السلفيون في سورية (2/2)


علي العبدالله

العربي الجديد-1 مايو 2015

استدعت التطورات الإقليمية والدولية، أحداث 11/9/2001، وغزو أميركا أفغانستان والعراق، وترويج خطة شاملة تقضي بمتابعة الحملة العسكرية الأميركية لتشمل سورية والسعودية ومصر، توجهاً لدى السلطة السورية لاستثمار إيمان السلفية بشعيرة “الدفاع عن دار الإسلام”، واعتبار الجهاد في حال غزو دار الإسلام “فرض عين”، وكراهية السلفية أميركا خصوصاً، وتوظيف هذا التقاطع المصلحي معها في مشاغلة القوات الأميركية في العراق وإرباك مخططها، ودفع واشنطن إلى التخلي عن فكرة تطوير هجومها وتنفيذ فكرة الشرق الأوسط الجديد الذي رفعته إدارة بوش الابن، ويقضي بإسقاط الأنظمة القائمة، ومنها النظام السوري. فالدفاع عن النظام كان هدفاً، وكذلك التخلص من شباب السلفية بإرسالهم إلى الموت في العراق، فأفرج عن المعتقلين منهم وشجعهم على التوجه إلى العراق لمحاربة غزو أميركا بلداً مسلماً. تذكر هنا دعوة الشيخ أحمد كفتارو، مفتي الجمهورية آنذاك، إلى الجهاد في العراق، وتحرُّك الدكتور محمود قول أغاسي، الملقب بأبي القعقاع، وتشكيله مجموعة “غرباء الشام” للقتال في العراق، وقد اغتيل بعد أن انتهت مهمته التحريضية، ومما كان له دلالة عن موقع الدكتور أغاسي في سياق استراتيجية النظام “الجهادية” أن آخر حديث مسجل له كان موجهاً إلى رئيس النظام، بشار الأسد، بعنوان “زفرات بين يدي القائد”، يدعوه فيه إلى محاربة الفساد، من دون أن ننسى تشكيل النظام “جند الشام” و”فتح الإسلام”. ثم، بعد تراجع التهديد الأميركي نتيجة انهيار حسابات الإدارة حول المعركة لجهة كلفتها البشرية والمادية، عاد النظام إلى محاصرتهم واعتقال من عاد منهم وتسليم بعضهم إلى القوات الأميركية. والنتيجة أن الهجرة إلى أرض الجهاد (العراق) والقتال ضد الأميركيين أحدثا نقلة في طبيعة السلفية السورية، وحوّلاها من سلفية علمية/نظرية إلى سلفية جهادية.

السلفية الجهادية

ما إن بدأت التظاهرات الاحتجاجية بالتصاعد والانتشار الأفقي، وبدأ استخدام النظام القوة والرصاص الحي لتفريقها، حتى قفز إلى السطح المكون الثقافي الرئيس والأصيل في الشخصية السورية: الإسلام، إنْ عبر التكبير في مواجهة العنف وسقوط الشهداء وتدمير المساكن والمحالّ التجارية ودور العبادة، أو بالحديث عن الجهاد والشهادة والجنة الموعودة للشهداء الصادقين. (كان لافتاً هتاف المشاركين في تظاهرة سوق الحريقة 17/2/2011، بالعفوية نفسها التي دفعتهم للتظاهر الذي جاء رداً على صفع شرطي مواطناً يعمل في السوق، بـ “الله أكبر”).

انطلق من داخلهم إيمانهم الراسخ بما زرعته فيهم الثقافة الإسلامية من قيم نبيلة، ترفض تأليه الأشخاص أو تقديسهم (لا إله إلا الله)، فالتجبر والتألُّه تجديف وهرطقة دينية محرمة، وإذلال الإنسان الذي كرّمه الله وإهانته هرطقة اجتماعية وسياسية مرفوضة ومدانة، وقبول الظلم والذل جريمة يُعاقَب عليها الإنسان يوم القيامة، بدخول جهنم. وقد قاد التمادي بالقتل وبطرق في غاية الوحشية، والتفنن بأساليب التعذيب وإزهاق الأرواح، إلى تأجيج العواطف، وصعَّد المشاعر الدينية التي يحتاج إليها الإنسان، وبقوة، لمواجهة لحظات عصيبة وقاسية كالتي يعيشها السوريون.

بدأ الخطاب الديني بالظهور في فعاليات الثورة بصيغ شعبية وعامة، عبر التكبير ورفع شعارات عن التضحية والشهادة والجنة، واللجوء إلى الله، وطلب النصر والمساندة منه (“لبيك، لبيك يا الله”، “ع الجنة، رايحين، شهداء بالملايين”، “يا الله ما لنا غيرك يا الله”) قبل أن يأخذ شكل تنسيقيات بخلفية إسلامية، وتالياً كتائب مقاتلة بعقيدة إسلامية، تعبِّر عن إسلاميتها بدءاً من أسماء الكتائب (كتيبة الأنصار، كتيبة أحفاد الرسول، كتيبة الصحابة، كتيبة عائشة أم المؤمنين، كتيبة صقور الإسلام، كتائب الإيمان المقاتلة… الخ) لتنتهي عند البرنامج السياسي الإسلامي الواضح.

وقد دفع تصاعد المواجهة، في ظروف نقص الإمكانات، إلى التعاون والتنسيق بين الكتائب المتقاربة فكرياً والمتقاربة جغرافياً، ثم إلى تشكيل ألوية من اتحاد مجموعة كتائب (لواء التوحيد في حلب، لواء أحرار الشمال في حلب، لواء الحق في حمص، ولواء الإسلام في دوما… إلخ) وجبهات عسكرية (الجبهة الإسلامية السورية، الجبهة الإسلامية الموحّدة، جبهة تحرير سورية، حركة الفجر الإسلامية، حركة الطليعة الإسلامية)، وإلى تبنّي برنامج نضالي، يتحدث عن نظام إسلامي ودولة إسلامية، وأخيراً إقامة الخلافة وتطبيق الشريعة، فضلاً عن مشاركة سياسية من بعض السلفية، الشيخ محمد عيد العباسي في مؤتمر الإنقاذ السوري الذي عقد في إسطنبول يوم (16/7/2011)، والتيار الوطني السوري (عماد الدين رشيد، رياض الحسن، خالد الصالح) في المجلس الوطني السوري.

يمكن اعتبار “الجبهة الإسلامية السورية” مثالاً نموذجياً للتيار السلفي الجهادي السوري، ولخياراته الفكرية والسياسية والاجتماعية، فالجبهة التي تكونت من أحد عشر لواء، منها “حركة أحرار الشام” (تعمل في جميع أنحاء سورية)، و”حركة الفجر الإسلامية” (تعمل في مدينة حلب وحولها)، و”كتائب أنصار الشام” (في اللاذقية وحولها)، و”لواء الحق” (في حمص)، و”جيش التوحيد” (في دير الزور)، و”جماعة الطليعة الإسلامية” (في المناطق الريفية من إدلب)، و”كتيبة مصعب بن عمير” (في المناطق الريفية من حلب)، والجماعات “كتيبة صقور الإسلام” و”كتائب الإيمان المقاتلة” و”سرايا المهام الخاصة” و”كتيبة حمزة بن عبد المطلب” (التي تعمل في منطقة دمشق). وقد نشرت يوم 17/1/2012 شرحاً مستفيضاً لأهدافها بصورة ميثاق مكوَّن من سبع صفحات عرضت فيه منطلقاتها الفكرية، وأهدافها السياسية والاجتماعية، بعد إطاحة النظام، وهي:

الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع. تمكين الإسلام في المجتمع، عن طريق إعداد الأفراد لتولّي أدوار قيادية في عدة مجالات خلال الفترة الانتقالية. اتخاذ القرارات وفقاً لمبادئ الشورى، وفي ضوء أحكام الشريعة الإسلامية. إعادة بناء سورية على أساس الوحدة والشفافية، ومحاربة الفساد والاستغلال وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. دور المرأة تكميلي، رفض الاختلاط واعتبار المفاهيم الغربية المتعلقة بحقوق المرأة غير مقبولة. اعتماد العدل والإنصاف في التعامل مع غير المسلمين. رفض التبشير بين المسلمين. تنفيذ البرنامج بشكل تدريجي.

كذلك برزت الدعوة إلى إقامة نظام “الخلافة” جزءاً من تصور لمجموعات سلفية سورية أخرى لنموذج الدولة في سورية، حيث أصدرت مجموعة من الكتائب المسلحة والتنسيقيات “ميثاق العمل المشترك لإقامة خلافة إسلامية”، جاء في مقدمته: “إيماناً منا بوجوب العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية وتحقيق بشارة الرسول (ثم تكون خلافة على نهج النبوة)، نعاهد الله تبارك وتعالى على العمل وإسقاط مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في سورية، وإقامة خلافة إسلامية”. وقد وقّع على هذا الميثاق يحيى مزاوي قائد كتيبة أحفاد الرسول، الرائد أمين خليل قائد كتيبة المهاجرين، النقيب خليل العمر قائد كتيبة عبد الله بن الزبير، مصعب السعيد، قائد كتيبة أحرار الإسلام عبد الحميد عبد الحميد، ممثل حزب التحرير، وعشرات الكتائب والفصائل المسلحة. وانضمت إليه تنسيقيات مثل: تنسيقية تفتناز، تنسيقية ثوار الغوطة، تنسيقية الحمراء، تنسيقية الدبلان، تنسيقية تل أبيض… وما زال التوقيع مفتوحاً للراغبين. وقد تبنّى أصحاب الميثاق مشروع الدستور الذي اقترحه حزب التحرير الإسلامي لدولة الخلافة الموعودة. كما رفعت شعارات في بعض التظاهرات تقول: “الشعب يريد خلافة إسلامية”.

استمر توالد حركات جهادية سورية على خلفية سلفية، مع ملاحظة الوضع الخاص لجبهة النصرة لأهل الشام التي تتأرجح في موقفها بين رغبة أغلبية عناصرها السوريين وانضوائها تحت مظلة تنظيم القاعدة، ما يعني عدم وجود موقف سلفي موحد، فتشكل “جيش الإسلام” من خلال اتفاق 43 مكوناً عسكرياً منتشراً في ريف دمشق، وإعلان مكونات عسكرية أخرى نيتها تشكيل “جيش محمد”، تلاه تشكيل الجبهة الإسلامية: مشروع أمّة، بتاريخ 22/11/2013 من حركة أحرار الشام الإسلامية وألوية صقور الشام (اندمجت حركة أحرار الشام وألوية صقور الشام يوم 22/3/2015 تحت اسم حركة أحرار الشام الإسلامية) وكتائب أنصار الشام وجيش الإسلام ولواء التوحيد ولواء الحق، وقد حدد في ميثاقها أهدافها في:

1- إسقاط النظام القائم في سورية إسقاطا كاملا، وجميع مخلفاته ورواسبه الجاهلية، ومحوها بشكل كامل من واقع سورية. والذب عن دماء المستضعفين وأعراضهم وأموالهم، وإسقاط النظام يعني تفكيك وإنهاء سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع جيشه ومؤسساته الأمنية، ومحاكمة من تورط منهم ومن أنصارهم بسفك دماء الأبرياء محاكمة شرعية عادلة.

2- رص الصفوف وتوحيد القوى العاملة في الثورة المباركة، لنشر الأمان وإعادة بناء سورية على أسس سليمة من العدل والوحدة والتكافل.

3- إقامة دولة مستقلة تكون السيادة فيها لشرع الله الحنيف، ينعم أفرادها بالعدل والحياة الكريمة.

4- المحافظة على الهوية الإسلامية في المجتمع، وبناء الشخصية الإسلامية المتكاملة.

5- العمل على إدارة الموارد والثروات وتسخيرها لصالح الفرد والمجتمع، لتلبية حاجات أبناء البلد الأساسية من الغذاء والصحة والتعليم.

6- المشاركة الفاعلة في تنمية المجتمع والنهوض به، وإعداد القيادات الفاعلة في مختلف مجالات الحياة.
صعود السلفية مع الثورة

لم يكن حضور التيار السلفي ظاهراً أو بارزاً في المشهد السياسي السوري، (اشتكى قيادي من التيار السلفي في دير الزور من محاربة النظام والتيارات الإسلامية هذا التيار ودلل على رأيه قائلاً إنه ليس للتيار مسجد في دير الزور)، خصوصاً بعد الحملة التي شنّها النظام على هذا التيار عام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وانفجار الخلاف بينه وبين المملكة العربية السعودية، وكانت الحملة بدعوى “محاربة الوهابية والفكر الظلامي التكفيري”، غير أن عوامل محلية وإقليمية ودولية ساعدت، ليس على ظهور التيار السلفي فقط، بل وتصدّره لهذا المشهد خلال الثورة. لعل أهم هذه العوامل: عنف النظام ووحشيته في الرد على الاحتجاجات. عسكرة الثورة. الحالة الروحية للسلفي واستعداده العالي للتضحية بالنفس في سبيل العقيدة. انحياز المؤسسة الدينية التقليدية إلى جانب النظام أو بقاؤها على الهامش. ضعف الشخصيات الدينية المعتدلة وفرارها إلى الخارج. الدعم المالي والعسكري الكبير من الأفراد والدول دفع حتى الكتائب غير السلفية إلى الالتحاق بالسلفية للاستفادة من هذا الدعم. الدعم السياسي والإعلامي (تجنيد دعاة سلفيين، مثل نبيل العوضي الكويتي ومحمد العريفي السعودي، وتسخيرهم أقنية تلفزيون للترويج للخطاب السلفي). إيران ووقوفها، هي وحكومة العراق وحزب الله والمليشيات الشيعية العراقية، إلى جانب النظام، وقد أعطى ذلك قوة وصدقية لخطاب السلفية حول طبيعة الصراع: صراع مذهبي. تقاعس المجتمع الدولي، وإخفاقه في وقف سفك الدم السوري، مما عزّز الخطاب السلفي المناوئ للغرب باعتباره شريكاً سلبياً في جرائم النظام. الدور الذي لعبته دول الخليج العربي بعامة، والسعودية بخاصة، في دعم وتمويل هذه الجماعات ورعايتها، على خلفية حذرها وخوفها من انتصار ثورة ديمقراطية في سورية تهزّ ارتداداتُها الإقليم، بما فيه دول الخليج العربي ذاتها، وسعيها لاستثمار عنف النظام ووحشيته والبناء على توجهه لزرع الفتنة الطائفية كسياسة لحرق الثورة وتشويهها، فرعت تلك الدول ردّ الفعل الشعبي إزاء السلوك الطائفي للنظام، واحتضنت بذرة السلفية، وسعت لتحويلها إلى الوجه الرئيس للثورة عبر تمويلها وتسليحها، ودمّرت المكون المدني والديمقراطي فيها، وقد تسارع هذا التوجه، بعد تسلم حركة الإخوان المسلمين السلطة في مصر، وتناغمها مع تركيا في دعم الإخوان المسلمين السوريين، والعمل على احتلالهم دوراً كبيراً في سورية المستقبل.

وقد طرح صعود التيار السلفي على نفسه تحديات كبيرة وخطيرة، وضعت مستقبله، ومستقبل المشروع السلفي، على المحكّ، لجهة النجاح في التعاطي مع مترتبات هذا الصعود وإعطاء أجوبة فقهية وسياسية، تقنع المجتمعين السوري والدولي بأن سورية ستكون دولة مستقرة، يعيش مواطنوها بأمان ومساواة في ظل سيادة القانون والحريات العامة والخاصة.

0 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *