عبد الرحمن الشهبندر

موقع صفحات شامية 

هو عبد الرحمن صالح الشهبندر، من أسرة دمشقية عريقة في سورية. والده السيد صالح الشهبندر، كان معروفاً بصفاته الإنسانية، ومواقفه الوطنية المعادية لكل أنواع الظلم.

ولد عبد الرحمن في 6 تشرين ثاني1879 في دمشق، وتلقى علومه الابتدائية في مدارس الحكومة فيها، ثم دخل الجامعة الأمريكية في بيروت، ونال شهادتها العلمية عام 1901، وكان الخطيب السنوي للجمعية العلمية العربية.

عاد عبد الرحمن إلى دمشق وانضم إلى الحلقة الإصلاحية التي كان يرأسها الشيخ طاهر الجزائري، وبسبب الحوادث التي كانت قائمة يومذاك، قُدم إلى المحاكمة بتهمة الاشتراك في تأليف رسالة موضوعها (الفقه والتصوف) وبأنه أحد الذين كتبوا في جريدة المقطّم المصرية حول (خلافة السلطان عبد الحميد الثاني) غير أن صغر سنه يومذاك أنقذه من السجن أو مما هو أخطر من السجن.

في عام 1902م عاد إلى الجامعة الأمريكية وعكف على دراسة الطب مدة أربع سنوات، حيث كان من المتفوقين، وبعد التخرج وبامتياز اختارته الجامعة الأمريكية أستاذاً فيها وطبيباً لطلابها.

في عام 1908 عاد الشهبندر إلى دمشق، واتصل بالمرحوم الشيخ عبد الحميد الزهراوي، وبأحرار العرب إثر حدوث الانقلاب العثماني في تموز من تلك السنة، وكان عاملاً كبيراً في تأسيس الجمعيات العربية.

وحين اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى، لجأ الاتحاديون إلى سياسة البطش والتنكيل وتعليق المشانق، وكاد الشهبندر أن يكون في عداد ضحايا هذه السياسة، لو لم يبادر بالفرار إلى العراق، ومنه إلى الهند، ومن بعدها إلى مصر.

وفي مصر حارب الشهبندر تصرفات جمال باشا السفاح، وزير الحربية وقائد الجيش العثماني الرابع، وما قام به من تنكيل بأحرار العرب في سوريا ولبنان. وتولى تحرير جريدة (الكوكب) التي أنشأتها دائرة الاستخبارات البريطانية في مصر، ثم قدم استقالته منها بعد أن اتضحت معالم السياسة الإنجليزية. وقد سعى الشهبندر مع ستة من إخوانه السوريين بأخذ عهد من بريطانيا أطلق عليه (عهد السبعة)، وهو يقضي بأن كل بلاد عربية يفتحها الجيش العربي تبقى عربية مستقلة، لذا نراه جاهر بالدعوة إلى التعاون مع الإنجليز في الحرب العالمية الأولى، ودعا إلى التطوع في جيش الشريف الحسين بن على من أجل مواجهة الأتراك والانفصال عنهم.

بعد استقلال سورية عن الحكم العثماني، عاد الشهبندر إلى دمشق، وهيأ مع إخوانه في مختلف الأحزاب الحملة الكافية لإظهار البلاد أمام اللجنة الاستفتائية الأمريكية بالمظهر الذي تنشده من حرية واستقلال تام.

في شهر أيار/1920، عندما ألّف هاشم الأتاسي وزارته التي سميت (وزارة الدفاع) عُهد إلى عبد الرحمن بوزارة الخارجية فيها. ولكن بعد دخول الفرنسيين سوريا في تموز/1920، غادر الشهبندر سوريا إلى القاهرة، ولكنه عاد إليها بعد عام وأخذ يعمل في تنظيم الأعمال السياسية لمقاومة الاحتلال الفرنسي.

ويذكر أن زواج الشهبندر سنة 1910 من (سارة) ابنة أحد وجهاء دمشق، المدعو تقي الدين بك المؤيد العظم، لعب دوراً في نشاطه السياسي، ونفوذه الاجتماعي أيضاً، ورفعه إلى واجهة الأحداث الكبرى مدعوماً من عصبية عائلية لها وزنها على هذا الصعيد.

ونتيجة لنشاطه السياسي والوطني هذا، وعلى أثر قدوم المستر (كراين) إلى دمشق عام 1922، واستقباله بمطالبة الجماهير بالحرية والاستقلال، والوفاء بوعد الحلفاء عامة ووعد الأمريكيين خاصة، ولمناداة السوريين بسقوط الانتداب، ورافق ذلك أيضاً مقتل وزير الداخلية (أسعد خورشيد) في بيروت، نتيجة ذلك كله، ألقى الفرنسيون القبض على كثير من البيروتيين والدمشقيين منهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وقد حكم عليه بالسجن عشرين عاماً، والنفي إلى بيت الدين (في لبنان)، ثم إلى جزيرة أرواد، وبعد تسعة عشر شهراً صدر العفو عنه. ولما غادر السجن سافر إلى أوروبا وأمريكا لعرض قضية الوطن والعروبة، حيث كان من أوائل الزعماء السوريين في تلك البلاد، يطرح القضية الوطنية، ويشرح كثيراً من المسائل التي تستحق الشرح لتبيان الحقائق واكتساب الدعم.

في تموز/1924، عاد الشهبندر إلى دمشق، ألّف حزباً سياسياً سماه (حزب الشعب) حيث تولى رئاسته، وأطلق على نفسه لقب الزعيم. وأخذ الشهبندر يعمل من جديد في تنظيم العمل السياسي، ويدعو إلى الوحدة العربية، ويطالب بإلغاء الانتداب، وإقامة جمهورية سورية في نطاق الاتحاد مع جميع البلدان العربية المستقلة.

ولما ترامى إلى سمع الشهبندر ما يعانيه جبل العرب من ظلم حاكمه الفرنسي، وما يحضر له زعماء الجبل، وفي مقدمتهم سلطان الأطرش للثورة ضد الفرنسيين، وإنقاذ البلاد من براثن احتلالهم، حتى أخذ يتصل بهم من أجل تنسيق المواقف، ورص الصفوف وتجميع القوى وإعلان الثورة. وهذا ما دفع البعض إلى وصفه (كان الأهم والأبرز من كتاب الأدب السياسي للثورة).

كما التحق الشهبندر بصفوف الثوار لدى اندلاع الثورة في جبل العرب عام 1925، وظل بجانبهم يقاتل حتى كبدوا الفرنسيين خسائر فادحة. لقد وضع الشهبندر كل إمكاناته وطاقاته في سبيل دعم الثورة وإنجاحها، ولكن قوات العدو الكبيرة، أرغمت الشهبندر والأطرش ورفاقهما إلى الانسحاب إلى الأزرق، ومن الأزرق غادر الشهيندر إلى العراق ومن ثم إلى مصر، حيث استقر هناك بعد أن حكمت عليه السلطة الفرنسية بالإعدام، فاضطر للبقاء في القاهرة عشر سنوات، وكان خلالها يعمل للقضية العربية بالتعاون مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني بالإضافة إلى اشتغاله بالطب.

حين أُلغي حكم الإعدام، عاد عبد الرحمن الشهبندر إلى دمشق في الحادي عشر من أيار سنة 1937م. فاستأنف نشاطه السياسي والوطني، وأخذ رفاقه وإخوانه وأنصاره ينظمون له احتفالات جماهيرية كل يوم، يحضرها ألوف من رجال الأحياء والوجهاء ومختلف الطبقات، وكان الشهبندر يُلقي في هذه الاحتفالات اليومية خطباً حماسية، تلتهب لها الأكف بالتصفيق، والهتاف بحياته، وقد هاجم الشهبندر في خطاباته معاهدة 1936 مع فرنسا، وفند بنودها، وعدد مساوئها، الأمر الذي أدى إلى ضجة في البلاد، وانقسم الشعب على أثرها إلى فئتين، قسم أيد المعاهدة والكتلة الوطنية (بقيادة هاشم الأتاسي)، وقسم التف حول الدكتور الشهبندر واقتنع بوجهة نظره في تعداد مساوئ المعاهدة وعيوبها وضرورة الكفاح من أجل تحقيق الاستقلال الكامل والسيادة المطلقة.

قال الأستاذ ظافر القاسمي عن خطب الشهبندر التي كان يلقيها في الحفلات التكريمية إثر عودته من مصر: (وتتابعت الحفلات للزعيم، وأخذ يلقي في كل يوم خطاباً، أو خطباً جديدة الموضوع جديدة الألفاظ، حسبته وهو يتحدث وكأنه يقرأ من كتاب. أما في خطبه فحسبته يعب من بحر لا ساحل له. ألقى أربعين خطاباً في واحد وعشرين يوماً متتابعة، فلم يحص عليه المحصون فيها كلها لحنة واحدة، ولم يجدوا فكرة واحدة معادة، ولا رأياً مكرراً، كان في ذلك آية الله في خلقه. ولله في خلقه شؤون).

وإزاء موقف الشهبندر من المعاهدة السورية الفرنسية، ليس بمستغرب على فرنسا وحلفائها أن تتحين الفرص للإيقاع به والتخلص منه. وهكذا أقدمت مجموعة من الأشخاص على اغتيال الدكتور الشهبندر، وهو في عيادته يمارس عمله الإنساني، فدخلوا عليه زاعمين أنهم مرضى، وأطلق واحد منهم وهو (أحمد عصاصة) الرصاص على رأس الشهبندر فأرداه قتيلاً، وكان ذلك صبيحة يوم السادس من تموز سنة 1940.

وكان لهذا الحادث الأليم وقع كبير على دمشق وبلاد العرب عامة، فشُيّع جثمانه، ودفن إلى جوار قبر صلاح الدين الأيوبي، قرب الجامع الأموي الكبير.

وإمعاناً في التضليل والفتنة بين الشعب الواحد، حاولت السلطة الفرنسية إلصاق التهمة بالقادة الوطنيين والمخلصين، فرمت تهمة القتل على ثلاثة من رجال الكتلة الوطنية، وهم السادة: سعد الله الجابري، ولطفي الحفار، وجميل مردم بك. فقد استغلت هذه السلطة خلاف الرأي الذي نشب بين الكتلة الوطنية والشهبندر، والحملات التي شنها في خطاباته على معاهدة 1936، والذين أيدوها مما اضطر رجال الكتلة الذين أُلصقت بهم التهمة الباطلة إلى مغادرة البلاد ريثما تنجلي الأمور، ويتم التحقيق ويظهر الحق من الباطل.

وبعد شهور عدة من المحاكمة الطويلة، اعترف الفاعلون بفعلتهم وأن الدافع إليها كان دافعاً دينياً، وزعموا أن الشهبندر تعرض للإسلام في إحدى خطبه، وأنهم فعلوا فعلتهم انتقاماً وثأراً للدين الحنيف. فحكمت المحكمة عليهم بالإعدام، ونفذ فيهم الحكم شنقاً يوم الثالث من شهر شباط سنة 1941. وعاد رجال الكتلة الوطنية الثلاثة إلى أرض الوطن مرفوعي الجبين بعد أن تمت تبرئتهم.

 

(النص منقول من موقع مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية و الاستراتيجية)

المراجع:

ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهران، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت طبعة أولى 2001، ص (385ـ 393).

ـ (صفحة من حياة الشهبندر)، حسن الحكيم.

ـ (موسوعة االسياسة)، د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1990، الجزء الثالث، ص (826).

ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، طبع في لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص (166).

(الصورة من كتاب أطلس التاريخ العربي الإسلامي, د. شوقي أبو خليل, دار الفكر, دمشق, الطبعة الرابعة, 1994, ص 93)

 

 

35 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *