الحمامات الأثرية في حمص: من العصر الذهبي إلى الدمار بقذائف الأسد!

أورينت نت –  28 ابريل 2015

باسم عبد العليم

اشتهرت مدينة حمص عبر العصور الزمنية المتلاحقة بحماماتها العامة ( حمام السوق ) شأنها في ذلك شأن شقيقاتها من المدن الهامة والعريقة التي كانت تتفاخر فيما بينها في العصور الوسطى بكثرة الحمامات فيها وما تقدمه من خدمة للزبائن.

حتى ستينيات القرن الفائت كان عدد الحمامات في مدينة حمص وحدها يفوق الخمسين حماما تتوزع على أحياء المدينة القديمة، هذا عدا عن الحمامات التي بدأت تشيد في الأحياء السكنية الجديدة التي بدأت بالظهور السريع خارج أسوار حمص القديمة وذلك بدءا من الربع الأخير من القرن التاسع عشر بعد أصبحت ” حمص التاريخية ” التي تبلغ مساحتها ( 1300 دونم) غير قادرة على استيعاب النمو السكاني الكبير في المدينة.

ولأن الحياة تتغير دائما تبعا لتغير الظروف المعيشية للإنسان، فكان لا بد لهذا التطور ان يشمل ايضا تطورا خدميا يتزامن مع التطور البشري بمختلف جوانبه ومجالاته..فمع انتشار مشتقات البترول كالديزل وتوفر الكهرباء لاحقا أوجب ذلك تغييرا جذريا في تصميم البيوت والاسكانات الحديثة بحيث اضيف الحمام كركن أساسي من أركان البيت الحديث حيث تتوفر وبسهولة الطاقة اللازمة لتشغيله وتحضير المياه الساخنة بينما كان هذا الامر مقتصرا في السابق على قصور الحكام و الأغنياء والحمامات العامة فقط.
وأدى هذا التطور بنمط الحياة في المسكن إلى عزوف الكثير من الناس عن الذهاب إلى حمام السوق بدءا من أواخر سبعينيات القرن الماضي ، وبالتالي انخفضت واردات الحمام المالية الى مستويات متدنية ووجد صاحب الحمام نفسه مضطرا إما لبيعه لتجار العقارات الذين لا يتوانون عن هدمه وتشييد بناء اسمنتي حديث مكانه لاغراض سكنية او تجارية، وإما أن يلجأ أصحاب الحمام إلى تحويله إلى محلات تجارية لغرض البيع والشراء إذا كان الحمام واقعا في أسواق المدينة ووسطها التجاري!
وخير مثال نسوقه هنا هو ” حمام الصغير ” الذي جرى تحويله منذأكثر من ثلاثة عقود من الزمن الى سوق تجاري على الرغم من عراقته فهو يعود ببنائه الحالي إلى العصر الأيوبي وينخفض عما يجاوره من أسواق ومبان مختلفة بحدود ال5 أمتار وحاله في ذلك كحال المدخل الجنوبي للجامع الأموي النوري الكبير الذي ينخفض هو الآخر ب5 أمتار أيضا عن مستوى أرض سوق المسقوف وهذا ربما يعطى الباحثين دليلا الى ان هذا الحمام قد يكون عائدا في مراحل تشييده السابقة الى العصر الاموي او حتى البيزنطي ..!

يتألف الحمام عادة من 3 أقسام ( الجواني والوسطاني والبراني ) فالجواني وهو الذي تتوفر فيه المياه الدافئة حيث الأجواء الرائعة التي يعيشها ’’ المستحم’’ وحيث الحرارة المرتفعة التي تزيل التعب والارهاق والآلام عن الأجساد المنهكة وتغسل الأوجاع عن الأبدان المريضة ويوفر هذه الأجواء الصحية كلها مستخدمون عمال ( حمامجي – مكيس ) لديهم من الخبرة والنفس الطويل ما يمكنهم من تقديم كل وسائل الراحة للزبون ليخرج من الحمام سعيدا معافى من الأمراض والأسقام بعد ان يكون قد تنقل تدريجيا في داخل أقسام الحمام الثلاثة بحيث يعود جسمه الى درجة حرارته الطبيعية من حرارة مرتفعة ثم إلى متوسطة ثم منخفضة وأخيرا يخرج بمنشفته الى قاعة الحمام الرئيسية حيث الحرارة الطببعية ليلبس ثيابه ويعود الى ممارسة حياته من جديد مع تناول كأس من المشروبات الساخنة كالشاي والزهورات.

وكانت لحمام السوق قديما في حمص أجواؤه المميزة ونكهته التي لا لمن يرتادها أن ينسى مذاقها فكيف اذا كانت هذه الاجواء مترافقة مع طقوس واحتفالات لا تخلوا من طرافة وجلسات طعام قوامها المجدرة والمخلل وسهرات من الطرب والغناء المزدانة بالتراث الحمصي العريق كفن المصدر. الحمصي العريق وإلقاء القدود والموشحات التي أبدعها شمس الشعراء الشيخ أمين الجندي الحمصي..

وارتبطت بالحمام الحمصي الكثير من المدلولات المجتمعية العريقة المترسخة في القدم ’ ولا أدل على ذلك كثرة الأمثال الشعبية الحمصية التي وثقت عملا ما او حدثا بعينه ، فمن منا يجهل المثل القائل ( متل الحمام المقطوعة ميتو ) ..
وتذكر كتب التاريخ قصة حقيقة حصلت خلال العهد المملوكي في حمام تنكز الذي كان قائما في حي باب هود بحمص القديمة حتى بداية القرن الماضي, حيث داهمت السيول هذا الحمام وقت كان يعج بالنساء المستحمات اللاتي كن يجهزن عروسا لليلة زفافها ، ولشدة الخوف على حياتهن خرج اغلبهن من الحمام شبه عاريات للنجاة و آثر البعض منهن البقاء لكي لا يظهرن عوراتهن لأحد فغرقن وقضين نحبهن فذهبت مثلا ( اللي استحوا ماتوا )..

ومن الجدير بالذكر هنا ان نذكر ان حمام السوق لم يكن يقتصر فقط على الرجال بل كان للنساء أيضا أيامهم المخصصة لاستحمامهن..وكانت النسوة الذين يبحثون عن عروس لأبنائهن غالبا ما يجدون ضالتهن في حمام السوق..

نتيجة للأسباب التي ذكرناها في بداية المقال فللأسف من حمامات حمص التي كانت تزيد عن الخمسين لم يبق في وقتنا الراهن سوى خمسة حمامات فقط هي ( حمام العصياتي -حمام السراج – حمام العثماني -حمام الباشا – حمام الصغير ) وهذه تمتاز جميعها بروعتها ولعل أجملها هو حمام العصياتي الذي يعد واحدا من أجمل حمامات الشرق على الإطلاق وذلك نظرا لغناه بالتشكيلات الهندسية وتنوع نقوشه وزخارفه وروعة مقرنصاته الركنية التي تدلل على التطور المعماري الفريد للمدرسة الانشائية المملوكية بكل أبعادها جوانبها ومجالاتها الهندسية والانشائية.

وثمة حمامات أخرى كانت قائمة في حمص هدمها جهل البعض بقيمتها الأثرية والتاريخية كحمام الذهب وحمام الفرح وحمام الجديد. وحمام سيدي خالد وحمام الاغرة وحمام المسدي وحمام الصفا وغيرها.

وكغيره من مباني وآثار حمص القديمة تعرضت أجزاء من هذا المعلم التاريخي للتدمير بصاروخ أطلقته احدى طائرات الأسد..! في أواسط العام 2012 -أما حمام السراج فلقى نفس المصير حيث تهدمت قبته الكبرى واجزاء من مدخله الرئيسي.

والحال لا يختلف كثيرا في حمامي الباشا والعثماني فالطائرات الأسدية والصواريخ والاسطوانات المتفجرة وقذائف الهاون التي لم يتوقف سقوطها على مدى أكثر من عامين على حمص المحاصرة سابقا أتت على ما تبقى من حمامات حمص.

 

 

5 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *