القصة ليست فقط يونانية


جميل مطر - جريدة الحياة

مثيرة من دون شك قصة شعب اليونان مع حكومة «الترويكا». مثيرة عندما كانت في أوجها قبل أيام وفي الغالب ستستمر مثيرة خلال الشهور المقبلة. نقاط الإثارة ودوافعها كثيرة. خلاصاتها تفتح أبواباً واسعة للتأمل في حال كثير من الشعوب وفي مستقبل علاقاتها بقوى لا تريد أن ترحل أو تتغير. أما الخلاصات فهي أربع أوجزها في العناوين التالية: العنوان الأول: شعوب عدة تتمرد على أوضاع لم تعد تحتملها. العنوان الثاني: قوى قديمة ترفض التمرد والاحتجاجات الشعبية وتقاوم التغيير وتستخدم كل الأدوات الممكنة، وغير الممكنة أحياناً، لوقف التمرد وإعادة الأمور إلى وضع كان قائماً. العنوان الثالث: خروج «حكماء» من بين مختلف صفوف النخب والتيارات، يرفضون إصرار القوى القديمة على مقاومة التغيير وينتقدون عنادها ورفضها الاقتناع بأن دورها انتهى ويخشون انفلات الشارع. العنوان الرابع: الحكماء ينسحبون والأطراف مجتمعة أو متفرقة تلجأ إلى شكل أو آخر من أشكال العنف مثل الاستبداد والقمع ومثل انتزاع اليمين المتطرف مساحة أوسع في الساحة السياسية ومثل لجوء قوى بعينها إلى الإرهاب مستفيدة من حال التمرد.

الشعب اليوناني تمرّد على قوى خارجية وداخلية تحاول أن تفرض عليه القبول بنمط حياة معين. يعتمد هذا النمط على مستويات متدنية من الإنفاق العام ومستويات مرتفعة من الضرائب المباشرة، أي الضرائب التي تمس مباشرة حياة المواطن البسيط. يعتمد أيضاً على الإقرار بأن اليونان، حكومة وشعباً، انحرفت وكذبت وزيفت على امتداد سنوات، وحان وقت العقاب، لكنه لا يعتمد على إقرار مقابل بأن البنوك الأوروبية شجعت اليونان وهي مفلسة على مزيد من الاقتراض.

تمرد الشعب على قسوة لم يعتدها. فاليونانيون، مثل الإيطاليين والإسبان والبرتغاليين والإرلنديين، يفهمون الحياة بطريقة تختلف عن فهم الأوروبيين الشماليين لها. واليونانيون، مثل شعوب «تاريخية» عدة يعودون في الأزمات إلى التاريخ. هذه القسوة مورست ضدهم من قبل على أيدي قوات وحكام النازي في بداية الحرب العالمية الثانية. وهذا التمرد مارس اليونانيون أشد منه وأطول ضد الاحتلال. يريدون التغيير، ولكن من دون التنازل عن السيادة ومع الاحتفاظ بالكرامة واحترام رأي المواطن الذي عبر عنه حين انتخب حكومة جديدة. يرفضون أن تعاملهم «حكومة اليورو» في بروكسيل أو فرانكفورت كما تعامل دولاً أخرى في شرق أوروبا، أو دولاً في البلقان تستجدي الانضمام إلى اليورو.

كان واضحاً منذ بداية الأزمة اليونانية أن الخلاف حول مفهوم التغيير أساسي وجوهري. القوى القديمة تريد أن يكون التغيير قائماً على اقتناع شعبي ونخبوي كامل بفكر وفلسفة الليبرالية الجديدة، واليونانيون فهموا ويفهمون التغيير على أنه إصلاح المؤسسات وتعميق الديموقراطية وتطوير الاقتصاد بأساليب «أقل وحشية»، ويطلبون التغيير بأساليب إنسانية. لذلك تمردوا على القسوة المتضمنة في جميع التوجيهات التي صدرت من «قيادة اليورو»، وتمردوا على إهانات عدة خرجت من أفواه مسؤولين كبار في ألمانيا والبنك المركزي الأوروبي ورئاسة المفوضية الأوروبية. وتقنن التمرد ووصل إلى أقصاه عندما صوتت غالبية بنسبة 60 في المئة ضد أوامر «تغيير» أوروبية، فحق على اليونانيين جميعاً العقاب إلى أن يعودوا إلى وضع كان سائداً قبل أربع أو خمس سنوات.

لا مبالغة شديدة في القول بأن القوى المالية، كالمصارف الكبرى وغيرها من بيوت التجارة بالمال والأسواق المالية وكبار الممولين الأفراد، كانت سبباً رئيساً من أسباب الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت المجتمعات الرأسمالية في العام 2008، وليس من المبالغة الاستطراد بأن نقول إن هذه القوى رفضت اتخاذ إجراءات لإصلاح نفسها بنفسها، وأن نقول إنها هي التي تقود حالياً عمليات ضرب التمرد العالمي ضد هيمنتها وسيطرتها على الكثير من نواحي السياسة والاقتصاد في العالم.

لذلك لم يكن لدينا شك، منذ بداية أزمة اليونان، في أن هذه القوى لن تدع اليونان تفلت بتمردها من هيمنتها لتصبح نموذجاً لتيارات مثل «بوديموس» في إسبانيا، بالوصول إلى مناصب الحكم في مدريد، أو تتشجع قوى «قومية» مثل «يوكيب» في إنكلترا ويسارية في دول أخرى في أوروبا وأميركا اللاتينية، أو تستعيد قوى ثورية في العالم العربي إرادتها وحماستها فتستأنف ما بدأته قبل أربع سنوات.

جاء رد «القوى القديمة»، أي قوى النيوليبرالية، على تمرد اليونان خالياً من أي اعتبار لاستقلال اليونان كدولة، أو لإرادة شعب محبط ومشحون بمشاعر متناقضة تجاه مستقبله في أوروبا، في ظل هيمنة المصارف واليورو. بدت الإهانة متعمدة، وكذلك الرغبة في الأخذ بالثأر والانتقام. لم يكن متصوراً أن يفرض المجتمعون في بروكسيل في تلك الليلة التعيسة على أليكسيس تسيبراس رئيس حكومة اليونان وقائد تحالف اليسار، القبول بحق المؤسسات المالية الأجنبية في الاستحواذ على ممتلكات سيادية، أي نقل ملكيتها إلى جهات أجنبية أو على الأقل رهنها إلى حين تسديد اليونان ديونها. هذا التجاهل المتعمد لمشاعر الشعب اليوناني في ظروف أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة فسره كثيرون بأنه يكاد يرقى إلى درجة قصوى من فرض المهانة على شعب، ولعله التصرف الذي سيسهم بالتأكيد في تشكيل وعي أجيال عدة في اليونان. ما زلنا في مصر التي ووجهت بمهانة مماثلة قبل قرن ونصف القرن ننظر بعين الشك إلى نوايا المؤسسات الاقتصادية العالمية، وفي مقدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وما زال كثير من أفعال نخبتنا الحاكمة يتسم بالحيطة والحذر خوفاً من الرفض الشعبي. نعرف أن هذا التجاهل للإرادة الشعبية، وهذه المهانة المتعمدة التي فرضتها القوى الغربية على مصر، كانتا من بين خطوات التمهيد للغزو العسكري واحتلال البلاد ثمانين عاماً، وتشويه أسس علاقة مصر بالغرب.

صعب أن نضع سيناريو لعلاقة مستقبلية بين اليونان والقوى الحاكمة في أوروبا، خصوصاً حكومة ألمانيا، لا تكون بين مكوناته مشاعر الغضب العميق الذي يلف شعب اليونان إزاء النخبة الحاكمة في ألمانيا، خصوصاً السيدة أنغيلا ميركل، ومع ذلك يبدو أن عناد الجماعة الحاكمة يصل إلى حد تفضيل إشباع المصالح الاحتكارية المالية وفلسفاتها على إرضاء الشعوب وكسب ودها. لاحظنا تصرفات شبيهة من جانب القوى الحاكمة العربية والأجنبية التي أخذت على عاتقها مسؤولية إعادة الأمور في دول «الربيع العربي» إلى الوضع الذي كان قائماً قبل أربع سنوات. هذه القوى مجتمعة ومنفردة تسعى بكل طاقتها إلى فرض المهانة على الشعوب التي ثارت ضدها وضد الاستقرار الخانق في 2010 و2011. لاحظنا أن الإجراءات نفسها التي تستخدمها قوى الهيمنة الأوروبية ضد شعب اليونان تستخدمها القوى والحكومات المعادية لثورات الربيع ضد الشعوب العربية، ابتداء بالحملات الإعلامية المكثفة المشوهة لسمعة الثورة والشعوب إلى إفساد بعض قادة التمرد أو الثورة أو الحكم، إلى الاستحواذ على الممتلكات والمشاريع السيادية، وإذا لم تفلح هذه الوسائل جرى تشجيع «العنف» والقوى المتطرفة.

كان الهدف «ترهيب» الشعوب من مغبة الاستمرار في الثورة، إذ بينما راحت «حكومة اليورو»، باستخدام الإعلام والرسائل الديبلوماسية المفتوحة، تنذر الشعب اليوناني بالطرد من منطقة اليورو أو إعلان إفلاس اليونان ونبذها أوروبياً ودولياً وإغلاق الحدود مع دول الاتحاد الأوروبي، وبينما راحت تمارس إرهاباً فعلياً حين قطعت أثناء التمرد علاقة مصارفها بالمصارف اليونانية، لتجبر الشعب اليوناني على الأخذ في الاعتبار احتمال وقوع المجاعة، راحت قوى في دول الثورات العربية تنشر الذعر بين الناس وتنذر بالفوضى العارمة والاقتتال في الشوارع وتخريب الممتلكات الخاصة والحكومية. ظهر الأمر واضحاً حين انسحبت قوى الأمن، من دون سبب حقيقي، لتترك المدن نهباً للمجرمين واللصوص وقوى التطرف. إرهاب التجويع والإفقار في أوروبا، وإرهاب الفوضى والتخريب في دول «الربيع العربي». والهدف في الحالين إعادة الشعوب إلى القفص الذي عاشت فيه من دون تغيير ومن دون حقوق سيادة أو حريات.

لا أذكر أنني كنت شاهداً ذات يوم على موقف كالموقف الذي اتخذه عدد كبير من عمالقة الاقتصاد والفلسفة في العالم الغربي للإعراب عن احتجاجهم على محاولات قوى العهد القديم وفي طليعتها قوى الليبرالية الجديدة فرض إرادتها وفلسفتها وهيمنتها على شعب اليونان، بل لعلني لا أذكر وقوف هؤلاء العمالقة صفاً واحداً في قضية واحدة قبل هذه الوقفة مع حكومة اليورو والقوى المالية التي تساندها. لكن حتى هؤلاء لم يفلحوا في التخفيف من عناد قيادات القوى القديمة، الأمر الذي يكشف القوة التي وصل إليها هذا «الحلف المقدس»، ومدى شراسته في الحرب ضد عناصر التغيير والاستقلال.

في مصر، كما في سورية في شكل مختلف، احتشد عدد من المفكرين والأدباء والساسة القدامى في بدايات ثورة الربيع، في محاولة لمنع الصدام الشامل والعنيف بين الجماهير الغاضبة والمطالبة بالتغيير من ناحية، والقوى القديمة المهيمنة من ناحية أخرى. دخل في تقدير بعض هؤلاء «الحكماء» أن انسحاب قوى الأمن يعني وجود خطة لتدمير الثورة وإشعال نيران الفوضى لإجبار الناس على العودة إلى بيوتها ومن بيوتها إلى الماضي، لكن بعد أن تدفع الثمن باهظاً حتى لا تكرر ما فعلته. انفض شمل الحكماء، وأسباب انفضاضهم عدة، ليس أقلها شأناً السذاجة السياسية لدى بعضهم وانتهازية آخرين وضغط تطورات لم يتوقعها أكثرهم. ومع ذلك فقد تركت الغالبية سجلاً طيباً يعكس في طياته تفاصيل بدايات ثورة انطلقت في الشارع وتعرضت لأسوأ ما يمكن أن تتعرض له ثورة من جانب أعداء خارجيين وقوى ونخب حاكمة ومهيمنة ومصالح فساد ونفوذ متداخلة. إن استمرار الهجمة حتى اليوم على أفكار الثورة وشعاراتها مثل الكرامة والحقوق والحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية ومطاردة الشباب وتقييد حرية التعبير وتجميد الدستور دليل يؤكد لليونانيين وغيرهم أن الانتصارات الرمزية التي تحققها «القوى القديمة» موقتة وغير ناجعة وأحياناً تكون خادعة.

أقول خادعة لأن جميع التطورات الواقعة في الشرق الأوسط، وكذلك في أوكرانيا وفي الولايات المتحدة نفسها، أي في معقل الليبرالية الجديدة، تشير إلى أن «انتكاسة» حركات التغيير وقوى التمرد السلمي والثورات الهادئة، قد تكون من أهم الأسباب التي أثمرت الصعود المفاجئ في نشاط المنظمات الإرهابية.

الكره والتجاهل والإهانة كلها ممارسات تولد الغضب، والغضب يولد العنف، والعنف لا يعرف حدوداً قصوى. لا أعني أن مصير اليونان، كحركة تمرد سلمي، مرهون بدرجة الإذلال واللامساواة والظلم والاجتماعي الذي يتعرض له الشعب اليوناني، إنما أعني ما أراه واقعاً حياً، وهو إن الإرهاب، كما تؤكد المصادر الغربية، يتمدد في اتجاه أوروبا والولايات المتحدة.

3 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *