تحليل لغة الخطاب السياسي، و أزمة الهوية الوطنية السورية


وائل عجي المصدر: السوري الجديد

لعل التحدي اﻷبرز الذي يواجهه السوريون حاليا هو الصعود الحاد للهويات الجزئية ماقبل الحداثية على حساب الهوية الوطنية الجامعة التي طالما تغنوا بها.

لقد مرّت الهوية الوطنية السورية بمراحل عدة عبر تاريخ سوريا الحديث، فقد شهدت المرحلة التي أعقبت الاستقلال عن الحكم العثماني بداية تبلور مفهوم الهوية الوطنية السورية التي شهدت أوجها في فترة الثورة السورية على الفرنسيين و من ثم فترة الاستقلال قبل بدء مرحلة الانقلابات العسكرية التي انتهت باستيلاء البعث على السلطة.
من جهة أخرى، فقد تعرضت الهوية الوطنية السورية لنكسات عدة كان أولها فترة الوحدة مع مصر و التي تم خلالها محاولة طمس الهوية السورية و تشويهها لصالح هوية ناصرية متسترة بشعارات القومية العربية كان هدفها الحقيقي ترسيخ حكم الفرد و زعامته باستعمال شتى أنواع الترهيب و القمع.
أما النكسة الثانية فتمثلت باستيلاء البعث على السلطة في عام 1962 و هي تعتبر بداية المرحلة اﻷشد قتامة في تاريخ سورية الحديث، و التي توجت بالانقلاب اﻷسدي الذي أوصل المجتمع السوري إلى حالة خطيرة من الانقسام و الاقتتال حتى أصبح السوريون في شك من قضايا كانوا يعتبرونها من البديهيات حتى أمد قريب، فأصبحت أسئلة من قبيل من نحن؟ و هل الشعب السوري حقا شعب واحد؟ أسئلة مطروحة بقوة حالياً وﻻ بد لها من أجوبة شافية إن أردنا إنقاذ ما تبقى من سوريا الوطن و الشعب.
هذا من الناحية السياسية التاريخية، أما من ناحية علم النفس السياسي فإن التحديات الفكرية و النظرية لمفهوم الهوية الوطنية السورية تأتي من جهتين:
– اﻷولى هي التنظيمات اليسارية و القومية
–  و الثانية هي تنظيمات اﻹسلام السياسي و التي تمثل التحدي اﻷكبر حالياً بعد سقوط الشيوعية و انكفاء فكرة القومية العربية و التي بدأت عملياً بالانكماش مع انهزام العراق في حرب الكويت.
تتميز لغة الخطاب السياسي للتيارات اﻹيديولوجية اليسارية و الدينية باحتوائها على عنصرين رئيسيين:
1- تعظيم الذات و تنزيهها
2- تصغير الخصم و تحقيره.
فالدراسة التحليلية للخطاب السياسي لهذه التيارات تبين أنها تميل لاستعمال مفردات مثل: مناضلين، مجاهدين، أبطال … لوصف أتباعها، و مفردات مثل: عملاء، خونة، مستكبرين، مرتدين … لوصف خصومها.
إن استعمال المفردات التحقيرية يكتسي أهمية بالغة في خطاب التيارات اﻹيديولوجية إذ إن هذا التوظيف يشكل أحد اﻷسس الفكرية التي تستعملها هذه التيارات لتبرير العنف ضد خصومها حيث إنها – هذه التوصيفات- تمهّد نفسياً و عاطفياً لنزع الصفة اﻹنسانية عن الخصوم، مما يسهل عملية التحريض على إيذائهم و قتلهم دون وازع أخلاقي.
اﻹيديولوجيا بالتعريف هي منظومة من القيم المشتركة التي تؤمن بها مجموعة بشرية معينة لتمييز نفسها عن المجموعات اﻷخرى، و بذلك تكون اﻹيديولوجيا أحد العوامل الرئيسية في تحديد الهوية، و تلعب دورا هاما في تشكيل الوعي الجمعي لدى الشعوب عبر إنتاج نصوص محكية أو مكتوبة يجري تواترها عبر اﻷجيال.
و نظراً ﻻنكفاء الخطاب اليساري و القومي كما أسلفنا سابقا فإن التهديد الأكبر الذي يواجه الهوية الوطنية السورية حاليا يأتي من مصدرين رئيسين:
– اﻷول  هو النظام الطائفي اﻷسدي و سلوكه المافيوي الوحشي
– و المصدر الثاني هو خطاب تيارات اﻹسلام السياسي ذات التطلعات اﻷممية التي تتجاوز الهوية الوطنية للمجتمعات.
و في هذا الخضم، فإن قيم الحداثة و التنوع تجد نفسها في حالة صراع مع مفاهيم السلفية و الشمولية، و من الجدير بالذكر في هذا السياق أن تغير طبيعة و آليات الصراع في سوريا كشف أن حركات اﻹسلام السياسي المعاصرة ليست متجانسة إيديولوجيا بالضرورة، و أن هناك تنافساً بين هذه الحركات ﻹعادة تعريف الهوية اﻹسلامية بحد ذاتها، مما يضع هذه الهوية المختلف عليها في حالة صراع أحيانا مع مفاهيم الهوية الوطنية و المواطنة الحديثة التي تتبناها القوى الليبرالية الوطنية، مما يخلق صراعا فكريا آخر حول مفاهيم و دﻻﻻت الديمقراطية و الانتخابات و حقوق اﻹنسان و الدولة المدنية.
تكتسي هذه القضايا أهمية بالغة و ﻻبد للسوريين من الاهتمام بها منذ اﻵن حتى ﻻ تؤسس لصراع آخر يبدأ بعد سقوط نظام اﻷسد؛ قضايا كهذه سوف تلعب دوراً هاماً في تحديد سياسة سوريا الخارجية، حيث إن الهويات الدينية و الطائفية تشكل عاملاً رئيسياً في صنع السياسات و  التحالفات في الشرق اﻷوسط.
هذه القضايا تضع المعارضة السورية أمام مسؤولية كبيرة فشلت حتى اﻵن في حملها، و هي مسؤولية إنتاج خطاب سياسي وطني جامع و مقنع و ذي مصداقية يعري أولئك الذين حاولوا و يحاولون خطف الثورة و المعارضة لمصلحة مشاريع خطيرة تهدد وحدة سوريا وطناً و شعباً، خطاب يمكننا من خلاله حمل رسالة الثورة السورية من جديد إلى الرأي العام العالمي و مطالبته بمناصرة قضيتنا العادلة و شعبنا الذي يذبح يوميا بسكاكين آل اﻷسد و قوى الظلام اﻷخرى، قبل أن نستفيق فلا نجد وطناً موحداً نعود إليه أو ندفن فيه بعد متاهات و آﻻم الاغتراب و الهجرة و النفي.

وائل عجي – دكتور في علم النفس الاستشاري العلاجي
لندن- المملكة المتحدة

 

38 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *