جان جاك روسو في أصل “التفاوت بين الناس”


جاد الكريم الجباعي  

الأوان – 15 ابريل 2007

يذهب بعضهم إلى أن ثمة تناقضاً أو تبايناً في رؤية جان جاك روسو بين “أصل التفاوت بين الناس” و“العقد الاجتماعي”، وهو مذهب من يتوقف عند تقريض الحالة الطبيعية الذي يشغل جزءاً مهماً من كتاب أصل التفاوت؛ إذ افترض روسو أن التفاوت من أبرز سمات الحالة المدنية، إن لم يكن أبرزها، في حين لا يكاد التفاوت يظهر في الحالة الطبيعة. وقد كان محقاً في ذلك، فـ “الحالة الطبيعية” هي حالة الاختلاف، لا حالة تفاوت اجتماعي، اختلاف جميع الأشياء وجميع الظواهر وجميع الأنواع وجميع أفراد النوع الواحد. ولا اختلاف بلا تشابه وتماثل، ومن ثم فإن إحدى أهم بدايات الاجتماع البشري هي إدراك التشابه بين أفراد مختلفين في زمان ومكان محددين. وفي ضوء هذا الإدراك نشأ نوع من تعاون وتساكن مهدا لظهور اللغة التي صارت شرطاً لازماً من شروط الاجتماع، وظهور الثقافة التي بها صار الإنسان إنساناً.

فقد انطلق روسو من قول أرسطو: “للبحث فيما هو طبيعي يجب النظر إلى الأشياء التي لا تزال وفق الطبيعة، لا في ما فسد منها”. واعترف هو نفسه بصعوبة معرفة الحالة الطبيعية التي تفصلنا عنها آلاف السنين، ولم يكن قد تبقى منها شيء في زمنه، بل قبل ذلك بآلاف السنين، إذ قال: “ليس بالهين تمييز ما هو أصلي مما هو اصطناعي في طبيعة الإنسان الحالية، ولا بالسهل أن نتعمق في معرفة حال لم يبق لها وجود، أو لم تكن موجودة قط، ولن توجد أبداً على أصح الفروض. … فما التجارب الضرورية للتوصل إلى معرفة الإنسان الطبيعي، وما الوسائل اللازمة لإجراء مثل هذه التجارب في باطن المجتمع؟”(جان جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972ص 28). فإن تقريض الحالة الطبيعية، التي افترضها روسو وغيره لا يعدو أن يكون تقريضاً لهبات الطبيعة: للحياة و“الحرية” والمساواة (إذا اعترفنا بأن الحرية والفكر وجهان لحقيقة واحدة، فإنه لا يسعنا أن نتحدث عن الحرية في الحالة الطبيعية، على نحو ما وصفها روسو. ونعتقد أن الحرية لم تعرف بادئ المر إلا باختراع الأدوات وبداية انفصال الإنسان عن الطبيعة، ولم تتجل في الواقع إلا بظهور الملكية.) ، وهي أثمن ما وهبته الطبيعة للإنسان، وتقريضاً للتوازن والاعتدال؛ الحياة التي باتت مهددة بالحروب والنزاعات والجرائم واختراع أدوات القتل والدمار، والحرية التي قوضتها العبودية والتابعية والاستبداد، والتوازن والاعتدال اللذين عصفت بهما الشهوات والنزوات والأهواء وفورة الحاجات، وطوحت بهما الأنانية والجشع والحقد والكراهية.

فهو يقول في خطابه إلى جمهورية جنيف: “أما وقد أسعدني الحظ فأبصرت النور بينكم، فكيف يسعني أن أتعمق في بحث المساواة التي جادت بها الطبيعة على الناس والتفاوت الذي أقامه هؤلاء الناس، دون أن أفكر بتلك الحكمة العميقة التي بفضلها عرفت هذه الدولة أن توفق بينهما توفيقاً حسناً، بحيث تعاون كلاهما على حفظ النظام العام وسعادة الأفراد تعاوناً أكثر ما يكون قرباً إلى الناموس الطبيعي وملاءمة للمجتمع الإنساني”( جان جاك روسو، أصل التفاوت بين الناس، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972، ص 11). والناموس الطبيعي أو قوانين الطبيعة، عند روسو وغيره من معاصريه وسابقيه، هي قوانين العقل، وكذلك قوانين المجتمع وقوانين التاريخ.

لعل حديث روسو عن المساواة التي جادت بها الطبيعة، لا يعني أن حالة الجماعة الطبيعية المفترضة كانت حالة مساواة، إلا بالسلب أي بالمعنى الذي نقصده حين نقول إن أفراد الجماعة الطبيعية لم يكونوا متفاوتين اجتماعياً، وكذلك الأسر أو العائلات، لعدم وجود موضوع يتفاوتون فيه، كالملكية. وهذا يعني أن البشر لم يدركوا معنى المساواة إلا بعد إدراك معنى التفاوت والاكتواء بناره، فإن عدم التفاوت هو عدم المساواة. إذا كانت الجماعة الطبيعية لم تعرف التفاوت فإنها لم تعرف المساواة أيضاً. بل إن التفاوت هو ما جعل المساواة مطلباً من مطالب العقل ومطالب الروح الإنساني، وما جعلها ممكنة واقعياً. وكل ما هو واقعي هو نسبي وقياسي. ولعل افتراض الحالة الطبيعية كان مجرد افتراض نظري للتدليل على أن الاجتماع البشري، منذ نشوئه لم يكن من صنع الطبيعة، بل من صنع الإنسان، ومن ثم، يغدو افتراض الحالة الطبيعية تناقضاً في ذاته، إلا إذا عنينا بها الجماعة البدائية أو الجماعة التي تقوم على أساس العلاقات الطبيعية، علاقات القرابة الدموية / النسلية، التي لا تزال بعض المجتمعات توليها كثيراً من الاهتمام، كالانتساب إلى آل البيت في أيامنا.

المهم هنا هو إشارة روسو إلى أن المجتمع المدني، مجتمع التفاوت، صناعة بشرية أو إنتاج بشري، لا من إنتاج الطبيعة ولا تجل لإرادة عليا مفارقة. وإلى أن الدولة الرشيدة هي التي توفق بين المساواة والحرية والاعتدال، التي جادت بها الطبيعة على البشر، وبين التفاوت الذي أقامه هؤلاء بأنفسهم، وهذه إشارة لامعة إلى مبدأ الدولة الرشيدة. في جميع الأحوال، الدولة التي مبدؤها الاعتدال والتوازن بين حرية الأفراد الذاتية وبين حكم القانون، وبين المساواة والتفاوت. ليس بوسعنا اليوم، ولم يكن بوسع روسو، معرفة الحالة الطبيعية إلا انطلاقاً من الحالة المدنية، وما ذلك إلا لأن عنصراً طبيعياً أو عناصر طبيعية ستظل ملازمة للإنسان في الحالة المدنية المفتوحة على النمو والتقدم، إلى جانب العناصر الروحية، التي هي من طبيعة الله. ولم يكن ممكناً أن تكون الحالة المدنية كذلك، أي مفتوحة على النمو والتقدم، لولا مبدأ النقص والاحتياج الملازم للإنسان، فرداً وجماعة ومجتمعاً مدنياً. علم الإنسان ناقص دوماً، وعلم الحيوان كامل، كما لاحظ باسكال.

فرضية روسو هنا، كما في كتاب “العقد الاجتماعي”، تقول إن البشر خلقوا أحراراً متساوين، (وقد قالها عمر بن الخطاب قبله بنحو ألف عام)، ولكن الناس منذ أول اجتماع لهم أقاموا تفاوتاً فيما بينهم. وجعلوه بمنزلة القانون الأخلاقي، وأقاموا لذلك سلطات دينية وزمنية لم تكن في واقع الأمر سوى سلطة الملكية الخاصة العمياء ذاتها. ومن ثم فإن الدولة الرشيدة هي تلك التي توفق بين المساواة الطبيعية والتفاوت الاجتماعي توفيقاً حسناً، بحيث يتعاونان كلاهما على حفظ النظام وسعادة الأفراد تعاوناً أقرب ما يكون إلى الناموس الطبيعي وملاءمة للمجتمع الإنساني. ولا يتحقق مثل هذا التعاون إلا حينما يكون لهيئة السيادة وللشعب مصلحة واحدة، هي المصلحة نفسها لكليهما، حتى لا تتجه جميع حركات الآلة المسيرة إلا نحو السعادة العامة الشاملة؛ وهذا لا يمكن أن يكون ما لم يكن الشعب والسيد شخصاً واحداً، في كنف حكومة ديمقراطية تلطفها الحكمة.

في مثل هذه الدولة يكون الخضوع للقوانين هو ذروة الشرف، ولا يستطيع أحد من مواطنيها القول إنه فوق القوانين …. ؛ لأنه لو وجد في الدولة، أياً كان نظامها، رجل واحد لا يخضع لقوانينها لكان جميع من فيها تحت تصرفه المطلق” (المصدر نفسه ص 12).

معرفة الإنسان هي أكثر المعارف جدوى وأقلها تقدماً. وهذه المسألة من أصعب المسائل التي تعرض لها الفلاسفة، (اعرف نفسك)، فالإنسان أشكل عليه الإنسان، كما قال أبو حيان التوحيدي. فكيف نستطيع الاهتداء إلى أصل التفاوت بين الناس إذا لم نبدأ بمعرفتهم؟ وكيف يتوصل الإنسان إلى معرفة نفسه كما كان يوم برته الطبيعة وما أحدثه تعاقب الأزمان وتغير الأحوال فيها من تطور وتبدل وارتقاء؟. وهل بوسعنا معرفة الإنسان من دون معرفة عالم الإنسان، المجتمع والدولة بوصفهما إنساناً مموضعاً، بتعبير كارل ماركس، أو بوصفهما من أبرز تجليات الروح الإنساني؟.

فرضية روسو في “أصل التفاوت” هي ذاتها في “العقد الاجتماعي”، الإنسان خيّر بالفطرة أو مفطور على الخير، كتمثال جلوكوس الذي ألح في تشويهه البحر والزوابع، حتى غدا أكثر شبهاً بوحش منه بإله. فـ “مما هو أشد قسوة أن جميع أسباب رقي الإنسان لا تفتأ تبعده عن حاله الأصلية”، حال الحرية والمساواة والاعتدال والرأفة التي كانت تقوم مقام القوانين. وفي العقد الاجتماعي يقول: “ولد الإنسان حراً طليقاً، ومع ذلك، فهو مثقل بالقيود في كل مكان. ولرب رجل يتوهم أنه سيد الآخرين، وهو لا يني يرسف في أغلال من العبودية هي أثقل من أغلالهم” (العقد الاجتماعي ص 11- جميع الإحالات المحورة بين قوسين في المتن تحيل على كتاب العقد الاجتماعي). فالمسألة إذن هي نقد المجتمع المدني، بما هو نسق لإنتاج التفاوت، ومن ثم لإنتاج العبودية والاستبداد والبؤس والشقاء، جراء التنافس والكيد والأنانية والجشع والإفراط في الشهوات والأهواء والملذات الحسية على كل صعيد. ولا سيما على صعيد الامتيازات التي يتمتع بها بعض الناس إجحافاً بحقوق الآخرين. والمجتمع المدني نفسه نسق للعمل في سبيل تقليص التفاوت وعدم المساواة، لأنه فضاء الحرية.

وعلة ذلك كله هي “حالة التفكير المضادة للطبيعة، فالرجل الذي يفكر هو حيوان مُفسَد” (المصدر نفسه، ص46. يصعب قبول هذه الفرضية، إلا إذا كانت الحالة الطبيعية هي الحالة الحيوانية فحسب؛ لأن التفكير هو ماهية الإنسان والتعبير الفعلي عن حريته. فإذا كانت حالة الطبيعة حالة حرية، فإنها حالة حرية التفكير، بلا أي قيد من القيود الطبيعية أو من تلك التي صنعها الإنسان لنفسه.) ؛ وإذ يألف الإنسان المجتمع، ويصير عبداً، يصبح ضعيفاً رعديداً ومتزلفاً متملقاً؛ وإذ يصبح نمط معيشته رخواً مخنثاً تضطرب قوته وشجاعته؛ فجميع أسباب الرفاهية التي يوفرها الإنسان لنفسه والتي تزيد على ما يوفره للحيوانات التي يروضها على الألفة هي جميعها أسباب للتعجيل في فساد نوعه (المصدر نفسه، ص47-48). ابن خلدون كان أكثر دقة وتحرزاً.

المجتمع المدني هو نتاج التفكير والعمل بمقتضى التفكير، أي نتاج الحرية. ومن ثم فهو نسق لإنتاج القيود التي يصنعها الإنسان الحر لنفسه فيصير عبداً لمنتجات عمله، عمل الرأس واليدين؛ حتى حينما يظن أنه سيد على آخرين. هنا يضع روسو يده على جدلية السيد والعبد التي تتبدى في ضوئها القيمة الحقيقية للحرية، إذ السيد هو عبد لمن يستعبدهم، لا لأنه يستعبد من هم تجلي ماهيته الإنسانية فحسب، بل لأن سيادته متوقفه عليهم، فالعبودية هي أساس هذه السيادة ومحتواها. “العقل يفسد الحواس، والإرادة تظل تتكلم عندما تسكت الطبيعة.. (المصدر نفسه، ص49-50)”ولكل حيوان أفكار، لأن له حواس، وهو يوفق بين أفكاره إلى حد ما، ولا يختلف الإنسان عن الحيوان، من هذه الناحية، إلا بنسبة الأكثر إلى الأقل. حتى إن بعض الفلاسفة ذهبوا إلى أنه يوجد من الفرق بين إنسان ما وإنسان آخر أكثر مما يوجد بين هذا الإنسان وحيوان ما. ولذلك لم يكن تمييز نوع الحيوان قائماً على الإدراك بقدر ما هو قائم على كون الإنسان عاملاً حر التصرف. وبهذه الحرية تظهر خاصية روحانية نفسه“(المصدر نفسهن ص 50). وخاصية التفكير هذه مؤسسة على خاصية التدرج في الاكتمال، أي على قابلية التحسن، إذ معرفة الحيوان تامة كاملة، يمكن أن تنقص ولكن لا يمكن أن تزيد، في حين معرفة الإنسان ناقصة دوماً ومفتوحة على النمو والتقدم، وكذلك جميع قواه. إن ما هو جوهري في المجتمع المدني والدولة السياسية بالتلازم الضروري هو الحرية، لأنها جوهر الإنسان / الفرد وماهيته. والفرد الطبيعي المسوق بسائق حاجاته رغباته وأهوائه ونزواته وأشواقه وأحلامه ومنفعته الخاصة هو أساس المجتمع المدني، والمواطن الذي يتعلق بقيم الخير والحق والجمال وسمو القانون هو أساس الدولة السياسية، التي تحمل في ذاتها إمكانية التحول إلى دولة ديمقراطية.”ومهما يقل علماء الأخلاق، فإن الإدراك الإنساني مدين بكثير للأهواء التي هي أيضاً مدينة كثيراً لهذا الإدراك: فبنشاط الأهواء وعملها يتكامل عقلنا، ونحن لا نسعى لالتماس المعرفة إلا لأننا نرغب في الاستمتاع، وليس في الإمكان أن نفهم لمَ يتكلف من لا يرغب ولا يرهب عناء إجهاد العقل بالتفكير والاستدلال. والأهواء بدورها تستمد أصلها من حاجاتنا، وتطورها من معارفنا، لأنه من المحال أن تصدر الرغبة أو الرهبة إلا من أفكار بنيت عليها واتجهت إليها أو من محض اندفاع صدر من الطبيعة. والرجل المتوحش الذي حرم جميع ضروب المعرفة لا يحس إلا بأهواء من هذا النوع الأخير، ولا تتجاوز رغباته حد حاجاته الطبيعية. وكل ما يعرفه من خيرات الطبيعة هو الغذاء والأنثى والراحة. وكل ما يخافه من شرورها هو الألم والجوع. وإنما قلت الألم، ولم أقل الموت، لأن الحيوان لن يعرف أبداً ما يعنيه الموت. فمعرفة الموت وأهواله هي إحدى أوليات المعارف التي اكتسبها الإنسان عند ابتعاده عن الحال الحيوانية. … إن تطورات ارتقاء العقل لدى جميع الأمم كانت تسير بنسبة حاجات الشعوب” (المصدر نفسه ص 52).

الحاجة والخوف ركنا الشقاء البشري، والمجتمع المدني، مجتمع الحاجات، بتعبير هيغل، يضاعفهما أضعافاً، ولا أمل في أن يستعيد الإنسان حريته ما لم يستأصل أسبابهما التي تضرب جذورها عميقاً، لا في تربة المجتمع المدني، وصولاً إلى الملكية الخاصة فحسب، بل في تربة الوجود الإنساني ذاته، في اغتراب الإنسان عن منتجات عمله وعن ذاته. ولعل هنالك صلة ما بين اعتدال الإنسان في حالة الطبيعة وعدالة الطبيعة ذاتها. الطبيعة عادلة في توزيع هباتها، إذ “لو صح أن الطبيعة، عند توزيعها لهباتها، قد خصت بعضهم بهبات أوفى، إيثاراً منها لهم على غيرهم، كما زعم بعض الكتاب، فما هي المزايا التي يفيدها من الهبات أولئك المفضلون، وأي ضرر تلحقه بالآخرين، وهم في حال لا تمكنهم من إنشاء أي نوع من العلاقات فيما بينهم؟ أجل أية فائدة للجمال حيث لا حب؟ وما فائدة العقل لأناس لا يتكلمون والحيلة لقوم ليست لهم أعمال؟ (المصدر نفسه ص 74).”التفاوت يكاد لا يكون محسوساً في حال الطبيعة“.”كل إنسان يستطيع أن يدرك أن الاستعباد، إذ هو ناشئ من تبعية الناس بعضهم لبعض، ومن الحاجات المتبادلة التي تجمعهم، فإنه من المستحيل استعباد إنسان، دون أن تضعه قبل ذلك في حال لا يستطيع فيها الاستغناء عن غيره، وهذا الوضع، إذ لم يكن موجوداً في حال الطبيعة، فإن كل إنسان كان فيها طليقاً من النير، وكانت شريعة الأقوى باطلة“(المصدر نفسه ص 75). هكذا يضع روسو المسألة في”أصل التفاوت“وفي”العقد الاجتماعي”، فذروة الاستعباد والفساد هي النظام الاستبدادي الذي يضع الناس في حالة تبعية دائمة وخوف دائم، وليس سوى إهانة للكرامة البشرية وإهانة للعقل. وهو لا يبعد هنا عن تعريف أرسطو للعبد بأنه من ضعف روحه وقلت حيلته فأتبع نفسه لغيره. والسيد، وفق جدلية السيد والعبد أو السيد / العبد، هو من ضعف روحه وقلت حيلته فاستتبع غيره، وجعلهم في حاجة دائمة إليه، وهذه ليست في الواقع سوى حاجته الدائمة إليهم، واعتماده في جميع شؤون حياته عليهم.

لقد وضع روسو يده على أصل التفاوت في الحالة الاجتماعية المدنية في قوله: “أول من سوَّر أرضاً فعن له أن يقول:”هذا لي“ووجد أناساً على قسط كبير من السذاجة فصدقوه، كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني. ألا كم من جرائم وحروب واغتيالات، وكم من ويلات وبؤس وفظائع كان أبعدها عن الناس وكفاهم شرها رجل قد هب فاقتلع الأوتاد وردم الحفر وصاح بالناس قائلاً:”حذار أن تصغوا إلى الدجال المحتال، فإنكم لهالكون إذا أنتم نسيتم أن الثمار للجميع وأن الأرض ليست ملكاً لأحد“(المصدر نفسه ص 79). روسو هنا يمهد الطريق لكارل ماركس، ولكن من دون أن يؤسس لاستبدال دكتاتورية بأخرى أو استبدال الملكية الخاصة بملكية لا أحد أو بملكية”الحزب الثوري“و”الطليعة الثورية”. ولم يكن استبداد الطليعة الثورية أقل فظاظة ووحشية من سواه. فإن مبدأ العدالة يقترن في فكر روسو بمبدأ الحرية، ولا ينبغي أن تفوتنا الصلة بين العدالة والاعتدال، ولذلك لاحظ روسو أن الاعتدال من أبرز خصائص الديمقراطية ومن أبرز سمات الجمهورية ومن أبرز سمات الحكم الرشيد.

ينبغي التوقف ملياً عند مسألتين نتج من عدم جلائهما خلط كثير لدى الاشتراكيين من العرب على الأقل، من دون أن نستثني كثيرين من غير العرب. الأولى تتعلق بالفرق المفهومي بين الملكية والملكية الخاصة، التي نسب إليها روسو الجرائم والحروب والاغتيالات والويلات والفظائع. فالصفة حد وفرق؛ وهذه أي الملكية الخاصة لا تعدو أن تكون أحد أشكال الملكية فحسب. وقد كان ولا يزال في كل مجتمع عدة أشكال للملكية، كالأوقاف والأرض المشاع وملكية الدولة وملكية الجمعيات والنوادي وغيرها، إلى جانب الملكية الخاصة، التي حكمت التاريخ الاجتماعي الاقتصادي والسياسي حتى يومنا. أما الملكية، من دون أي صفة، فإنها ملازمة للعمل الاجتماعي، أي للعمل بمقتضى التفكير بوجه عام، وملازمة للإنتاج الاجتماعي، إذ كل إنتاج هو تملك. ومن ثم فإن معالجة البؤس والجرائم والحروب والويلات يقتضي معالجة أسبابها الكامنة في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، لا إلغاء الملكية، أو جعلها ملكية لا أحد، وإعادة إنتاج “حق الأقوى” في الاستيلاء، على نحو ما رأينا في الاشتراكيات العربية أو التأخراكيات العربية، بتعبير ياسين الحافظ، فهذه، أي الملكية، هي تعين الإرادة الإنسانية وتحولها إلى إرادة موضوعية، وهي أساس الحرية وأساس الاستلاب والاغتراب في الوقت ذاته.

والثانية تتعلق بالارتباط الضروري مفهومياً وواقعياً بين الحرية والمساواة والعدالة، لأن التفاوت الاجتماعي الذي جعلنا ندرك المساواة، هو نفسه الذي جعلنا ندرك العدالة. فالتفاوت الاجتماعي هو واقع عدم المساواة وعدم العدالة في الوقت ذاته وبالمقدار ذاته. العدالة هي التجسيد العملي للمساواة. ومن ثم فإن التطلع إلى مجتمع اشتراكي يستجيب لمطالب العقل ومطالب الروح الإنساني هو تطلع إلى مجتمع قائم على الحرية والمساواة والعدالة، وهو المجتمع الديمقراطي بالتمام والكمال. ولكن هذا المجتمع الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق بضربة واحدة، ولا يمكن أن يتحقق بالعسف والإكراه، ومحاولة فرض “السعادة، على المجتمع. بل بنمو الروح الديمقراطي ونمو الوعي الأخلاقي في كل مجتمع على حدة نمواً تدريجياً وتراكمياً حتى يصير الشعب والسيد شيئاً واحداً. لقد ألغت بعض الدول الملكية الخاصة بمراسيم، ولكن ذلك لم يكن نتيجة التطور الثقافي ونمو الوعي الأخلاقي، ولم يتأسس على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة وحكم القانون وسيادة الشعب، بل على العكس من ذلك، كانت الاشتراكية المزعومة معادية للديمقراطية ومجافية لحقوق الإنسان، وأنتجت من الويلات أمثال ما أنتجته الملكية الخاصة.

الحقوق المدنية والحقوق السياسية كلها، التي عينتها الملكية الخاصة وما نجم عنها من علاقات اجتماعية، متناقضة مع الحق الطبيعي تناقض الحالة المدنية والحالة الطبيعية. فالمجتمع “المدني” حوَّل الاختلاف الطبيعي إلى تفاوت اجتماعي هو أساس جميع المشكلات، إذ قادت الملكية الخاصة البشرية إلى عبودية صريحة في البدء، ثم إلى نوع من عبودية خفية فيما بعد (مع نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي)؛ والتبعية والعبودية اسمان لمسمى واحد. ولكن المسألة لا تستنفد في هذه الحيثية البسيطة، فالوجوه الأخرى للملكية الخاصة تتجلى في نشوء الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وفي نشوء الأعراف الاجتماعية والشرائع الدينية والقوانين الوضعبة، وفي ظهور الممالك والإمبراطوريات، ونمو الحضارة الإنسانية، ثم في ظهور المجتمع المدني الحديث والدولة الحديثة أو “الأمير الحديث، (”إذا كان لنا أمير فلكي يقينا من أن يكون لنا سيد”؛ الأمير يحكم بمشيئتنا أما السيد فيحكم بمشيئته). الملكية الخاصة، كانت ضرورية، وحتمية، وكانت تحمل في أحشائها كل هذه الثروة المادية والروحية التي يحملها العمل الاجتماعي.

بيد أن الملكية الخاصة يفترض أنها تابعة لفكرة أو أفكار سابقة عليها وليست سوى تطورها التدريجي، إذ إن أول شعور أحس به الإنسان هو شعوره بوجوده، وأول عناية بذلها هي العناية ببقائه، ولكن هذا وذاك إحساسان حيوانيان محضاً تطورا جراء محاولات التغلب على المصاعب باختراع الأدوات ثم بالاختلاط والتساكن، بعد اكتشاف أوجه التشابه بين أفراد النوع في التفكير والسلوك. “وإذ علمه الاختبار أن حب رفاهية العيش هو الدافع الوحيد للأعمال البشرية وجد نفسه في حال يميز فيها الفرص النادرة التي فيها تضطره المنفعة المشتركة إلى الاعتماد على مساعدة أمثاله، ويتبين أيضاً الفرص الأكثر ندرة التي كانت المزاحمة تدعوه إلى وجوب الحذر منهم. ففي الحال الأولى كان يتحد معهم ضمن قطيع أو ضمن شركة حرة نوعاً ما غير ملزمة لأحد، لا تطول مدتها إلى أبعد من انقضاء الغرض الذي أنشئت لأجله. وفي الحال الثانية كان كل منهم يسعى إلى نيل منفعته، أكان ذلك بالقوة الظاهرة إذا اعتقد إمكانها، أم باللياقة والحيلة إذا شعر بأنه أضعفهم.

وهكذا استطاع الناس أن يكتسبوا من غير أن يشعروا بذلك فكرة عامة شاملة عن التعهدات المتبادلة وعن الفائدة التي تنجم عن القيام بها، ولكن بقدر ما كانت تتطلبها المصلحة الحاضرة المحسوسة لا أكثر (المصدر نفسه ص 82). بهذا يبدو لنا أن كتاب أصل التفاوت يمكن أن يعد مقدمة لكتاب العقد الاجتماعي، يبين مراحل نمو فكرة التعاقد واختلاف المبادئ التي يقوم عليها العقد الاجتماعي من مرحلة تاريخية لأخرى، فمن تعاقد ظرفي وعابر على أمور معلومة أملتها مصالح الأغنياء وحاجتهم إلى تسويغ وضع اليد وتحويله إلى قانون يعترف به الجميع، إلى شركة حرة نسبياً في مختلف شؤون الحياة ينتح منها كائن سياسي وأخلاقي هو المجتمع السياسي أو المجتمع العمومي الذي هو موضوع كتاب العقد الاجتماعي. فإن اغتصاب الأغنياء وأعمال اللصوصية التي يقوم بها الفقراء، والأهواء الجامحة المستعرة في هؤلاء وأولئك، إذ أخفت عاطفة الرأفة الطبيعية، وأخرست صوت العدالة الذي كان لا يزال ضعيفاً، جعلت الناس بخلاء جشعين أردياء. وكانت تقوم بين حق الأقوى وواضع اليد الأول منازعات دائمة لا تنتهي إلا بمعارك ضارية وسفك دماء.( المصدر نفسه ص 93). إنها حرب الكل على الكل، التي قال بها ميكيافل وهوبز، والتي يغدو الإنسان بمقتضاها ذئب الإنسان. ولكن روسو يخالفهما في المبدأ، إذ يفترض أن الإنسان مفطور على الخير، لا على الشر، وأن هذه الفطرة تقبع في أساس التعاقد، وتجعله يتجه نحو تحقيق الخير العام والنفع العام. ولعل الأدنى إلى الصواب أن نفترض أن الخير والشر ينتجان من الحياة الاجتماعية، وليسا فطرة في الإنسان، وما يؤكد ذلك أن مفهوم الخير ومفهوم الشر من المفاهيم الاجتماعية، النسبية والمعيارية، وهما ركنان من أركان النظام الأخلاقي لأي جماعة ولأي مجتمع. فكل منهما يتحدد بالآخر ولا يقوم إلا به. وهما وثيقا الارتباط بمفهومي التفاوت والمساواة، لأن جميع الشرور تنبع من التفاوت المؤسس على الملكية الخاصة.

فـ “ليس من الممكن ألا يكون الناس قد تنبهوا، بعد لأيٍ، إلى وضع مثل هذا بالغ البؤس، وإلى الويلات التي كانت محيقة بهم، وبوجه خاص، لا بد أن الأغنياء لم يلبثوا أن رأوا كم كانت في غير مصلحتهم تلك الحرب الدائمة التي كانوا وحدهم يتحملون نفقاتها، والتي كان فيها الخطر على الحياة مشتركاً، والخطر على المال خاصاً. وفوق ذلك فإنهم أدركوا أنه أياً كان اللون الذي استطاعوا أن يصبغوا به اغتصاباتهم فإنها لم تكن مستندة إلا إلى حق غير ثابت واستبدادي، وأن هذا الحق إذا بني على القوة فإن في استطاعة القوة أن تنزعه منهم، دون أن يكون لهم ما يسوغ شكواهم. حتى أولئك الذين اغتنوا بالصناعة وحدها فإنه لم يكن بإمكانهم أن يستندوا في ملكيتهم إلى حجج أفضل. (المصدر نفسه ص 94)

وإذا كان لديهم مقدار من الفهم قد استطاعوا معه الشعور بفوائد مؤسسة سياسية فإنه لم تكن لديهم الخبرة الكافية لكي يتلافوا أخطارها: كان أكثرهم أهلية بالشعور بأخطار التجاوزات هم في الواقع الذين ينوون الإفادة منها، وأما العقلاء فقد رأوا ضرورة التسليم بتضحية قسم من حريتهم حفظاً للقسم الآخر. ذلك ما كان أوجب أن يكون أصل المجتمع والقوانين التي مهرت الضعيف بقيود جديدة والغني بقوى جديدة، فقضت على الحرية الطبيعية قضاء مبرماً، وثبتت قانون التملك والتفاوت إلى الأبد وحولت الاغتصاب اللبق إلى حق لا ينقض، وأخضعت الجنس البشري للعمل والعبودية والبؤس لجر المغانم على بعض ذوي الطموح والأطماع. ومن السهل أن نرى كيف أن قيام مجتمع واحد جعل قيام جميع المجتمعات الأخرى أمراً لا مناص منه.

لم يقم المجتمع في البداية إلا على بعض العقود العامة التي تعهد جميع الأفراد بالتقيد بها والتي ضمنتها الجماعة لكل واحد منهم. ولولا ما نجم عن ذلك من سهولة انتهاك النظام واجتناب العقاب والتملص من القانون لم يفطنوا إلى وجوب إيداع السلطة العامة تلك الوديعة الخطرة، وأن يكلوا إلى حكام أمر العناية بإلزام الناس التقيد بقرارات الشعب واحترامها. فإن القول إن الرؤساء قد صار اختيارهم قبل تكوين المجتمع وأن حفظة القوانين قد وجدوا قبل وضع القوانين هو محض افتراء (راجع المصدر نفسه ص 99). بيد أن المؤسسة السياسية التي نشأت عن العقد الاجتماعي لا تزال تناقضاً في ذاتها بين ضرورة كونها سلطة عامة وتعبيراً عن الإرادة العامة وبين حقيقة كون سلطتها لا تزال سلطة الملكية الخاصة تكرس التفاوت الاجتماعي وتحول وضع اليد الأول وحق الأقوى إلى قانون، ولا تزال علاقاتها الخارجية بغيرها من الدول قائمة على مبدأ الغلبة. وهو تناقض لا حل له إلا بصيرورتها دولة ديمقراطية حقاً وفعلاً.

“وليس من المعقول أيضاً أن يعتقد أن الشعوب قد ارتمت بادئ بدء بين ذراعي سيد مطلق دون شرط ودون رجوع، وأن تكون أول وسيلة للحصول على الأمن المشترك تصورها أناس أباة غير مغلوبين على أمرهم هي ارتماؤهم في أحضان العبودية، أجل لماذا اتخذوا لهم رؤساء إن لم يكن للدفاع عنهم ضد الاضطهاد ولحماية أموالهم وحرياتهم وحياتهم التي هي إذا صح القول العناصر المكونة لذواتهم؟ … من الثابت الذي لا جدال فيه ومن المبادئ الأساسية لكل حق سياسي أن الشعوب اتخذت لها رؤساء لكي يدافعوا عن حريتها، لا لكي يستعبدوها، وقد كان بلين يقول لتراجان:”إذا كان لنا أمير فلكي يقينا من أن يكون لنا سيد“.”وأما السلطة الأبوية التي جعلها كثير من البحاث أصل اشتقاق الحكومة المطلقة وكل المجتمع، فمن غير أن نرجع إلى أدلة لوك وسدني المعاكسة يكفينا أن نلاحط أنه ما من شيء في الدنيا أكثر بعداً عن روح الاستبداد الضاري من عذوبة هذه السلطة الأبوية ورفقها، لأنها ترمي إلى مصلحة من يطيع أكثر مما تنظر إلى منفعة من يأمر، وأن الأب بحكم الناموس الطبيعي لا يظل سيد ابنه إلا لمدة الزمن الذي يحتاج فيه الولد إلى معونة أبيه، حتى إذا انقضى هذا الزمن أصبحا متساويين، وأن الولد عند ذاك إذا أصبح مستقلاً عن الأب لا يبقى مديناً له إلا بالاحترام، لا بالطاعة، وذلك لأن معرفة الجميل واجب يجب تأديته، لا حق يمكن الإلزام به؛ وبدلاً من أن يقال إن المجتمع المدني قد اشتق من السلطة الأبوية، كان يجب بالعكس أن يقال إن هذه السلطة قد سلت قوتها الأصلية من المجتمع. ولم يعرف أن شخصاً ما هو أب لكثيرين من الأبناء إلا عند بقائهم مجتمعين حوله، وأموال الأب وهو في الحقيقة السيد المطلق التصرف فيها هي الصلات التي تربط الأولاد برباط التبعية له، وفي استطاعته ألا يخصهم بنصيب في إرثه، إلا بنسبة ما استحقوه منه بامتثال دائم لمشيئته. والحال إن من المستبعد أن يكون للرعايا نفع مماثل لهذا ينتظرونه من طاغيتهم، ما داموا هم وجميع ما يمتلكونه مالاً له، أو ما دام هو يزعم ذلك، لقد صار أمرهم إلى أن أصبحوا يعدون تفضلاً منه ما يتركه لهم من مالهم الخاص، فهو يمارس عملاً من أعمال العدالة إذا ما جردهم من أموالهم، وينعم عليهم إذا ما تركهم يعيشون.

فإذا نحن تابعنا هكذا بحث الوقائع في ضوء الحق فلن نجد لقيام الطغيان عن طوع ورضاً صحة ولا متانة؛ وسيكون من العسير أن نبرهن على صحة عقد لا يلزم إلا أحد الفريقين المتعاقدين، عقد تكون فيه جميع الالتزامات واقعة على فريق واحد دون الآخر، فلا يجر غير الغرم على من يلتزمه. ومن ثم يبدو لي أكيداً أن الحكومات لم تبدأ قط بالسلطة الاستبدادية، لأن هذه السلطة منتهى فساد الحكم والحد الأقصى الذي عنده تصل الحكومات إلى شريعة واحدة هي شريعة الأقوى، الشريعة التي لم تنشأ الحكومات إلا لاتقاء شرورها.

إن تكوين الهيئة السياسية عقد حقيقي بين الشعب والرؤساء الذين يختارهم، عقد يلزم الفريقين المتعاقدين مراعاة القوانين التي نصت فيه والتي تؤلف روابط اتحادهما. “وإذ الشعب، في موضوع العلاقات الاجتماعية، يجمع إرادته كلها في إرادة واحدة، فإن كل المواد التي تعبر عنها هذه الإرادة تصبح مجموعة أساسية تلزم جميع أعضاء الدولة بلا استثناء. .. لأن الحاكمية وحقوقها إذا لم تكن قائمة إلا على هذه القوانين الأساسية، فإن هذه القوانين إذا ما قوضت عاد الحكام من فورهم غير شرعيين وعاد الشعب غير ملزم بطاعتهم، وإذ القانون لا الحاكم هو الذي كون جوهر الدولة فإن كل فرد يسترد بحق حريته الطبيعية.” وإذا نحن تتبعنا سير التفاوت إلى الأمام، في مختلف تطوراته وثوراته وجدنا أن أولى خطواته كانت يوم أنشئ القانون وقام حق الملكية، وأن الخطوة الثانية يوم أنشئت الحاكمية والثالثة والأخيرة أيام استبدلت بالسلطة الشرعية السلطة الاستبدادية، بحيث أن حال الغنى والفقر أجيزت في الدور الأول وحال القوي والضعيف أجيزت في الدور الثاني وحال السيد والعبد أجيزت في الدور الثالث، وهو آخر درجة للتفاوت والحد الذي تنتهي إليه جميع الأدوار الأخرى، وذلك إلى أن تقع انقلابات جديدة تقوض الحكومة تمام التقويض أو تقربها من النظام الشرعي (المصدر نفسه راجع الصفحات 100 – 108)

 

18 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *