مقاربة لمفهوم الدولة الوطنية


مضر رياض الدبس

أكثر من يعرف قيمة الدولة هم الذين عاشوا تجربة غيابها في زمن الحروب الأهلية، والذين شَهدوا على سَبيِها في زمن السلام الزائف، والعنف الكامن إبان الاستبداد وحكم أصحاب الأيديولوجيات المهترئة. ومعرفة القيمة تختلف عن معرفة المفهوم، فإذا كانت الأولى معرفة تجريبية، محليّة، تهتم بأهمية وجود الدولة من منظور سلطتها، وتكفيها الملاحظة منهجًا؛ فإن الثانية جهدٌ معرفي يهتم بمضمون الدولة، ويتطلب التحليل والتفكّر والاعتبار، كما يتطلب تأصيلًا نظريًا يأخذ بتاريخية المعرفة وبنسبيتها وينطلق من طابعها الكوني، الأمر الذي لم يحدث في المنطقة إلا على سبيل الترف الفكري، ولم يدخل في حيِّز الممارسة السياسية إلا من خلال بعض المحاولات الفردية غير التنظيمية.

وفي زمن الفوضى القائمة اليوم، لا بدّ من الملاحظة أيضًا أن مَن عانى من حيف السلطة، والتسلط، يكون أكثر قابلية للخلط بين مفهومي الدولة والسلطة، وغالبًا ما يعيش حياته حتى مماته من دون أن يهتدي إلى أهمية التساؤل حول مفهوم الدولة، وهذا ما دأب أصحاب السلطة على استمراره، وما وقع على أغلب الناس في المنطقة العربية، وفي سورية بشكل خاص. ويساهم هذا الخلط بين مفهومي الدولة والسلطة في إبعاد مسألة الدولة عن ساحة التفكير، وفي وضعها في إطار الأمر الواقع، السابق على وجود الفرد، وما عليه إلا التعامل معها من دون تحديدٍ واضح لماهيتها.

لقد التبس مفهوم السلطة بمفهوم الدولة في الأذهان، وانعكس بالتالي على الممارسات السياسية الثورية، ولا يمكن، مع هذا الالتباس، التوصل إلى إدراك تلك العلاقة الجدلية بين الالتزام والإرادة، وبين الخضوع والحرية، إذ لم يقدِّم أيٌ من التيارات السياسية الرئيسية، التي حاولت تمثيل الثورة السورية مثلًا، تصوّراتٍ صحيحة حول مفهوم الدولة، ما أدى إلى قصُورٍ في تكوين البداية النظرية الضرورية للبناء العملي للدولة السورية بعد الثورة. ونلاحظ أن نوعيّة الأفكار التي يتم تداولها في الوسط السياسي الثوري حول الدولة هي أقرب ما تكون إلى السجال الأيديولوجي منها إلى التأصيل الفكري، وهو سجالٌ يزوّد الصراع بما يحتاج إليه من فتيلٍ أيديولوجي، لكنه قطعاً لا يزود الوعي السياسي بما يحتاج إليه من معرفة ضرورية لقيادة التغيير نحو الأفضل.

وإذا سلَّمنَا أن مقاربة مسألة الدولة تتغير بتغُير زاوية ومنهجية النظر إليها، فمقاربة الدولة من منظور علم الاجتماع تختلف عن مقاربتها من منظور التاريخ أو الفلسفة أو القانون..إلخ؛ فإن هذا التسليم لا يجعلنا نبرر فوضى الدلالات والخلط المعرفي الذي نشهده اليوم، والذي لا يمكن تصنيفه ضمن أي مقدماتٍ فكرية، ولا يحتوي على أي منهجٍ سليم، وهو بشكلٍ أو آخر يُرسِّخ روابط عصبوية أو دينية متعالية على فكرة الوطنية، أو يُرسِّخ لأيديولوجيا الدولة التي تتطب وصفها بموصوفات ليست من جنسها. فالإسلامية والعلمانية، كما كانت القطرية، صفاتٌ ليست من جنس الدولة الوطنية، وليس من الصواب نعتها بها. فكلما ازدادت هذه الصفات رسوخًا كلما تَضاءلت مكانة الدولة كجامعٍ سياسي تجريدي عمومي محايد. في حين تكون حقيقة عمومية الدولة، وحياديتها، ورفضها للتوصيفات الدينية والأيديولوجية؛ سببًا لتراجع فرص الانقسامات العصبوية، وبالتالي تعميق الفكر الوطني.

لا يعني ما سبق أبدًا أن الدولة يجب ألا تمتلك سلطة، بل يعني أنها تمارس سلطتها وفق مُقتضى القانون، ووفق مُقتضى الديمقراطية التي تُنتِج أكثرية وأقلية سياسية متغيرتين بدلالة تَغيُّر القناعات مع كل موعد انتخاب. وإذا ابتلعت السلطة الدولة يُولَد الاستبداد، ويتوالد، وهذا ما خَبرَته الشعوب في دولة “سورية الأسد” و”مصر عبدالناصر” و”ليبيا القذافي” و”تونس زين العابدين” و”يمن صالح”…وغيرها، وكان من المأمول أن يتجاوز الحراك الأخير هذه الأنظمة نحو ما هو أفضل، ولكن ما يبدو، إلى الآن على أقل تقدير، هو أن السياسة “الثورية” تقوم بإعادة إنتاج مفاهيم تلك الأنظمة نفسها في وجوهٍ وكلمات جديدة. فأفكار الفقيه حول الدولة يوتوبيّة تنظر إليها على أنها مؤقته وتنتظر الخلافة، وأفكار الليبرالي العربي حول الدولة مؤدلجة متعصبة لتوصيف العلمانية بشكل منزوع عن سياقه التاريخي، وفكرة العسكري حول الدولة أميّة بالمعنى السياسي، وجميعها لا تختلف في العمق عن المفهوم القطري للدولة، وأدلوجة المجتمع العربي الاشتراكي الموحد، والجماهيرية الشعبية الاشتراكية العُظمى…إلخ.

تستمر هذه الثرثرة الأيديولوجية في تكريس فوضى دلالات الكلمات التي أصبحت كثيرة التداول بعد انطلاق الثورة السورية، كالمجتمع المدني والديمقراطية والمواطنة والأمة والشعب والتداول السلمي للسلطة وفصل السلطات…إلخ. ويتصدر المشهد شِعاران رئيسيان: شِعار الدولة الإسلامية، وشِعار الدولة العلمانية، ونجد أن الأول يُنتج سلطةً تقوم على الفقيه، فيما ينتج الثاني سلطةً تقوم على الأيديولوجيا والشعبوية، ولا يعكس أي من الشعارين فهمًا دقيقًا لمفهوم الدولة، بل يكاد المراقب يجزم أنهما يتموضعان في حالة صراعٍ مع الدولة الوطنية، لأنهما، بوعي أو من دونه، ينفيان “الوحدة الجوهرية” لكيان الدولة، وسيؤديان، عاجلاً أم آجلاً، إلى التعارض بين الدولة والفرد، وبين القانون والحرية، وبين الواجب والحق.

فالفقيه يرى أن الدولة لا تحقق أهداف الفرد في إعلاء كلمة الله ويقبلها كحالة مؤقتة، على أن تُطبق الشريعة حتى قيام الخلافة، والعلماني المؤدلج يُغالي في تعصبِه لعلمانية الدولة إلى درجة الإقصاء، فيما الحقيقة تَكمُن في أن علمانية الدولة تحصيلٌ حاصل ولا معنى لأدلجتها، وذلك لأن الدولة أساساً عمومية وحيادية تجاه جميع الأديان والأيديولوجيات. وبالتالي، لا تقبل الدولة وصفًا من هذا القبيل إذا تمّ تأصيل مفهومها بالمعنى المعرفي، ليجري بعد ذلك استخدام هذا التأصيل كقاعدة للانطلاق إلى ممارسة سياسية صائبة.

165 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *