تجديد الفقه الإسلامي وفوبيا الحداثة


حسام أبو حامد

العربي الجديد- 6 مايو 2015
إرضاع الكبير، بطلان الزواج الشرعي بتجرد الزوجين من ثيابهما تجردا كاملا، مركزية الأرض وعدم دورانها، هذه وغيرها فتاوى لا يزال ينتجها الفقه المعاصر، صدمت فقهاء عديدين قبل غيرهم. ويواجه الفقه الإسلامي، اليوم، امتحانا حقيقيا حول مدى صلاحيته للمجتمعات المعاصرة، لا سيما مع استمرار المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة.
ربما كمنت خاصية الدين الإسلامي في دنيويته. فالإسلام كتعبير، يتجاوز مضمون المصطلح الغربي للدين، فهو ليس إيمانا فقط، بل نظام وأخلاق وسلوكات ومواقف معاشة في الواقع. وخلافا لـ “لكتاب المقدس”، لم يترتب في الإسلام على معصية آدم خطيئة أصلية متوارثة، ولم يكن الإنسان مخلوقا ساقطا يحتاج إلى الخلاص عبر تضحية شخصية، فالمسؤولية الفردية أساس العدالة “كل نفس بما كسبت رهينة”. ولم تتجسد “الكلمة”، بل ما نزل إلى الأرض هو الشريعة. لذا، اتجه الاجتهاد الفكري الإسلامي، بداية، إلى فهم الشريعة (علم الفقه)، قبل أن يتوجه إلى دراسة اللاهوت (علم الكلام).
فضائل الإنسان التي ستمكنه، في النهاية، من مقارعة الشيطان والانتصار عليه، لم تتأت من نضال تاريخي، بل هي نعمة من الله “ولولا فضل الله عليكم ورحمته، ما زكى منكم من أحد أبدا”. إنها موجودة فيه بالفطرة (بالقوة)، لكن “أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه”، وتصحيح هذا الانحراف يكون بالسعي إلى اكتمال الذات الذي لا يتحقق إلا بالجماعية المحضة (الجماعة) تحت سلطة الله المركزية “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين”. فالعقد الاجتماعي، هنا، ليس نتيجة اتفاق البشر، بل متعال عليهم. هو شريعة الله التي لم تكن نتيجة ترتيب تناقضات اجتماعية، أو علاقات القوى السياسية. تكفل هذه الجماعية إخراج الفضائل الإنسانية من حيز الإمكان إلى حيز الفعل.
قضى الإصلاح البروتستانتي على الوحدة الروحية لأوروبا. ومع تفكك نظام الإقطاع، وتهاوي سلطة الكنيسة، انطلقت الفلسفة الأوروبية تبحث عن الإرادة المتعالية التي يخضع لها المجتمع، وتستخلص مفهوما عن الواجب الأخلاقي، بلغ ذروته قيمة مطلقة عند كانط، وصولاً إلى نظام حقوقي وضعي كان، في آن معا، سببا ونتيجة للحداثة الأوروبية. أما الفكر الإسلامي، بجانبه الفقهي، كما كُرّس تاريخيا، أيديولوجيا وسياسيا، فلم يعرف إلا الواجب الشرعي، وحاز رئيس “الجماعة” الإسلامية سلطة تنفيذية لا تشريعية، وحتى في تلك الفترات التي اكتسبت فيه الدولة نزعة ثيوقراطية، اقتصرت مهمته على تأمين تطبيق عادل للشريعة. وليس الفقيه/ المجتهد مشرعاً، بل مفسرا للشريعة. هكذا بدا الفقه الإسلامي جزءاً مكملا للوحي المقدس السابق على المجتمع، ولم يكن نتيجة لحراك الأخير، على عكس المفهوم المعاصر للفقه الحديث، ليتم التسليم به منظومة تلقائية مكتملة.
تقوم المنهجية الفقهية في أساسها على رد فرع (جزئيات الواقع) إلى أصل (النص/الوحي). وقد أدرك عمر بن الخطاب ضرورة أن تتغير الأحكام بتغير الأزمان، فألغى عطاء المؤلفة قلوبهم، وأبطل العمل بحد السرقة في عام الرمادة، وزواج المتعة وغيرها، فكان هذا المبدأ الذرائعي أساسا لمدرسة فقهيةٍ، تقدم الرأي على الحديث، ابتعدت عن الفهم الحرفي للنص، يتقدمها عبد الله بن مسعود، وربيعة الرأي، وأبو حنيفة النعمان، وغيرهم. وقد أكسب ذلك الفقه الإسلامي مستوى مناسبا من المرونة، بلغ حد إنتاج نوع من الفقه المجرد، بافتراض حوادث لم تقع واستنباط حكمها (أرأيت لو أن .. فما حكمه؟). انفتحت هذه المدرسة على لاهوت إسلامي عقلاني، يعتبر العقل مصدراً مشرعاً ومصدرا لمعرفة الخير والشر، ما حرر العقل من سلطة النص.
والسنّة، عند أهل الرأي، تفسير وبيان لما أجمله الكتاب (القرآن) ولناسخه ومنسوخه، وكل ما ورد في الكتاب قطعي، وكل ما ورد في السنّة ظني، عدا السنن المتواترة والمشهورة. في مواجهة هؤلاء، كان على أهل الحديث إبطال العمل بالرأي، لينتهي ذلك إلى نقلة على صعيد المرجعية التشريعية. ولكن، كيف يمكن للفقه، في هذه الحال، مواجهة معضلةٍ تمثلت في التوفيق بين واقع متغير باستمرار ونص لا تتعدى فيه آيات الأحكام المائتي آية ونيف. كان خيار هؤلاء توسيع مفهوم النص، بحيث تصبح السنّة مع الإمام الشافعي نوعاً من الوحي، أي تصبح نصا ألحق به الإجماع والعادات، وارتبط بها الاجتهاد/ القياس ربطا محكماً “لا يكون الاجتهاد إلا لمن عرف الدلائل عليه من خبرٍ لازم أو كتاب أو سنة أو إجماع، ثم يطلب ذلك بالقياس عليه”. هكذا اكتملت عملية استنباط علم أصول الفقه، عبر تأصيل الأصول العامة وتقعيد القواعد الكلية. ومع الأوزاعي، أصبحت السنّة “قاضية على الكتاب، ولم يجئ الكتاب قاضيا على السنّة”. أما أحمد بن حنبل فرفض الاحتكام إلى العقل، ورأى أنه، في حال غياب حديثٍ، يدعم المسألة، فإن الأمر يبقى معلقا من دون إجابة أولية فيها. وبعد أن كانت الأحكام تتغير بتغير الأزمان، أصبحت السنّة (بمفهومها الموسع) تشريعاً متعالياً، اقتطعت من سياقها الزماني والمكاني، وصارت ملزمة للمكلف إلى يوم القيامة (ابن حزم)، فلا يعتريها تغير أو تبديل.
“تطوير منهجية فقهية تحرر العقل من الفهم الحرفي للنص، ليستمد مرجعيته من ذاته، باتت جوهرية في التصدي لمهمة الجمع بين موافقة النص ومواكبة العصر وإقناع العقل”
ومع الإلحاح على النص، ستضخم المرويات وتوضع الأحاديث. وفي ظل احتدام الصراع الأيديولوجي السياسي والمذهبي، لم تعد السنّة، بعد توسيع مضمونها فقط مصدراً للتشريع، بل ومصالح أصحاب تلك الأحاديث الموضوعة، ما لعب دورا في جعل الفقه أداة توظف في الصراع ضد الخصوم المذهبيين والفكريين. أما بخصوص إرجاع الجمود الفقهي وسيادة التقليد إلى إغلاق باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري، والذي أصبح مسلمة لدى كثيرين، فإننا نرى أن إغلاق ذلك الباب، كان، بحد ذاته، إعلانا عن تحول الفقه نفسه إلى بنية مغلقة في مواجهة الواقع، منذ القرن الثاني الهجري، حيث فرّغ الاجتهاد مبكراً من مضمونه العقلي ليختزل في قياس على نص، ما أدى، أيضاً، إلى تراجع تطبيق الشريعة، ربما منذ الأمويين، قبل أن يلعب الغزو الثقافي الأوروبي دوره، فيحصره في دائرة “الحق الشخصي” مع سياسة التحديثات العثمانية المعروفة بـ “التنظيمات”.
وهكذا، تبدو أزمة الفقه بنيوية ومنهجية في آن معا. وعلى أي مراجعةٍ، يناط بها تجديد الفقه الإسلامي، أن تعيد النظر، ليس فقط في كثير مما بات، اليوم، مسلمات فقهية، فاتها قطار التاريخ، بل أيضا في المنظور التشريعي نفسه، وإعادة الاعتبار للعقل، كأحد مصادر التشريع “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، ما يعني التقبل والانفتاح على القوانين الوضعية، لاسيما فيما يتعلق بالحكم والثروة، النظريات الغائبة عن التشريع الإسلامي، التي لا تتعارض مع المقاصد الكلية للشريعة. كما أن تطوير منهجية فقهية تحرر العقل من الفهم الحرفي للنص، ليستمد مرجعيته من ذاته، باتت جوهرية في التصدي لمهمة الجمع بين موافقة النص ومواكبة العصر وإقناع العقل، وإلا سيبقى مفهوم “البدعة” عنواناً عريضاً لفوبيا الحداثة، وسبباً في الارتداد المستمر نحو فتاوى قروسطية، واختزال الشريعة في الجانب الجنائي، مع تفشي فقه التيارات الجهادية التكفيرية

14 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *