معركة «داعش» على مخيم اليرموك: تداعيات مقلقة

جيفري وايت و أندرو جيه. تابلر

 معهد واشنطن – 10أبريل 2015

خلال الأسبوع الأول من نيسان/أبريل، أقدم تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية» على فرض سيطرته على 90 في المائة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق – في ما يعتبر تطوراً مهماً ومثيراً للدهشة إلى حد ما في الصراع المطوّل على العاصمة السورية. وفي حين كان التنظيم متواجداً في السابق في مدينة الحجر الأسود الواقعة مباشرة جنوب المخيم، إلا أنه لم يكن يعتبر آنذاك قوةً مهيمنة في المنطقة المحيطة بدمشق. وعلى الرغم من أن أحدث التقارير تشير إلى أنه يتم حالياً دحر «داعش» خارج المخيم، إلا أن ظهوره المفاجئ كعاملٍ عسكري هام بالقرب من مقر قوة النظام السوري يشكل تحديات أمام قوات بشار الأسد فضلاً عن مختلف جماعات الثوار الناشطة في المنطقة.

كما أن زحف تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى مخيم اليرموك يمثل أقوى اجتياح له داخل الجنوب السوري حتى اليوم، علماً بأن بعض الدول الأخرى تعمل على إبقاء التنظيم خارج الجنوب حتى وإن اضطرّها الأمر إلى تحمّل «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة» والتي تقاتل إلى جانب الفصائل الإسلامية وأخرى أكثر اعتدالاً في المنطقة. بيد أن الفوز بالمعركة في أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا أو خسارتها قد يترك آثاراً سياسية تتردد أصداؤها في أماكن أخرى من البلاد. بالإضافة إلى ذلك، يعد هذا الوضع مؤشراً آخر على توسيع قبضة «داعش» والجماعات الجهادية بشكل عام حتى بينما تقصف الولايات المتحدة أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وشرق سوريا. وبغض النظر عن النتيجة النهائية لمعركة اليرموك، فإن المسارات الحالية تحث على التساؤل عمّا إذا كانت الاستراتيجية العسكرية التي تنتهجها الولايات المتحدة ضد «داعش» – المقرونة بانعدام استراتيجية قوية تجاه سوريا – تساهم في إيجاد سياق سياسي لتوسع التنظيم غرباً وجنوباً.

المعركة

لا يبعد مخيم اليرموك سوى ستة كيلومترات عن وسط العاصمة دمشق والمناطق الخاضعة لسيطرة النظام. ومنذ أواخر 2012 يشكل المخيم على الأقل جزءاً من المعركة المعقدة التي يخوضها النظام والثوار للسيطرة على العاصمة وضواحيها. ومن أجل استعادة سيطرته على المخيم عمد النظام إلى محاصرته وقصفه، واستهدافه عدة مرات بشكل منتظم منذ عام 2012، بتحقيقه نجاحات متواضعة فقط في حين أخضع سكانه المدنيين لمعاملة وحشية.

وتندرج المعركة الأخيرة ضمن الجهود التي يبذلها تنظيم «الدولة الإسلامية» منذ فترة طويلة لترسيخ وجود فعلي له في الجنوب، إلا أن الظروف التي بدأت فيها المعركة ليست واضحة. فمن الممكن أنها نتجت عن نزاعات وحوادث محلية لا عن خطوة استراتيجية كبرى اتخذها أحد الأطراف. وقد اندلع القتال أساساً في الأول من نيسان/أبريل حين شنّ تنظيم «داعش» هجوماً على كتائب «أكناف بيت المقدس» – الفصيل الفلسطيني الرئيسي المسلح في المخيم. ومع أن قوات التنظيم اضطرت للانسحاب في بداية الأمر، إلا أنها عاودت دخول المخيم في 3 نيسان/أبريل وأخذت تدفع كتائب «أكناف بيت المقدس» إلى التراجع. وبحلول الرابع من الشهر نفسه، أفادت التقارير أن تنظيم «الدولة الإسلامية» سيطر على ما يقرب من 90 في المائة من المخيم.

وثمة احتمال بأن تكون «جبهة النصرة» قد ساعدت في تنفيذ العملية، إذ وردت تقارير بأنها سمحت لمقاتلي «داعش» بالمرور عبر حواجز تفتيشها للوصول إلى ساحة القتال بينما قطعت الطريق أمام جماعات ثوار معينة وحالت دون انضمامهم إلى المعركة. وقيل أيضاً إنّ المقاتلين الفلسطينيين تلقوا الدعم من خصوم «جبهة النصرة» في المنطقة الجنوبية من دمشق، بمن فيهم الجماعة السورية المتمردة «جيش الإسلام». كما ورد أن القوات الموالية للنظام – من بينها تلك التي تضم الفلسطينيين من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة» و«فتح الانتفاضة» – انخرطت هي أيضاً في القتال. وقد قامت قوات النظام أيضاً بشنّ عدد من الضربات الجوية على المخيم مع أن النقاط التي استهدفتها ليست واضحة.

ولا يزال القتال مستمراً حتى كتابة هذه السطور، وأسفر عن قيام وضع مبهم لا وضوح فيه على الأرض. ويبدو المخيم منقسماً حالياً حيث يسيطر تنظيم «داعش»، والقوات الموالية للنظام، ومختلف عناصر المعارضة الفلسطينية والسورية على قطاعات مختلفة.

التداعيات

من أبرز الأسئلة التي تُطرح هو ما إذا كان تنظيم «الدولة الإسلامية» قادراً على تدعيم مواقعه في المخيم بوجه المقاومة التي يواجهها على عدة جبهات. وكما ذُكر أعلاه، تفيد التقارير أنه يتم دحر الجماعة حالياً من قبل قوى المعارضة الفلسطينية أو السورية. وعلى كل حال، كلما طال وجود «داعش»، ازدادت قدرة هذا التنظيم على تجهيز دفاعاته والقضاء على قادة الثوار وجماعاتهم. وإذا نجح في فرض سيطرته على المنطقة، سيأتي هذا التطور في خضم المعركة المطولة للاستحواذ على دمشق.

وتجدر الإشارة إلى أن علاقة تنظيم «الدولة الإسلامية» بـ «جبهة النصرة» مهمة في هذا السياق. فإذا استطاع «داعش» أن يضمن تعاون «جبهة النصرة» – سواء بصورة إيجابية أو سلبية – ستزداد قدرته على الحفاظ على سيطرته المحلية وتوسيعها. وللمعركة في دمشق أهمية سياسية بالنسبة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية»، فتسيير العمليات في محافظة الرقة البعيدة أو دير الزور مختلف تماماً عن القتال في العاصمة. لذلك فإن ترسيخ النجاحات في المنطقة سيعزز من صورة الجماعة ويدعم حظوظها في تجنيد المقاتلين، خاصة في ظل الانتكاسات الأخيرة في العراق.

وبالنسبة للعناصر الفلسطينية والسورية المعارضة للنظام، يشكل تقدم تنظيم «داعش» في مخيم اليرموك تهديداً وتعقيداً بالغين. إذ أنها تتعرض بالفعل لضغط ملحوظ من قوات الأسد، ويجب عليها الآن التعامل مع خصوم جهاديين عدائيين. هذا ويتعين على الثوار أن يأخذوا تنظيم «الدولة الإسلامية» في الحسبان عند التخطيط لأي عملية في المنطقة، سواء كونه عدواً أو عائقاً أو ربما حتى حليفاً محتملاً.

أما بالنسبة للنظام، فيمثل الوضع في اليرموك مصدر تهديدات وفرص على حدٍّ سواء، الأمر الذي يجسد مرة أخرى العلاقة المعقدة بين الأسد و«داعش». ويكمن التهديد في أن بضعة كيلومترات فقط تفصل بين تنظيم «الدولة الإسلامية» والقصر الرئاسي، وقد أثبتت الجماعة أنها قادرة على خوض معركة شرسة مع قوات النظام متى أرادت ذلك. ومن أجل القضاء على هذا التهديد، سوف يتوجب على النظام أن يخصص عدداً كبيراً من القوات وربما تقبّل خسائر كبيرة. وفي الوقت الراهن يبدو أنه يركز اهتمامه على مقاتلة عناصر «داعش» داخل المخيم مستخدماً القوات الحليفة له بالدرجة الأولى. غير أن حكومة دمشق كانت مرنة في تعاملها مع التنظيم في السابق وبإمكانها أن تحوّل محور اهتمامها في أي وقت. فيمكنها مثلاً أن تعتبر وجود تنظيم «الدولة الإسلامية» عاملاً يصب في مصلحة صراعها لإرساء السلم في منطقة العاصمة؛ وإذا حدث ذلك من الممكن أن يسعى النظام إلى التوصل إلى تسوية مع «داعش» بحيث تتيح للطرفين تركيز جهودهما ضد قوات المعارضة السورية والفلسطينية، كما فعلا في مناطق أخرى.

وعموماً، يعدّ الوضع في اليرموك أحدث دليل على توسّع تنظيم «الدولة الإسلامية» في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة حيث يعيش المدنيون في ظروف بائسة، وحيث فشل المجتمع الدولي في تأمين الحماية اللازمة لهم، وحيث لا تتلقى الفصائل الأكثر اعتدالاً المواد الكافية والدعم السياسي. وفي الواقع أن قدرة التنظيم على استقطاب الفصائل الأخرى إلى صفّه أتاحت له التوسع بسرعة في الأماكن التي تعاني من فراغ سياسي، مع تداعيات غير واضحة وأخرى يُحتمل أن تكون مزعزعة للاستقرار. فإذا نجحت قوات النظام في طرد «داعش» من المخيم، قد يسفر ذلك عن توجيه دعوة جديدة إلى المقاتلين الأجانب أو غيرهم من أنصار تنظيم «الدولة الإسلامية» للانضمام إلى القتال. أما إذا صمد التنظيم في اليرموك فسوف يحظى بموقع وطيد ينطلق منه للتوسع إلى مناطق أخرى أو لضرب المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في دمشق بصورة منتظمة، فيبرهن بذلك عجز الأسد عن حفظ الأمن والنظام. وفي كلتا الحالتين، من الممكن أن يتنامى التنظيم أكثر فأكثر في سوريا بينما تعمل القوات الأمريكية وتلك المدعومة من إيران في العراق على إخراجه من الشرق وفي الوقت الذي تستمر واشنطن في التملص من وضع استراتيجية متماسكة لدعم المعارضة في سوريا.

 

جيفري وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن وضابط كبير سابق لشؤون الاستخبارات الدفاعية. أندرو جيه. تابلر هو زميل أقدم في المعهد وتشمل مؤلفاته باللغة الانكليزية “انهيار سوريا وكيف بإمكان واشنطن وقفه” (فورين أفيرز، تموز/يوليو – آب/أغسطس 2013).

 

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *