أنتيغونات شاتيلا”

رشا عمران

العربي الجديد- 8 مايو 2015
تقف أنتيغون وحدها في مواجهة كريون، خالها، الحاكم الظالم المستبد، وتتحداه حين تدفن جثة شقيقها بولينيس التي أمر كريون بتركها في العراء من دون دفن، كي تنهشها حيوانات البرية. كان بولينيس بالنسبة لكريون الشر المطلق، بينما شقيقه إيتيوكليس، المتحالف مع كريون، الخير المطلق. الخير والشرف يأتيان من الولاء للحاكم فقط، هذا ما قرره كريون، وهذا ما يقرره كل مستبدي العالم. في الأسطورة الإغريقية التي كتبها سوفوكليس، الشعب، يتبع حاكمه، (يحدث هذا على مر العصور)، فالأثينيون قرروا، كما قرر حاكمهم، أن بولينيس الذي وقف في وجه تحالف خاله كريون وشقيقه إيتوكليس هو الشر المطلق. لهذا، لم يحتج أحد منهم على قرار الحاكم بمنع دفن جثته، على الرغم من أن دفن الميت أمر من أوامر آلهة الإغريق.
وحدها أنتيغون شقيقة بولينيس وإيتوكليس تحدت القرار، ودفنت جثة شقيقها الملعون من الحاكم والشعب معا، وكانت تدرك أن مصيرها لن يقل سوءاً عن مصير شقيقها. وبالفعل، حين يسمع كريون بما فعلت، يأمر بإلقائها في قبر عميق ومظلم ومفتوح، حتى تموت في الظلام، وحدها، على أن ما واجهته أنتيغون، وما قالته لكريون بجرأة نادرة، وهي المرأة الوحيدة التي لا تملك غير إرادتها وصوتها. انتقل بين شعب أثينا، وبدأت أصواتهم المنخفضة المحتجة ترتفع شيئا فشيئا، حتى وصلت مسامع كريون الذي فجع بانتحار ابنه هيمون، حبيب أنتيغون، حزناً على مصيرها في القبر نفسه، ثم فجع بانتحار زوجته، حزنا على مصير ابنها، واحتجاجا على ظلم زوجها. هكذا تبدأ نهاية استبداد كريون وظلمه، وهكذا حركت شجاعة أنتيغون راكد الخوف لدى الأثينيين، وهكذا استمرت الاسطورة في الحياة آلاف السنين. كل مستبد في التاريخ البشري هو كريون، وكل متحد للاستبداد هو أنتيغون، غير أن أنتيغون امرأة عزلاء، وما واجهته المرأة في التاريخ البشري لم يكن فقط استبداد الحاكم السياسي والعسكري، بل الاستبداد الاجتماعي والأسري والديني، استبداد السلطة البطريركية الذكورية بكل تجلياتها.
من هنا، يقترح محمد العطار وعمر أبو سعدة، السوريان، أن يسقطا أسطورة أنتيغون على لاجئات سوريات في مخيم شاتيلا في بيروت. كل امرأة سورية، اليوم، هي أنتيغون ما، في مواجهتها كل هذا الموت العلني والنفسي، على السوريات الناجيات الإصرار على البقاء والتجاوز، على السوريين جميعا فعل هذا، ثلاث وعشرون امرأة سورية يقفن على خشبة مسرح المدينة في بيروت، يروين قصصهن خلال السنوات الأربع الماضية، فقدانهن أحباءهن، أولاد وأباء وأزواج وأخوة، قصص نزوحهن، تشردهن، علاقتهن بأسرهن، رغباتهن الصغيرة، عواطفهن، التغيير الذي حصل لشخصياتهن إثر اصطدامهن بنص أنتيغون، على أن ما ترفضه النساء السوريات في هذا العرض المميز، هو مصير أنتيغون، الموت، الذي يريده المستبد لكل من يتحداه، لوهلة.
وأنت تشاهد العرض، يبدو لك أن لا تدخل للمخرج عمر أبو سعدة هنا، ولا لكاتب السيناريو، محمد العطار، فقصص النساء حقيقية، على أن هذه الشجاعة المذهلة في وقفتهن على المسرح، والشجاعة في سردهن قصص حياتهن، وهذا الحضور القوي الاستثنائي لدائرة المرأة على المسرح، وهذا المزج المذهل بين المسرح والسينما والواقع اليومي، يكشف لك الجهد المبذول خلال أكثر من ثلاثة أشهر من ورشات التدريب المشتركة ساعات طويلة (الممثلة حلا عمران دربت النساء)، وتأثير تجارب الجميع، النساء وفريق العمل، على العرض النهائي، وعلى الأشخاص أنفسهم، ستشعر حتماً، وأنت في العرض، أن ليس النساء فقط من تغيّرن، بل الجميع، بمن فيهم أنت، الجمهور، الذي سيرى العرض ويمضي، لن تكون متفرجاً حيادياً هنا، فأنتيغونات سورية يروين حكايتك، لا حكاياتهن فقط، وتحديهن الموت هو تحديك نفسه، والضحكة التي تسمعها منهن في الكواليس، بعد انتهاء العرض هو ما تبحث عنه: أن يكون لك مكان ما في هذا العالم، مكانك النفسي كي تمارس حقك في الإفصاح عن رغبتك في الحياة .

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *