سورية وأسماؤها.. شاعرية الجغرافيا وقسوة التاريخ


غالية شاهين

العربي الجديد- 10 مايو 2015
حين انطلقت الثورة السورية، صارت كلّ مدينة وقرية فيها مشعل نور، أضاء المستقبل وتاريخ تلك الأماكن ولفت إلى تسمياتها المتميّزة.
يختصر اسم “سورية” تاريخاً كاملاً، وتتعدّد الآراء حول أصله، فيرى البعض أنه اسم كلداني، “سوبرتو”، أو آشوري، “أسورية أو آثوريا”. لكن الكثير من الباحثين يرجعونه إلى السريانية، بمعنى الأرض السيدة (من كلمة سريت السريانية والتي تعني سيدة)، وقد سُمّي سكانها قديماً “سريانا” أو “سوريين”.
أما دمشق، فقد أطلق عليها الآراميون تسمية “درمسق”، وهي الأرض المزهرة أو الحديقة الغنّاء. كما سمّاها السريانيون “درمسوق”، أي الدار المروية، وذلك لكثرة الينابيع في حواريها وغوطتها. أما الرومان فسمّوها “دومسكس”، أي المسك المضاعف، وتحوّل الاسم ليصبح “دومشق” ثم “دمشق”.
وتأخذ إدلب أيضاً تسميتها من اللغة الآرامية، ويختلف معناها حسب الباحثين، لكنّه ينحصر بين “قلب الإله إدد” أو “روح الهواء”.
وجاء اسم حلب من “حلبا” في اللغة السريانية، وتعني البيضاء. أما تدمر، فهي كلمة سريانية أيضاً وتعني الأعجوبة. ويعود اسم حماة إلى الكلمة للسريانية “حامات”، أي الحصن الحصين. وكان اسم “السويداء” أيام الأنباط “سودا”، أي السوداء الصغيرة، لأن المدينة بنيت بالحجارة البركانية السوداء.
يحمل الكثير من قرى وبلدات ريف حمص أسماء سريانية وآرامية قديمة، كـ”تير معله”، وتعني مراقب الأبواب، و”أوثان”، أي الراية، “شين” بمعنى القمر، و”برشين” بمعنى ابن القمر. بالإضافة إلى أسماء تحمل الكثير من الموسيقى، كـ”مشتايا”، “لفتايا”، “مريامين”، و”مرمريتا”.
ويأتي اسم القدموس نسبة إلى الإله السوري الفينيقي “قدموس”، حيث تقول الأسطورة السورية القديمة “إن قدموس ركب البحر وراح يبحث عن أخته أوروبا، التي اختطفها زيوس، وذهب من سورية إلى بلاد الإغريق، وأصبح معلّماً ونشر الأبجدية والعلم هناك”.
ينتهي الكثير من أسماء المناطق والقرى السورية بمقاطع (ان، ون)، والتي تعني السيد في اللغة السريانية، مثل جوزان (من روافد الفرات)، زبدان (زبداني قرب دمشق)، ليلون (جبل بين حلب وأنطاكيا)، كفرون (قرية في محافظة طرطوس)، قاسيون (الجبل المطلّ على مدينة دمشق)، تل ليلان (تل أثري جنوب لدة القحطانية)، واسمه يعني “تل الإله ليل”.
تنتشر في العديد من مناطق سورية الغربية أسماء قرى ذات أصل آرامي سرياني، مسبوقة بكلمات (كفر، معرة، ودير)، أو مؤلفة منها ذاتها، تحمل معنى المكان المأهول والنابض، مثل “كفرنبل”، أي قرية النبل، “كفرصفرة”، قرية المصباح، “كفر زيتا”، قرية السهم، “كفرحمرا”، قرية النبيذ، “معرمايا”، مغارة الماء، “معراتا”، المغائر، “معرشمشا”، مغارة الشمس، دير العصافير، دير الزور.
كما تبدأ سلسة طويلة من أسماء البلدات والقرى السورية بحرف الباء، وهو اختصار لكلمة بيت في اللغة الآرامية السريانية. وتنتشر معظم هذه القرى في الجزء الغربي من سورية وتحمل معظمها معانٍ جميلة وساحرة، مثل “برماية” وتعني المياه الصافية، “بزّيت” أي بيت الزيت، “بزيرين” بيت الأطواق أو القلائد، “بنش” بيت العائلة، “بيانون” بيت السمك.
سورية العربية
وللأسماء العربية الجميلة حصّة أيضاً في أسماء البلدات السورية. فقد حملت الكثير من البلدات أسماء حديثة نسبياً، تعود إلى العهد العربي في البلاد، ولعل أجملها ما يصف طبيعة المكان، كـ”وادي العيون”، “عين العرب”، “مشتى الحلو”، “عسال الورد”، “الشجرة”، “أم الرمان”، “أم الزيتون”، “عش الورور”، “الصفصافة”، “كفر شمس”، “مجدل شمس”، “تل اللوز”، “أم الطيور”، “أم المياذن”، “مغر المير”، و”نبع الفيجة”.
وفي السنوات الأربع للثورة السورية، أصبحت العديد من المدن السورية أيقونات توثّق تاريخ الثورة، كـ”داريا” الصامدة رغم حصارها المستمر منذ أكثر من عامين ونصف العام. اسم “داريا” آرامي الأصل وهو جمع لكلمة دار، أي بيت. أما “دوما” فيرجع تاريخها إلى العهد الآرامي أيضاً، لكنّ اسمها يعود إلى اللغة الرومانية، وهو اسم علم يعني الراحة والهدوء.
ولاسم “دوما” اليوم وقع الفخر والوجع معاً، لما كان لها من نصيب كبير في احتضان أجمل تظاهرات الثورة في بدايتها، ثم إصابتها بعدة مجازر كانت مجزرة الكيماوي أبشعها.
وتحمل كذلك جديدة عرطوز اسماً سريانياً بمعنى “المنتحية جانباً”، ويعتقد أن الاسم قد جاء من تلة قريبة تدعى حالياً “تلة كوكب” وقد أقام فيها “بولس”، أحد تلامذة المسيح، بعد أن هرب من فلسطين، ويعتقد معظم المسيحيين أن المسيح قد ظهر لبولس الرسول هناك، والذي “تنحّى بجانب الطريق” عند تلك التلة وأقام فيها في دير صغير بناه، ومن هنا جاءت التسمية.
يحمل أهالي جديدة عرطوز اليوم ذاكرة مثقلة بخمس مجازر قام بها النظام السوري، كانت أولها فاتحة مجازر النظام في ريف دمشق الغربي وتلتها عدة مجازر صبغت اسم المدينة بالحزن العميق، بعد أن حملت راية الثورة في مراحلها الأولى.
أما “بانياس”، عروس الساحل السوري، والتي تحدّر اسمها من الرومانية “بُلنياس”، والتي تعني الحمّامات، فترجع إلى حقبة ما قبل التاريخ، ومرّت عليها الكثير من حضارات المنطقة، لتحمل اليوم شرف الحراك الثوري فيها ووجع شهدائها ومجزرة إحدى قراها الصغيرة “البيضا” التي لا تُنسى.
أما حمص، فقد أتى اسمها كتحريف عربي للاسم السرياني “إيميسيا”. ويمتد تاريخها إلى آلاف السنوات قبل الميلاد، وقد شهدت اندثاراً كاملاً لأكثر من مرة، لتعود بعده إلى الحياة، وها هي اليوم تتقلّد لقب عاصمة الثورة.
ويعود اسم درعا إلى الكلمة الكنعانية “أذرعي”، بمعنى القوّة أو الحصن. وكتب اسمها باللغة الهيروغليفية “أتارعا”، وفي كتاب العهد القديم سميت بـ”أدرعي”. وقد ازدان اسمها اليوم بأنّها مهد الثورة السورية ومطلق شرارتها.

4 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *