نصر الله وذكرى 7 مايو اللبناني: الاتكال على الله

نزعت حروب المنطقة عن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، القوة والثقة الدائمتين بالنفس والتوعّد بالانتصارات المطلقة. الرجل الذي واجه إسرائيل مرات عدة، فقد جزءاً من هالته نتيجة مشاركته في الحرب السورية وخسائرها ونجاحاتها على حدّ سواء. بات نصر الله اليوم يختلف عن نصر الله الأمس، وفي الخطاب الأخير، مساء الثلاثاء الماضي، بدا هذا الأمر واضحاً من خلال اللغة المستخدمة وكذلك اعترافه بكون المعارك التي يشارك فيها الحزب هي “معارك دفاعية”.
من الحدث الميداني الأهم والأكبر، في جرود القلمون الغربي (على الحدود الشرقية بين لبنان وسورية)، ختم نصر الله خطابه الأخير. ذكّر قائد حزب الله بما سبق وأعلنه عن حصول معركة “بعد ذوبان الثلوج”، وقاد جملة تبريرات لهذه الحرب المنتظرة التي سيقودها الحزب، منها “نية الجماعات المسلحة مهاجمة لبنان” و”احتلالها لأراضٍ لبنانية”، بالإضافة إلى كون “الدولة (اللبنانية) غير قادرة على حل هذه المشكلة”. يأتي هذا الكلام بعد ساعات عن تحضيرات أطلقتها مجموعات سورية مسلحة في القلمون لما سمّتها “معركة تحرير القلمون”، أي القرى السورية خارج الحدود اللبنانية، وتأكيد هذه المجموعات على أنّ لبنان ليس هدفاً وكذلك أرضه وجيشه وشعبه.
اللافت كان تشديد نصر الله على أنّ الحزب لم يُحدّد “المكان والزمان لهذه المعركة المحسومة”، مشيراً إلى أن كل ما يحيط بهذه المعركة غير محسوم بعد أيضاً، أي حجمها وحدودها وأهدافها وامتدادها. لم يشأ نصر الله التورط بإعلان أهداف ونقاط على الحزب الالتزام بها وبتنفيذها من خلال “معركة الربيع”. فـ”الحزب لن يصدر بياناً رسمياً يعلن فيه بدء المعركة”، أي أنّ الأمور متروكة ومفتوحة، في حين أنّ خطاب الحزب كان مغايراً في الأسابيع الماضية، وكذلك أحوال الصحف ووسائل الإعلام المحسوبة عليه، إذ كان التوعّد ظل سائداً بـ”تطهير القلمون” و”سحق المسلحين” وغيرها من مفردات الإعلام الحربي.
مقابل هذه الحرب النفسية التي يخوضها الحزب، انتقد نصر الله “الغرف السوداء التي تدير حرباً نفسية، وتتجدد هذه الحرب النفسية لتستفيد من أي فرصة أو ثغرة لشنّ موجات من الحرب النفسية على الناس”. جاء هذا التوصيف في معرض حديث نصر الله عن الهزائم التي مني بها النظام السوري في إدلب وجسر الشغور. وحاول قدر الإمكان تلطيف خسائر الميدان، داعياً إلى التعامل معها من خلال دراسة أسبابها وظروفها، معترفاً بأنّ هزيمة الشمال السوري “خسارة جولة وليس حرباً، هذا حجم الموضوع، هذه حدوده، ولا يجوز أن يتأثر أحد في هذا”.
“حرب نفسية”
وعلى الرغم من إشارته إلى أنّ الجيش السوري صمد وواجه وكسب الجولات طوال السنوات الأربعة، توجّه نصر الله إلى أنصار النظام السوري بالقول: “نحن كنا معكم وسنبقى معكم وإلى جانبكم وأيّاً تكن التطورات وحيث يجب أن نكون كنّا، وفي الآونة الأخيرة أيضاً ذهبنا إلى أماكن لم نتواجد فيها خلال السنوات الماضية”. هل من دليل أكبر على حجم عجز جيش النظام من خوض معاركه منفرداً بوجه المعارضة السورية؟ وهل من دليل أوضح على مدى الورطة التي بات فيها حزب الله والتي جرّ معه إليها جمهوره وطائفته وناسه؟ كل هذه التضحيات وضعها نصر الله في إطار الدفاع عن لبنان وسورية والمنطقة، مضيفاً: “نحن في هذا الأمر ندفع ضريبة الدم ليحيا الناس بأمن واستقرار وكرامة”. إذاً، بفعل هذه الحرب، بات السوريون يعيشون حياة رخاءٍ وليس في مخيّمات لجوء أو على بطاقات المساعدات السورية، وأمنهم واستقرارهم مضمون في العواصم العربية والدولية، وكل هذا الواقع يحصّن كرامتهم على أبواب السفارات والقنصليات بحثاً عن وثيقة سفر أو لجوء.
“عاصفة الحزم”
تحدث نصر الله مطوّلاً عن الوضع في اليمن والتطورات السياسية والعسكرية فيه. فكان من الطبيعي أن يشير إلى “فشل عاصفة الحزم في تحقيق أهدافها”، متسائلاً: “دلّوني على الأهداف التي تحققت. دلوني على كامل الأهداف التي تحققت، حسناً ليس كل الأهداف، بل دلوني على هدف واحد تحقق منذ بداية العدوان إلى انتهاء عاصفة الحزم إلى اليوم، يعني بعد أربعين يوماً”. هل من الضروري التذكير بأنّ نصر الله في الخطاب نفسه تحاشى تحديد أهداف ونطاق وحدود الحرب التي سيخوضها حزب الله في القلمون الغربي؟ حتى أنّ الإشارة إلى الضحايا المدنيين الذين سقطوا في اليمن لم يدفع نصر الله الى استذكار المدنيين السوريين الذين يسقطون يومياً جراء إلقاء النظام للبراميل المتفجرة، كما أنّ الموت جوعاً في مخيم اليرموك نتيجة حصار النظام له لم يستوجب لحظة توقف في خطاب نصر الله أو ما سبقه من خطابات.
قبل سبع سنوات، في 7 مايو/ أيار 2008، أعلن نصر الله حرباً على الحكومة اللبنانية بعد صدور قرارات وزارية بإزالة شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب وكاميرات مراقبة مزروعة على مدخل مطار رفيق الحريري الدولي، وهي عائدة للحزب أيضاً. انتفض نصر الله على هذه القرارات وأعلن حرباً مفتوحة على الأحزاب والمناطق المحسوبة على تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي. فاجتاح عسكر الحزب بيروت بعد ساعات من خطاب نصر الله، وتمّت السيطرة على كل مقار المستقبل فيها، وثم تحوّل هذا الجيش باتجاه منطقتي بعبدا وعاليه (شرقي بيروت)، حيث نفوذ الحزب الاشتراكي. بعد سبعة أعوام اختلفت خطابات نصر الله، وبدل التهديد باجتياح بيروت أصبح التهديد باجتياح مناطق سورية ودعم حلفائه في اليمن والعراق. كبر الدور وكذلك حجم حزب الله، إلا أنّ هذا التمدّد والتوسّع لا يحملان بالضرورة إيجابيات للحزب، إذ بات نصر الله يختم خطاباته بعبارة “وما النصر إلا من عند الله”، في حين كانت هذه الخطابات تختم عادة بعبارة “كما وعدتكم بالنصر دائماً أعدكم بالنصر مجدداً”، ربما لأنّ الوعد أصبح في غير مكانه أو لأنّ انتصارات مماثلة لم تعد بمتناول اليد، فلا بد من الاتكال على الله.

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *