تدمير الآثار في العراق وسورية غير مسبوق

العربي الجدبد- 28 أبريل 2015

ابتسام عازم

ماغواير جيبسون، أحد أهم الروّاد المختصين في العالم ببلاد ما بين النهرين. قام بعمل ميداني واسع النطاق في العراق وأماكن أخرى، ونشر أبحاثًا وكتبًا كثيرة. شارك عام 2003، في الوفد الذي ألّفته مجلة ناشيونال جيوغرافيك لتفقّد المواقع الأثرية في العراق. وعمل مستشارًا لدى منظمة اليونيسكو ومنظمات ثقافية وعلمية أخرى تعمل في مجال الحفاظ على التراث الإنساني. وكان لكتابه “التراث المفقود؛ سرقة الآثار من متاحف العراق” أثرٌ كبيرٌ في لفت النظر إلى مشكلة سلب الآثار ونهبها في عراق ما بعد 1991.

 

* تعمل كعالم وباحث للآثار في العراق تحديداً، وفي مناطق عدة من سورية والشرق الأوسط. ما الذي يدور في بالك كعالم آثار عندما تشاهد الدمار الذي يلحق بها في العراق وسورية، كما شاهدنا مؤخراً عند قيام “داعش” بتدمير مواقع أثرية؟ أو مثلاً تلك الصور الذي نقلتها وسائل الإعلام أثناء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث نهبت المتاحف العراقية فضلًا عن التدمير والتخريب؟ 
الدمار الذي شهدته الآثار والمواقع الأثرية في سورية في السنوات الثلاث الأخيرة، لم يسبق له مثيل في أي مكان في العالم. حتى المغول أو التتار لم يتمكنوا من عمل ذلك، وبهذه الطريقة المفجعة. عن طريق صور الأقمار الصناعية بإمكاننا رؤية مئات الحفر التي صنعت بآلات حفر، في مناطق رائعة ومهمّة تاريخياً، مثل موقع أفاميا قرب نهر العاصي، الذي فيه آثار لحضارات هلنستية ورومانية وبيزنطية وإسلامية، أو مدينة دورا أوروبوس الواقعة غير بعيد من نهر الفرات، والتي اشتهرت بجداريتها الموجود جزء منها في المتحف الوطني بدمشق، فضلًا عن عشرات المواقع التاريخية الأخرى، بعضها لا يقلّ أهمية عن المناطق آنفة الذكر، ويتمّ تدميرها كذلك بالطريقة نفسها.
وباعتباري عالم آثار، فأنا أدرك تمامًا أن نهب تلك الآثار وإخراجها من سياقها الأصلي، يجعلنا نخسر ما يقارب الثمانين بالمائة من المعلومات التي كان يمكن الحصول عليها لو قمنا بتنقيب تلك المواقع بشكل علمي. لقد دمّرت تلك المواقع إلى درجة فظيعة، ولعلّها ستحول غالبًا دون ذهاب بعثات آثار للتنقيب فيها في المستقبل. وأكبر الخاسرين من هذا كلّه، السوريون، فهم يخسرون جزءًا أساسيًا وضخمًا من إرثهم الحضاري المميّز كما يعلم الجميع. بالإضافة إلى الخسارة الاقتصادية، لأن تلك المواقع الأثرية الرائعة كانت وستبقى الأساس في ازدهار السياحة في بلادهم. في ما يخصّ العراق، الأمر مختلف قليلًا، إذ رغم أن الكثير من المواقع الأثرية في الجنوب قد نُهبت في تسعينييات القرن الماضي، وبعد عام 2003، إلا أن شمال العراق لم يشهد شيئًا مماثلًا، أي النهب والتدمير بشكل واسع، إلا مؤخرًا على يد “داعش”.

* هل لك أن تحدّثنا عن أهمية المواقع الأثرية التي دمّرت مؤخراً في العراق؟ وعن أهميتها في السياق التاريخي العراقي، وموقعها في التراث الإنساني العالمي؟ 

إن الدمار الذي شهدته مناطق نينوى ونمرود الآشوريتين، ومدينة الحضر السياحية، التي تعدّ أقدم مملكة في العراق (تقع في الجنوب الغربي لمدينة الموصل) مخيف ومهول. ذاك التفجير الهائل الذي مسح الجزء الشمالي الغربي لقصر الملك آشورناصربال، الذي شيّد في القرن التاسع قبل الميلاد، كان عملاً بربرياً غير مسبوق. فضلًا عن أن التحطيم المتعمّد للتماثيل في متحف الموصل، يمثّل خسارة كبرى، لم يعد بالإمكان مطلقًا استعادة تلك الآثار العظيمة. أما تلك التقارير التي تحدثت عن أن هذه التماثيل لم تكن أصلية، وإنما كانت نسخًا منها مصنوعة من الجبس، فهي تقارير غير صحيحة، لعلّها مغرضة.

من سخرية القدر، أن “داعش” دمّرت الآثار التي تمثّل أقدم مملكة عربية في العالم، يعود تاريخها إلى ما بين القرن الخامس والقرن الأوّل قبل الميلاد. فمملكة مدينة الحضر، كانت واحدة من ممالك عدّة ازدهرت في بلاد ما بين النهرين وعلى مدار ستة آلاف سنة. في الحقيقة، فإن بلاد ما بين النهرين هي المكان الذي نشأت فيه الحضارة البشرية، ومنها انتشرت في العالم كلّه. استمرّت بلاد ما بين النهرين مهدًا للابتكارات والاختراعات المبهرة، فضلًا عن الفنون المختلفة والعمران، وهي كلّها نابعة من فكر عظيم، وورثها بقية العالم من بعد. وإن محوها وتدميرها ومسحها على هذا النحو، يعني في أحد وجوهه أنه لن يكون في المستقبل أي تقدير واحترام لما قدّمه لنا أهل العراق وسورية من إيجابيات لا تحصى عبر العصور.

* متى كانت المرّة الأخيرة التي زرت فيها العراق؟ أزرته من أجل البحث؟ وعلى ماذا ركّز بحثك؟ 

كانت آخر زيارة لي إلى العراق قبل نحو عام تقريبًا. وصحيح، زرته من أجل البحث العلمي. ركّزت في أبحاثي الأخيرة على الفترة التاريخية الأولى لبلاد ما بين النهرين. لكن، كان من الضروري أيضًا دراسة جميع الحضارات في بلاد ما بين النهرين والبحث فيها، لأنني اشتغلت على مواقع أثرية، تتضمن آثارًا تمتّد لفترة طويلة من الزمن؛ منذ خمسة ألاف سنة قبل الميلاد وصولًا إلى فترة الحضارة الإسلامية. غالبًا ما عملت في العراق، بحثًا وتنقيبًا فهو اختصاصي. بيد أني قمتُ أيضًا بالتنقيب في مناطق أخرى من العالم العربي، في سورية واليمن والمملكة العربية السعودية.

* برأيك، هل تعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية أو أي جهة أخرى، مسؤولة بشكل ولو جزئي عمّا يحدث اليوم من تدمير للآثار ونهبها في العراق وسورية؟ 

لا أنا لا أعتقد، بل أنا مقتنعٌ بإن أي شيء مما يحدث اليوم، ما كان ليحدث لو لم تقع حرب الخليج الأولى عام 1991.
فهذه الحرب أدّت لاحقاً إلى فرض العقوبات على العراق في التسعينيات، وهي التي دمرت صحة أجيال كاملة وكذلك النسيج الاجتماعي للعراق. كما غذّت مشاعر عدم الرضى والسخط التي كان يشعر بها الناس في كافّة أنحاء العالم العربي. وكذلك فإن حرب عام 2003 وحماقة الاحتلال الأميركي خلقا “التربة الصالحة” التي أدت إلى انهيار حتمي للبلاد.

أمّا في ما يخص الآثار العراقية، فإن العراق لم يشهد خلال فترة طويلة من القرن العشرين بين عامي 1936 و1991 نهبًا لآثاره بالمستوى والحجم والكم الذي يشهده اليوم. إضعاف الدولة العراقية نتيجةً لحرب الخليج 1991، وما تلاها من عقوبات دولية وحصار، هي العوامل التي أدّت مجتمعةً إلى فتح الباب أمام النهب المكثّف للآثار في جنوب العراق، وهذا النهب هو الذي غذّى السوق العالمية للتحف، والمتاجرة بالآثار.

أمّا سورية، فوضعها مختلف قليلًا، إذ لديها تاريخًا جيدًا في حماية مواقعها الأثرية ومنع نهب آثارها والاتجار غير القانوني بها. بيد أن موقع بيروت القريب جدّاً جغرافيًا من سورية، أدّى أو سهّل خروج جزء من الآثار السورية المنهوبة عن طريق بيروت إلى السوق العالمية. ما تزال المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية تعمل على حماية الأماكن الأثرية والمتاحف السورية. لكن هذا أمر صعب للغاية، إذا أخذنا في عين الاعتبار الوضع الكارثي في البلاد. وكذلك فإن الجهات العراقية المماثلة، تحاول بدورها ترميم متاحفها وحمايتها، وحماية مواقعها الأثرية، لكنها لا تلك أي سيطرة على الوضع الذي يجري اليوم في شمال العراق.
* هل هناك أي محاولات جديّة أو حملات من قبل مؤسسات أو أفراد من أجل رفع قضايا ضدّ النهب؟ أومنع الاتجاربالآثار العراقية والسورية في السوق العالمية؟ وما هي الدول أو المناطق التي نجد فيها اليوم انتشارًا واسعًا للمتاجرة بآثار العراق وسورية وتحفهما؟ 

قامت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا أخيرًا بخطوات تمنع بيع الآثار العراقية في البلدين. وعلى الرغم من أن اليونيسكو حثّت وطالبت دولًا أخرى بالانضام إلى قرار المنع بالاتجار، إلا أن عملية الاتجار بالآثار العراقية المسروقة والمنهوبة مزدهرة جداً في أوروبا عامة، وتحديدا في كلّ من ألمانيا وهولندا وبلجيكا، بالإضافة إلى أماكن أخرى طبعاً.

أحياناً، تتمكّن مصالح الجمارك في الولايات المتحدة الأميركية أو غيرها من الجهات الرسمية، بمصادرة أو الاستيلاء على قطع أثرية مسروقة. لكن ما يتمّ ضبطه في السوق العالمية، لا يشكّل إلا جزءً بسيطًا جدًا من كمية الآثار المسروقة التي يتمّ الاتجار بها. وقد طالبت منظمة الأمم المتحدة بحظر الاتجار بالآثار السورية، إلا أن شيئاً لم يحدث، ولم تتخذ على حدّ علمي، أي من الخطوات اللازمة في هذا الصدد.

* أتعتقد أن منظمة الأمم المتحدة عامّة ومنظمة اليونيسكو بشكل خاص، تقومان بما يكفي من أجل حماية هذا التراث التاريخي الإنساني الموجود في الاماكن الأثرية في العراق وسورية؟

ليس ثمة كثير مما يمكن عمله في هذا الصدد، لا توجد خيارات لمنع ما يحدث خاصّة في ظلّ هذه الحروب المنتشرة هناك.

* وماذا عن مسؤولية علماء الآثار والباحثين إزاء ما يحدث؟ أيمكنهم عمل شيء من أجل منع الاتجار بهذه التحف والآثار المسروقة؟ 
بصورة عامة، فأن أغلب علماء الآثار يحاولون منع الاتجار بالتحف الأثرية. توجد عدة مجموعات تحاول وبشكل فعّال مراقبة الدمار الذي يحدث في العراق وسورية وتوثيقه أصولًا. لكن بعض زملائنا، من العاملين في مجال تاريخ الفن أو مجالات محايثة وقريبة، يتلهفون لرؤية تحف فنية أثرية، أضف إلى ذلك أنهم لا يترددون عادةً في معاينة تحفة ما لإثبات أصالتها من زيفها، وهم يقدمون هذه “الخدمة” لتجّار التحف والقطع الأثرية ولمقتنيها أيضًا. الحل الرئيس في ظني، من أجل مواجهة معضلة الاتجار بالآثار، هو وجود حكومات قوّية ومحترمة في كلا البلدين؛ العراق وسورية. حكومة تكون قادرة على تطبيق قوانينها الخاصّة والمتعلقة بالآثار. وثمة أمرٌ أساس أود الإشارة له، على الحل الرئيس كذلك أن يتضمّن نوعًا من التربية الجديدة إن جاز التعبير، أي أن يرى بقية العالم أن جمع الآثار المسروقة جريمة موصوفة، وهو ليس ولا بأي حال من الأحوال “طريقة لعرض أشياء مثيرة” فوق الرفوف في البيوت مثلًا، ولا “طريقة للاستثمار” ولا المضاربات والتربّح.

*هل تستطيع أن تضع التدمير الذي قام به “داعش” مؤخراً في سياق تاريخي أوسع للخراب والتدمير الذي قام به البشر للأماكن الثقافية والتاريخية الأثرية؟ هل هناك ما هو مختلّف في التدمير الأخير الذي شهدناه على يد “داعش” في السياق التاريخي؟
للأسف الشديد، ثمة تاريخٌ طويلٌ لتدمير الصور والآثار والتماثيل والجداريات. ما يقوم به “داعش” له سوابق تاريخية ضمن تيّار أو حركة تحطيم التماثيل الدينية أو التقليدية في التاريخين البيزنطي والأوروبي. وجدران الكنائس الخالية من تزييناتها في جميع أنحاء شمال أوروبا، خير دليل على ذلك. للأسف الشديد، فقد تبنّى الدين المسيحي وكذلك الدين الإسلامي التحريم التوراتي، الموجه ضدّ الصور والتماثيل وما إلى ذلك. وبين حين وآخر، يتبنّى بعض المتعصبين والمتطرفين هذا التحريم، ويتخذون منه ذريعةً من أجل جعل هذا العالم أقل جمالاً وإثارة!

 

11 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *