحين والمعدات الضخمة من سورية إلى العراق للأسبوع الثاني على التوالي، على طول الحدود المستباحة من تنظيم “الدولة الإسلامية” بين البلدين، مع استغلال التنظيم عتمة الليل وموسم الغبار الذي يُطبق على المنطقة في كل عام من هذا الشهر؛ لتحييد الطيران الغربي عن الصورة التي تنبئ بمزيد من المفاجآت، خلال الأسابيع أو الشهرين المقبلين على الساحة العراقية على وجه التحديد.

ويتزامن حراك “داعش” الجديد مع ما أكده من بدا أنه قيادي كبير في التنظيم، اعتلى منبر أحد مساجد شرق الأنبار يوم الجمعة الماضي، وأحيط المكان بإجراءات أمنية مشددة، وانتشار لعشرات المقاتلين، وقطع شبكة الاتصالات الجوالة من المنطقة، وبدت على لكنته السريعة وسحنة وجهه أنه من جنسية مغربية أو جزائرية.

وأكد خلال خطبته التي لم تستغرق أكثر من 35 دقيقة أن “دولة الخلافة الإسلامية تعرف كل شيء، وتسمع وتقرأ ما يكتبه العالم والعراقيون على وجه الخصوص حول التنظيم، وترصد معاناة المدنيين من جوع وتشرد وذل على يد الصليبيين والمرتدين”.

وتابع الشيخ الذي ارتدى عمامة ورداء أسود على طريقة زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، أن “كل ما يتعرّض له المسلمون في العراق، لن يكون بلا نتيجة، ونحن نعلم ما نصنع وندري بما تفكرون، وكيف تتمنون أن يرجع كل شيء إلى الوراء ليعود الجميع إلى منازلهم وأعمالهم، لكننا بتنا في منتصف الطريق ولا مجال للعودة أو التوقف، ولن نقبل بأقل مما خططنا له، ودماء من فقدتم من أهلكم لن تذهب هدراً”، مضيفاً “النتيجة بالنهاية ستكون غلة كبيرة من المنافع لكم ولأجيالكم”.

وعلى الرغم من أن الرجل لم يأتِ بجديد أو كلام مختلف عن باقي الخطب التي يتلوها “داعش”، إلا أن الخطيب الداعشي تحدث عما وصفه “بفقه الأولويات بالجهاد”، إذ أشار إلى أن “بديل الخلافة الإسلامية في العراق هو إيران والرافضة، ومشروعهم في ابتلاع العراق بسبب فساد عقيدة العشائر والفصائل الإسلامية الأخرى السنّية العاملة في العراق”، في إشارة منه إلى “جيش المجاهدين” و”الجيش الإسلامي” و”كتائب ثورة العشرين” و”المجلس العسكري لعشائر العراق”؛ أبرز الفصائل السنّية التي قررت تجميد عملها العسكري بعد إعلان “داعش” الخلافة.

وقال إن “سورية باتت آمنة ومصيرها محسوم طال أم قصر للمسلمين، لكن العراق في عين الخطر وهو أهم من سورية بألف مرة، فكسر شوكة المجاهدين يعني ضياع العراق وتحوّله إلى مستعمرة صفوية”، وفقاً لقوله.

ولعل تصريحات أو خطبة القيادي المعروف باسم أبو مالك المهاجر، تتوافق مع ما هو قائم على الأرض فعلاً هذا الأيام، إذ أكدت مصادر أمنية وبرلمانية عراقية فضلاً عن شهود عيان، أن تنظيم “داعش” نقل الآلاف من مقاتليه من سورية إلى العراق، مع العشرات من الدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة عبر محوري البو كمال-القائم، ودير الزور-ربيعة.

وقال القيادي في التحالف الوطني الحاكم في العراق أحمد الربيعي لـ “العربي الجديد”، إن “المعلومات المتوفرة لدى الحكومة والأجهزة الاستخبارية العراقية تشير إلى أن داعش نقل أكثر من تسعة آلاف مقاتل من سورية إلى العراق خلال الفترة الماضية، فضلاً عن دبابات ومدرعات، بعضها استولى عليها من الجيش العراقي العام الماضي، ودفعها إلى سورية وعاد بها اليوم مجدداً، وأخرى تابعة للجيش السوري النظامي من طراز T72 الروسية، فضلاً عن صواريخ وأسلحة مختلفة”، مضيفا “هذا ما يجعلنا نتأكد أن الجيش العراقي لم يتراجع مستواه، بل إن الهجمة باتت أقوى بكثير، وأدت إلى احتلال الإرهابيين مناطق أخرى”.

من جهته، كشف الضابط باللواء 28 الفرقة السابعة في الجيش العراقي العامل بمحافظة الأنبار، هشام عباس الطائي، أن “داعش ضاعف أعداده في الأنبار إلى الضعف، عبر مقاتلين جلبهم من سورية خلال حملة نقل كبيرة تقاعست عنها قوات التحالف”.

وأوضح الطائي لـ “العربي الجديد”، أن “ما معدله 10 أرتال أو قوافل تابعة لداعش عبرت من سورية إلى العراق؛ محمّلة بالسلاح والمسلحين من مختلف الجنسيات، فيما التحالف الدولي لا يُقدّم تبريراً عن عجزه أو بالأحرى تفرّجه على تلك العملية، ولم لا يستهدفها أو حتى يقدّم معلومات جوية للعراقيين على الأقل؟ حتى نعزز المواقع المقابلة لداعش بأعداد مماثلة من الجنود أو مجاهدي الحشد الشعبي”، وفقاً لقوله.

وأضاف الضابط العراقي أن “التحالف الدولي يعلم شيئاً ويخفيه، ونخشى أن تكون هناك طبخة معينة حول سورية على حساب العراق، مثل تنظيف الجبهة السورية من داعش استعداداً لحسم ملفها، لكن على حساب العراق”.

في السياق نفسه، قال نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار فالح العيساوي، إن “تنظيم داعش استقدم الآلاف من مقاتليه إلى العراق من مدن سورية مستقرة نسبياً، ولا تتطلب جهداً قتالياً مثل البو كمال ودير الزور والرقة وريفها، مع أسلحة ثقيلة وخفيفة”، مشيراً إلى أن “هذا أحد أسباب الانتكاسة الأمنية الأخيرة”.

وأضاف العيساوي، في اتصال مع “العربي الجديد”: “نحن نعلم أن تنظيم داعش هدفه العراق بالدرجة الأولى لاعتبارات مختلفة، وخطوته هذه تشير إلى أن ما هو قادم أخطر بكثير مما مضى، ووجّهنا طلباً لدول عربية وغربية لتسليح الأنبار قبل أن يأتي وقت لا ينفع التسليح فيه بطرد التنظيم من الأنبار”.

إلا أن الخبير بشؤون الجماعات المسلّحة فؤاد علي، أكد لـ “العربي الجديد”، أن “حركة داعش العكسية من سورية إلى العراق ناتجة عن ضعف أعداء داعش في سورية، مقابل شراسة المليشيات والقوات النظامية في العراق، مما جعل التنظيم يراجع حسابات توزيع قواته وفقاً لسخونة المناطق”.

واعتبر علي أن “مشروع خلافة داعش ثابت لا يتغير وهو العراق وسورية، لكن التنظيم يرى في العراق الساحة الأهم حالياً لعدة أسباب معروفة”، مضيفاً أن “كمية الأسلحة والمسلحين التي دخلت العراق من سورية، يمكن وصفها بأكبر هجرة لداعش منذ يونيو/حزيران العام الماضي الذي شهد هجوماً كبيراً للتنظيم، أسقط على إثره الموصل وباقي مدن شمال العراق”.

ورأى أن “سحب داعش لمقاتليه من سورية إلى العراق سيؤدي إلى إبطاء زحفه في سورية، والاكتفاء بما لديه من أراضٍ في الوقت الراهن، مقابل انتظار مفاجآت منه في العراق، وعلى الجميع أن يحبس أنفاسه في حال استمر الفشل الحكومي الذريع بإدارة الحرب، وبقاء غارات التحالف على وتيرتها الحالية، ويمكن لفصائل المعارضة السورية الوطنية أن تستغل ذلك لصالحها بالمقابل”

 

 

4 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *