كلام عن “شادي” و”العسكر” ومستقبل سورية


حازم نهار

من المعلوم أن “تحرير” الجنوب اللبناني في العام 2000 من المحتل الإسرائيلي، قد تم على يد “حزب الله” اللبناني الذي أعطى لنفسه صفة “المقاومة”، بعد أن قتل صفتها الوطنية اللبنانية بالتعاون مع شركائه (النظام السوري وإيران)، وبعد ذلك توجه هذا الحزب نحو احتلال الساحة اللبنانية سياسياً بتهديد السلاح، وتحول إلى دولة داخل الدولة، ورهن لبنان لسياسات ومقايضات النظام السوري وإيران.

بعد “تحرير” الجنوب، قرأت في إحدى الصحف اللبنانية شيئاً من تهكم حزب الله على اللبنانيين وابتزازه للسياسيين والمثقفين، بما معناه: “أكيد مو شادي اللي حرّر الجنوب”، “شادي ما بيقدر يقاوم إسرائيل”، “شادي خلّيه للعب ونحنا للحرب”…إلخ. بالطبع كانت هذه السخرية من “شادي” سخرية من جميع اللبنانيين، وهي تصب في إطار مقولة إن القائم بفعل “التحرير” هو من سيقرر ويحكم، ولا يخفى علينا الابتزاز الضمني والعلني الذي مارسه الحزب، ولا يزال، انطلاقاً من “انتصاراته”، الحقيقي منها والخلبي، واستناداً إلى امتلاكه السلاح.

منذ ذلك التاريخ، وحتى اليوم، تحول لبنان كله، بأرضه وناسه، إلى رهينة بيد حزب الله وسلاحه، وهذا الأمر على ما يبدو يشكل قانوناً في مسيرة التاريخ، فصاحب السلاح سيطلب أجرته ومكافأته، شئنا أم أبينا، وهذا في الأغلب سيكون من حياة الناس، وعلى حساب مستقبلهم.

بالنسبة للسوريين، فقد ذهبوا في اتجاه السلاح رغماً عن أنفهم (وهذا شرحه يطول)، بحكم سياسات الطغمة الحاكمة بشكل أساسي، الأمر الذي يجعل اليوم بالضرورة قيمة أي سياسي أو مثقف مساوية للصفر، مع إقرارنا بقلة عدد من يستحقون بثقة مثل هذه التوصيفات: سياسي، مثقف.. إلخ، بحكم البيئة غير المنتجة إلا للاهتراء التي خلقتها هذه الطغمة. مع ذلك، فإن مواجهة الحاضر والمستقبل ومخاطرهما لا تكون بترديد الشعارات المحنطة والبليدة كأصحابها “لا للعنف، لا للسلاح، لا للقتل”، بل تكون بالسياسة، أي توسيع رقعة السياسة.

لا يمكن مواجهة الحرب ومخاطرها إلا بتوسيع دائرة العاملين في الحقل السياسي (وأيضاً المدني)، وهذا يرتب على السوريين أن يذهبوا في اتجاه إفساح المجال للسياسة كي تطرد الحرب من العقول والأنفس أولاً، ومن الواقع ثانياً. المعنى الواقعي والعملي لذلك هو سعي السوريين للاندراج في قوى سياسية موجودة (إن أمكن) أو بناء قوى سياسية جديدة، على أن هذه القوى السياسية (الأحزاب والتنظيمات) يجب أن تتحلى بسمة رئيسة هي “الوطنية”، أي أن تكون عابرة للأعراق والأديان والطوائف السورية، وإلا تحولت إلى قوى عرقية أو طائفية تزيد الطين بلة.

لو كان لدينا قوى سياسية ونخب ثقافية حقيقية لما وصلنا إلى هذه الحالة من القلق على مصيرنا ومصير بلدنا، إذ لا خوف على وطن تتوافر فيه نخبة سياسية ثقافية، حقيقية ومتماسكة. للأسف، معظم القوى الموجودة في سورية، والتي عبرت عن نفسها طوال أربعة عقود، هي قوى هشة، مريضة، أيديولوجية أو دينية، فقيرة فكرياً وسياسياً، ودفنها هو إكرام لها ولنضالات بعض المنضوين فيها.

لا يمكن مقاومة الحرب وآثارها السلبية الحتمية إلا بالانتصار للسياسة (والثقافة بالضرورة). ينبغي أن تكون السياسة هي المطلق أو الدائم، والحرب هي الاستثناء أو المؤقت، لا العكس، وهذا يتوافق مع نقوله تماماً في العلم والطبيعة، إن الحركة هي المطلق، فيما السكون لحظي ومؤقت ونسبي.

423 مشاهدة
1 عدد الردود
  1. درويش خليفة
    درويش خليفة says:

    قراءة تستحق التقدير لك ولقلمك الحر استاذ حازم …
    وانا الان استخدم اسلوبك بالكتابة .

    رد

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *