الليرة السورية أمام وقائع السياسة والاقتصاد

صدى الشام – 8 مايو 2015 
د.رفعت عامر
بدّد نظام الأسد منذ بداية الثورة كل الاحتياطي النقدي الموجود في البنك المركزي، والبالغ 18 مليار دولار، على حربه المعلنة على الشعب السوري، وقام بتثبيت سعر صرف الليرة عند حدود معينة بحيث تبقيه متحكماً بإحدى الأدوات النقدية الهامة في إدارة الاقتصاد وبدرجة كبيرة بحياة السكان مباشرة. لكنه وصل أخيرا، بسبب شح الموارد من الدول الداعمة، إلى نقطة حرجة تنذر بفقدانه القدرة على الاستمرار بالتحكم والسيطرة. وتكاد الأمور تقترب من حافة الهاوية بعد أن فقد الاحتياطي النقدي، الذي لم يتبق منه إلا بضعة ملايين من الدولارات، وبعد إعلان إيران عدم قدرتها على استمرار الدعم المفتوح للسببين التاليين:
1- أزمتها المالية بسبب الحصار الغربي وعدم قدرتها على استمرار الدعم الذي وصل في السنوات الأربع الماضية إلى أكثر من 13 مليار دولار، في حين يعاني اقتصادها من ضغوط تضخمية وعجز في الموازنة وتردٍ في المستوى المعيشي لمواطنيها.
2- التوقيع على الاتفاق النووي المقيد بالموافقة على ملفات إقليمية، ومنها صيغة التسوية السياسية المحتملة لسوريا بدون الأسد ورموزه، على أن توفر إيران بالمقابل للأسد وزمرته الحماية من تعرضه في المستقبل لمحكمة الجنايات الدولية. وهذا ما يفسر جزئياً التصفيات التي تحدث لرموز مهمة في النظام لديها معلومات ووثائق تدينه وتؤكد تورطه بالكثير من الملفات الإقليمية، وعلى الخصوص ملف اغتيال الحريري. لقد وصلت القيادة الإيرانية، كما يبدو، إلى استنتاج مفاده أن استمرار الاستثمار في الأسد أصبح يحمل مخاطر وخسائر أكثر من الفوائد بعد أن استثمرت الورقة السورية أحسن استثمار في الاتفاق النووي مع أمريكا وفي التوافق الإقليمي مع تركيا وإسرائيل.
لقد تقطعت أوصال الاقتصاد السوري وفقد النظام السيطرة على أكثر من 60% من مساحة البلاد. وبسبب تعطل دورة الإنتاج والوضع الاقتصادي والأمني المزري، يعيش أغلب السوريين على التحويلات المالية التي تأتيهم من ذويهم في الخارج وعلى المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية. لقد خرجت كل الموارد الأساسية، وهي الرافد لخزينة الدولة، من سيطرة النظام، كالنفط والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية، وغرقت البلاد في ديون وصلت إلى رهن النظام مؤسسات الدولة للنظام الإيراني، الذي يحق له بالقانون الدولي وضع اليد عليها في حال عدم قدرة الدولة السورية على السداد، كما ضعفت التحويلات من العملات الصعبة التي كانت تقدر ب 8 مليون دولار يوميا، والتي كانت تشكل رافدا مهما لدعم الليرة السورية، إلى أقل من أربعة ملايين دولار. وللعلم، يحتاج النظام وسطيا إلى حوالي المليار دولار شهرياً للإنفاق على الحاجات الأساسية، وفي صلبها الإنفاق العسكري والأمني ودعم الليرة.
لقد تحول اقتصاد البلاد إلى اقتصاد حرب وأمراء حروب ومافيات، يشن الجميع فيها الحرب ضد الجميع، كما أراد النظام الذي أصبح جزءاً من هذه اللعبة ولم يعد قادرا على السيطرة عليها، لا عسكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً. الأداة الوحيدة المتبقية له لاستمرار إدارة الجانب الاقتصادي هو سعر صرف الليرة، الذي لم يسمح حتى الآن بتعويمها الكلي بناء على ظروف العرض والطلب ومقتضيات السوق، بل حافظ على سياسة التدخل من خلال بيع العملات الصعبة وطرحها في السوق باستراتيجية التعويم الجزئي، الذي يعني الحفاظ على سعر الصرف الليرة عند نقطة معينة منخفضة أكثر من النقطة السابقة ومن ثم تعود الليرة للانخفاض من جديد وهكذا دواليك ،على أن تبقى دائماً تحت السيطرة بصرف النظر عن النتائج الكارثية لهذه السياسة على اقتصاد الناس وأوضاعهم المعيشية والكلفة الباهظة التي تدفع مقابل التثبيت عند نقطة معينة. ولكن الاستمرار بهذا الوضع المكلف مالياً له ولشركائه الداعمين أصبح مرتبطاً بمستقبل السيناريوهات المحتملة للحل في سوريا.
مصير الليرة بين خيارين أساسيين
الأول: أن تصل الدول الإقليمية والمنظومة الدولية إلى توافق يفرض على النظام والمعارضة العسكرية تسوية سياسية تلوح في الأفق. وما التصريحات الإيرانية المعلنة بعدم قدرتها استمرار الدعم للنظام والتسريبات التي تأتي من وراء الكواليس بموافقة إيران على تسوية بدون الأسد، وما تشهده الساحة السورية من تعديل في ميزان القوى العسكري على الأرض، إلا أحد نتائج هذا الاتفاق. عندها، نعتقد باستمرار التعويم الجزئي والذي قد يصل بسعر الليرة السورية أمام الدولار بين حدود 500 إلى 1000 ليرة للدولار الواحد، وسيكون هذا السعر الأساس والقاعدة لسعر صرف الليرة مستقبلاً.
الثاني: ألا تجد التسوية طريقها للحل. ويعني ذلك ترك السوريين لمصيرهم مع النظام وحلفائه، وهم قد أعدوا العدة من بداية الثورة لذلك السيناريو، بالانتقال إلى منطقة الساحل وتشكيل دولة طائفية تطلب الحماية والاعتراف الدولي. وهذا ما يفسر عمليات نقل الأموال المتبقية في فروع البنك المركزي بالمحافظات وموجودات المتاحف الأثرية. كما تم سابقاً نقل بعض المعامل والشركات ورؤوس الأموال إلى مدينة طرطوس. وفي حال تم العمل بهذا الخيار على حساب الخيار الأول سيتم التعويم الكامل لليرة السورية والانتقال إلى مرحلة الدولرة الكاملة.
وخلاصة القول: إن الأسد لم يُبقِ لليرة السورية إلا الخيارات السيئة، وعلينا العمل للوصول للخيار الأقل سوءا. إن استمرار الوضع الراهن بين التعويم الجزئي والدولرة الجزئية هو زيادة في معاناة السوريين، الفقير والغني منهم، والمستفيد الوحيد هو النظام وأمراء الحروب.

2 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *