صرخة الكواكبي


سلام الكواكبي

العربي الجدبد – 11مايو 2015

علاقتي مع الجد الأكبر، تمتدّ إلى سنوات الطفولة. وقد سمعت الكثير من الحكايات من قبل المسنين في العائلة عن أموره الشخصية. وقرأت مقتطفات مما كتب بصعوبة مترافقة مع الفخر الذي يكتنف الصغار. وفي إطار الفانتازيا الطفولية، وضعت على لسانه ما لم يقله، وبدأت أعيش مع شخصية روائية بامتياز كثيرًا من المغامرات السياسية بقدر وعي المرحلة.
وقبل النضوج العمري والفكري، وقبل التخصّص في دراسة العلوم السياسية، كان هذا الغائب الحاضر دائماً، كتلة من الأساطير بالنسبة للطفل الذي كنت. وأوّل صدمة إيجابية، كانت علمي بأن الشيخ والإمام الذي كان، يتوجه إلى زوجته من منفاه ويكتب لها “يا حبيبتي”، في نهاية القرن التاسع عشر. يكتب بحنانٍ شاعري وغزلٍ مرهف إلى من حرمه الاستبداد منها. ويُطالب أولاده بأن يعتنوا بأمهم التي يحبّ. كانت هذه هي الكلمات الفاتحة لي على الحبّ ومفاهيمه. صرت أتخيّل حوارات عاطفية بين الإمام الكواكبي وزوجته في صحن دارتهم الحلبية.
مع مرحلة الشباب، أصبحت أُسأل دائماً عن صلتي بالكواكبي الكبير، مُصبغاً عليه صفات تعظيمية متنوعة وأحياناً متناقضة. وقد كان هذا، كما في الطفولة، مدعاة فخر واعتزاز، ثمّ أضحى عبئاً ثقيلاً عندما أنهيت دراستي وبدأت في النشاط البحثي. فكان سقف التوقعات من أدائي عالياً والوصول إليه متعباً. وبقدر ما يكون هذا مبعثاً للرضى، إلا أنه أيضًا سبب للضيق، خصوصاً عندما أُحاسب على عدم مواءمة ما أطرح بما طرحه الكواكبي منذ نيف ومائة عام. لكأنني الناطق الرسمي المعتمد، ولا يحق لي أن أختلف في أيٍ مما قاله.
في حقبة ربيع دمشق المُجهض بداية الألفية الثانية، قام بعض المثقفين في حلب بتأسيس منتدى الكواكبي للحوار الديمقراطي وسرعان ما تمّ إغلاقه في إطار عقلية إقصائية وتسلطية تمنع أي فسحة حوار أو تعبير عن الرأي في ظلّ سلطة صادرت المجال العام طوال عقود. وفي جو من التصحّر والتصحير الثقافي والفكري راعيا الظلامية والفساد بامتياز، سنة 2002، شاركت في تنظيم ندوة فكرية حول مآلات الفكر النهضوي في تيار الإصلاح الديني، وذلك بمناسبة مرور مائة عام على وفاة الكواكبي. وقد حاضر فيها كبار الباحثين في الفكر السياسي والديني. أمضيت أياماً عدة بعدها ألبي استدعاءات أمنية لمساءلتي عما جرى. وكأن التطرّق إلى الفكر التنويري المعادي للاستبداد هو عمل إرهابي. كانت جُلّ الاتهامات مرتبطة بتخوّف السلطة من تحريض التفكير لدى الناس.
هاجمني حينذاك، وبتحريضٍ من الباب العالي، رجال دين رسميون- يسميهم الكواكبي بالمتعممين – معتبرين أنني “جمعت الشيوعيين والملحدين والعلمانيين والماسونيين وعملاء الإمبريالية للتحريض على الإسلام”. فهمتُ حينها أن الحديث عن التنوير في ظلّ الظلامية الدينية المبرمجة من قبل السلطات التي تدّعي العلمانية، هو خطيئة لا تغتفر. ومنذ ذاك الوقت، بدا أن هذا الإرث الوطني أصبح مصدر قلق للمستبدّ الحديث.
استعادة النصوص التي أنتجها الكواكبي، تكاد تجعل تاريخ ومكان الكتابة مجال التباسٍ للقارئ. فلقد أطاح نشر مقتطفات من كتاباته بقاصّ مرموق ورئيس تحرير مجلة أدبية في دمشق في نهاية سبعينيات القرن الماضي، ظنّاً من السلطات الأمنية السورية بأن الكاتب والنصّ معاصران، أو بأن نشر النص في مرحلة سياسية حساسة يُقصد به التحريض ضدّ الاستبداد المتجدد. وبالتالي، فكتابات الكواكبي تشكّل خطراً وتهديداً لاستقرار الأنظمة المتسلطة حتى يومنا هذا.
يشدّد الكواكبي على حاجة الإسلام إلى التجديد وإزالة الزيادات الباطلة. فالدين كما يراه ليس عوناً للاستبداد. ويرى أن ما يدين به أكثر المسلمين هو دين تشويش يقوده من أسماهم بالمتعممين، يُضللون بتفاسير واستعارات أسطورية وخرافية لا أصل لها في الإسلام ولا في غيره من الأديان التي اعتمدت الحكمة والعقل. وفي سياق دعوته الإصلاحية، عدّ الكواكبي أن ممارسة الانتقاد في مجال الاعتقاد الديني، مهمةً صعبةً مطروحة أمام العلماء، لأن الآراء الدينية تعتمد غالباً على الوراثة والتقليد من دون الاستدلال والتحقيق والتحليل، فهي تستند على “التعاند دون التقانع”. ومما يزيد من صعوبة هذه المهمة، في رأيه، أن المصلح يتهيّب التصريح بما يفكر فيه لغلبة الجهل على الناس.
ألدّ أعداء المستبدّ هم المشتغلون في العلوم وليس كلها. فهو لا يخشى العلوم اللغوية، أو الدينية المتعلّقة باستعادة النصوص وتكرارها وتلقينها. المستبدّ يخشى حقيقةً من العلوم الإنسانية التي تستمرّ مهمشة حتّى يومنا هذا. وهو يمارس قمعه وتهميشه للناشطين في هذا الحقل، وخصوصاً المهتمين بعلوم الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية.
شكّلت الحريات حجر الأساس في فكره، فعبّر عن إعجابه بما سماه “الأمم الحرّة” التي أجازت حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات، مع استثناء القذف. وعد بأن تحمّل أضرار الفوضى، أفضل من الرقابة والمنع. لأن الحكام يستغلون هذه الحجج وضرورة الاستقرار أو درء الفتن ليشددوا التقييد ويحولونه إلى سلاسل حديدية يخنقون بها الحرية.

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *