سوق «السُنّة»..المضحك المبكي!


الطيب تيزيني

عن “الإتحاد” الاماراتية

موقع الملف -5 مايو 2015

نعم، كان من نهبني ونهب جهازي فتى يافع يتمنطق بـ«روسية»، وهذه الأخيرة هي التي ركعتني على ركبتي، فاستشطت غضباً، وقلت له بلغة الواثق: هنالك سوق يدعى «سوق السُنّة» بالقرب من حديقة المدينة، فلعلك تجد أو تشاهد جهازك إياه، الذي اشتغلت عليه عقول وعقول.”
سبق أن تناولت منذ زمن هذا الموضوع الطريف في باب الكوميديا السوداء (المضحكة السوداء) وعلى صفحات «الاتحاد».. وقد ترك ذلك أثراً من التعليق لدى قراء وزملاء، في حينه، ويبدو أن ما يتصل بهذا الموضوع لا يذهب مع الريح، دون أن يُنتج حالة شعبية يتندر بها من يبكي ويضحك، في آن واحد، وقد عادت الطرفة لتتنقل في مستويات ومنحنيات جديدة من الناس، بعد أن فعلت مفعولها، فقبل أيام أعلمني أحدهم أن بنطالاً ورثه مع بعض الأشياء من والده، وفَقَدَه منذ قريب العام، ليجده في إحدى زوايا سوق للسُنّة قبل أيام، وفرح كثيراً، حين استعاده مقابل ليرات قليلة، وليستعيد عبره أيامه الخوالي، حين توفي والده وورثه. فرحتُ لفرح الصديق المكلوم لغياب والده وبنطاله، حتى قبل أيام، فهنأته ووعدته بالتحدث معه حول حادثة مماثلة، ولكن مكلفة على نحو مثير، كان ذلك قبل أيام ثلاثة، حيث التقيت الصديق الذي طالبني بما وعدته به، لقد حدثته عن صديق خسر جهازاً تكنولوجياً اشتراه بثمن عالٍ من بلد أوروبي، بتوصية من طبيب أوصاه له، بأن يبدأ باستخدام هذا الجهاز لعلاج آلام قاسية، يعيش تحت وطأتها. وفَقَدَ الصديق ذلك الجهاز، ليجد نفسه ثانية، فريسة تلك الآلام، وعلى سبيل المصادفة، التقيته بعد غياب طويل قضيناه معاً ومع الآخرين، لنعايش ما راح يجثم عبر صدر سوريا الرقيق من أثقال مبيدة، رائدة في الإبادة، وإذ التقيته ثانية، دققت في وجهه، فكان مشهداً مأساوياً من الألم والترهل، كان ظهره قد انحنى، حتى كاد أن يتوازى مع ركبتيه تقريباً، نظر إليّ بعينين ذابلتين، وأعلمني أنه فهمني في نظرتي إلى ظهره وبكى وبكيت، ومباشرة سألته باستعجاب مشوب بالأسى: أين الجهاز الذي تعالج نفسك به أيها المهمل؟
قال لي: لقد نُهب الجهاز أمام عيني، دون أن أتمكن من الحؤول دون ذلك.
نعم، كان من نهبني ونهب جهازي فتى يافع يتمنطق بـ«روسية»، وهذه الأخيرة هي التي ركعتني على ركبتي، فاستشطت غضباً، وقلت له بلغة الواثق: هنالك سوق يدعى «سوق السُنّة» بالقرب من حديقة المدينة، فلعلك تجد أو تشاهد جهازك إياه، الذي اشتغلت عليه عقول وعقول.
استيقن الصديق مما قلته، وهرول إلى البيت، كي يُعلم أطفاله وزوجته بما سمع مني (كما فهمت منه) وليتابع الإسراع للوصول إلى «مكان الجهاز»، وللأسف لم أكن قد سجلت عنوانه في مدونتي، فكان عليّ أن أنتظر خبراً منه، ثلاثة أيام مرت كنت أثناءها متحفزاً لسماع الصوت، وجاء هذا الصوت، ليقول لي: وجدته، نعم وجدته وبثمن لا يقارب الواحد في المئة من الثمن الذي دفعته في شرائه، يا صديقي، إن «مال الحرام»» زمنه نصف ثانية، و«المال الحلال» زمنه العمر كله، ثم، اعلم يا صديقي، أن الجهاز المفقود، كان وسيبقى مأخذواً من قِبل جرائم الموت الأسود والتخلف والتخليف، أما ما استعدته فيعادل تاريخ العلم والبشرية، ورحم الله «داروين» و«ابن خلدون» اللذين اخترقا الكون الحضاري ليظلا طوال العمر مع شرفاء العالم قلباً نابضاً.

12 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *