الطوفان يضرب المزة… تهجير وتغيير ديمغرافي بحجج هندسية

العربي الجديد

اقتحم الجيش السوري في 22 يوليو/ تموز 2012 بساتين المزة بمئات الجنود وعشرات المدرعات، على الرغم من أنّه كان يدرك أنّ الشباب الذين تسلّحوا لأيام معدودة لحماية التظاهرات، قد غادروا الحي في وقت سابق. انتقم النظام من الأهالي، مرتكباً مجزرة راح ضحيتها نحو 25 من أبناء الحي. وأعدم الجنود معظم الضحايا على الحواجز التي حاصرت المنطقة فجر ذلك اليوم، فيما كانوا يحاولون الخروج خشية بطش النظام خلال المداهمات. وهدمت قوات النظام المنازل وأحرقت البساتين.

جالت “العربي الجديد” في المزة بعد مرور ثلاث سنوات على وقوع المجرزة، لتقف على روايات الأهالي الذين تحدّثوا عمّا جرى من قتل ودمار في المنطقة، وما يجري اليوم من تهجير وتهديد على يد قوات النظام.

“عندما قُرع باب البيت بعنف، صباح يوم الإثنين، أيقنت أنهم موظفو المحافظة ودورية الأمن. فلا أحد يحتقر السوريين ويتعالى عليهم مثل عناصر النظام السوري. فتحت الباب وأنا شبه متأكدة من سبب مجيئهم. فهم منذ أيام، يجولون في الحي وينذرون بعض الأهالي بضرورة مغادرة بيوتهم خلال شهرين كحد أقصى، بحجة أنه سيتم هدم المنطقة وإعادة تنظيمها”.

بهذه الكلمات، بدأت أم ياسين التي تقطن مع أسرتها في حي المزة في دمشق، حديثها لـ”العربي الجديد”، مضيفة أن “موظفاً في المحافظة، ترافقه دورية من المخابرات العسكرية، سلّمني إنذاراً خطّياً لإخلاء منزلي خلال شهرين. وحين رفضت الاستلام، قال، سواء استلمتم أم لا، فالأمر منتهٍ، سنأتي لهدم البيت”.

قصة هذه الخمسينية، واحدة من نحو ثلاثمائة واقعة مماثلة، عاشتها خلال الأيام الماضية، عشرات الأسر التي تسكن في منطقة بساتين المزة، الواقعة إلى الجنوب الغربي للعاصمة دمشق، والتي ذاع صيتها منذ بداية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، إذ شهدت عشرات التظاهرات المعارضة للنظام السوري. وفي حين تؤكد إدارة محافظة دمشق أنها بصدد هدم المنطقة بغية إعادة إنشائها، فإن السكان يرون أنّ ذلك يندرج ضمن خطط النظام، الرامية إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للمزة، وهو حي له مكانة جغرافية خاصة، تجعله من أهم المناطق في العاصمة.

استراتيجية تؤرق النظام

يقع حي المزة جنوب غرب مركز مدينة دمشق، ويعتبر البوابة الجنوبية لها، حيث تتداخل أراضيه بالغوطة الغربية، وهو الفاصل بين وسط دمشق ومدينتي داريا والمعضمية الواقعتين تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلّحة. ينقسم الحي إلى عدّة أجزاء؛ الفيلات الغربية والشرقية، ويفصل بينهما “أوتوستراد المزة”، الممتد من ساحة الأمويين إلى مطار المزة العسكري، وتتوسّطه حارات المزة القديمة والشيخ سعد ثم شارع الجبل، المنتهي بعشوائيات الـ”86” نسبة إلى تشكيل لواء عسكري يحمل نفس الرقم، وكان قد اتخذ من المكان المرتفع مقراً له، ثم خرج منه، مانحاً ضباطه وجنوده صلاحيات بإنشاء منازل لهم، قرب سجن المزة العسكري الشهير.

يمتد حي المزة لمئات الهيكتارات، ويُعتبر من أهم أحياء دمشق لعوامل عدة؛ يتربع على سفوح تلة الحي الغربية، ما يعرف بـ”قصر الشعب” قرب المطار العسكري، والذي يتضمن أحد أهم مراكز المخابرات الجوية. كما يقع على أطراف الحي، مجلس الوزراء ووزارات الخارجية، والإعلام، والعدل والتعليم العالي. وإلى جانبها، أحد أهم مربعات النظام الأمنية في العاصمة، وكذلك إدارة الأمن السياسي وغيرها من المقرات المهمة. ولا يخلو الحي من كليات الطب العام، وطب الأسنان والصيدلة، والآداب والعلوم الإنسانية، والمدينة الجامعية، وعدد من مشافي دمشق الكبرى (المواساة والأسد والمشفى العسكري) وغيرها.

يسكن في الحي عدد كبير من مسؤولي النظام الأمنيين والعسكريين وبعض الوزراء. وكان يقيم فيه قبل الثورة، عدد من سفراء الدول الكبرى، كالسفيرين البريطاني والصيني. ويقع أغلب ما تم ذكره، في الأجزاء الشمالية والغربية والجنوبية للحي. فيما يقطن عدد كبير من سكانه المحليين في الجهة الشرقية، بعد أن استولت الدولة في العقود الماضية، على معظم أراضيهم، بحسب الناشط الإعلامي، عبد الرحمن الشامي.

يستهدف التنظيم الحالي، والذي صدر بمرسوم جمهوري يحمل رقم 66 عام 2012، الجزء الشرقي من المزة فقط، ويتضمن منطقة سكنية تُعرف بـ”خلف مشفى الرازي”. كما يتضمّن أراضي زراعية، يخترقها فرعان من نهر بردى، تبدأ من شرق “أوتوستراد المزة” وتصل إلى المتحلق الجنوبي، وهو أوتوستراد حيوي، يربط بين مناطق واسعة في ريفي دمشق الشرقي والغربي، من دون المرور في وسط العاصمة.

يقول عبد الرحمن (شاب جامعي ينحدر من الحي)، لـ”العربي الجديد”، إنّ “النظام وعلى الرغم من انشغاله منذ أربع سنوات بالمعارك الدائرة في مختلف أنحاء البلاد، وعدم قدرته على تأمين المياه والكهرباء بشكل جيد للمناطق التي يسيطر عليها، يريد إقناعنا في هذه الظروف، أنّه يسعى إلى إعادة تنظيم العاصمة عمرانياً، فيما تكمن نيّته الحقيقة في قضم ما تبقى لنا من ممتلكات”.

وعلى الرغم من ادعاء النظام السوري بأنّ “فكرة التنظيم بشكل عام حضارية، لا يمكن لعاقلٍ معارضتها”، يتساءل عبد الرحمن: “إلى أين ستذهب مئات الأسر، فيما المناطق حولنا كلها تشهد معارك وقصفاً شبه يومي، بينما تكتظ الأحياء الآمنة بأعداد مضاعفة من الناس، وبالتالي لا يمكن أن يجد أكثر من مائة ألف نسمة من السكان المعرّضين للطرد، منازل تؤويهم”؟


الانتقام لثورة الأهالي

يُعتبر حي المزة، بالإضافة إلى أحياء جنوب العاصمة، كفرسوسة، الميدان، جوبر، القابون، برزة، قدسيا، دمر، من أهم المناطق التي شهدت تظاهرات مناوئة للنظام. ويقول عضو “تنسيقية منطقة المزة”، أبو مهند الشامي لـ”العربي الجديد”، “منذ تظاهرة 25 مارس/ آذار التي توجّهت إلى أوتوستراد المزة، تتالت الاحتجاجات الشعبية في الحي وتركّزت في المزة بساتين، وهو ما جعل الجيش يقتحمها مرات عدة”. ويتابع، “بلغت الاحتجاجات هناك ذروتها في 18 فبراير/ شباط 2012، إذ خرجت أكبر تظاهرة في العاصمة، تضمّنت عشرات الآلاف لتشييع ثلاثة قتلى، كانوا قد قضوا في اليوم السابق، برصاص قوات الأمن خلال تظاهرات جمعة المقاومة الشعبية”.

ويضيف الناشط أنّه “بعد خمسة أشهر، حين ازداد بطش النظام وقمعه بصورة غير مسبوقة للاحتجاجات، حمل بعض شباب الحي السلاح لحماية التظاهرات لأيام قليلة فقط، ليدخل النظام في 22 يوليو/ تموز إلى الحي، مرتكباً مجزرة راح ضحيتها 25 فرداً”. ويختم الشاب العشريني قائلاً: “في مثل هذا اليوم، قبل ثلاثة سنوات، قُتل بعض من أقربائي وأصدقائي في المجزرة، وها هو اليوم، ينذر من تبقى منهم بالطرد من الحي”.

تعتبر هذه الواقعة من أكبر المجازر التي ارتكبها النظام في يوم واحد داخل العاصمة دمشق خلال تلك الفترة. قام خلالها، وفق ما وثّق ناشطون هناك، بهدم وإحراق عشرات المنازل والمحلات التجارية، فضلاً عن جرفه بساتين الصبار، والتي تُعتبر من تراث الحي، وكانت عشرات الأسر تعيش طيلة العام من موسم قطافها.

وفيما شهد الحي كل هذه الأحداث، وشكّل عبئاً أمنياً على النظام، والذي كان يعمل منذ بداية الثورة، على جعله خارج دائرة الاحتجاجات نظراً لأهميته، وعقب تصاعد التطورات فيه بشكل غير مسبوق خلال ثمانية أسابيع، صدر في 19 سبتمبر/ أيلول 2012، المرسوم التشريعي رقم 66، والذي نصّ على إحداث منطقتين تنظيميتين في دمشق، هما جنوب شرق المزة (منطقة البساتين) وجنوب المتحلق الجنوبي. ما يعني أنّ المناطق المندرجة في المرسوم، سيتم هدمها لإعادة تأهيلها، وهو ما كان مخططاً له قبل ذلك بسنوات، بحسب نشطاء في المزة. لكن بعد اندلاع الثورة، وانضمام عدد كبير من شباب الحي إليها، أعاد النظام فتح ملف استملاك الأراضي، بعد أن كان قد أغلقه قبل ذلك بنحو 11 عاماً، عندما خرج بعض الأهالي في أبريل/ نيسان 2001 في مسيرة احتجاجية إلى ساحة المحافظة وسط دمشق، مطالبين بإلغاء القرار، وهذا ما حصل حينها.


تهجير لتغيير الديموغرافيا

حاول عدد من المسؤولين، التأكيد مراراً، أن الهدف من هذا المخطط، يكمن في إنشاء منطقة عمرانية مميّزة، عوضاً عن السكن العشوائي المنتشر في عدد كبير من أحياء دمشق، معتبرين أنّ ذلك “لن يهضم حقوق المالكين للأراضي كما كان في السابق، بل سيعود بالنفع عليهم”.

في مارس/آذار 2014، قال محافظ دمشق، بشر الصبان خلال برنامج حواري عرضه التلفزيون الرسمي، إن “فخامة رئيس الجمهورية أكّد على أن يكون المواطن شريكاً في صناعة القرار في المنطقة التنظيمية”، مضيفاً أنّ “من أهم ميزات المرسوم 66 الخاص بمشروع التنظيم، هو تحقيق العدالة الاجتماعية واختصار المدة الزمنية في التنفيذ التي لن تتجاوز الخمس سنوات. وسيكون مشروعاً حضارياً بامتياز، إذ إنّ مساحة الأراضي الخضراء 35 في المائة، وهذا يحدث للمرة الأولى في المناطق السكنية في دمشق”.

وكانت وكالة “سانا” الرسمية، قد نقلت بعد إصدار القرار بأيام، عن مدير التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق، عبد الفتاح اياسو قوله، إنّ “تنظيم بساتين المزة سيتيح إنجاز منطقة تنموية ذات صيغة عمرانية مميزة وكفاءة عالية تتناسب مع موقعها ضمن الحدود الإدارية لدمشق، من خلال إيجاد كثافة سكانية متنوعة مع تحقيق تمازج اجتماعي وتكامل مع الجوار وتوفير الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية الكاملة وتحقيق مشاركة المالكين في المنطقتين بالمشاريع الاستثمارية”.

كذلك نقلت “سانا” في وقت لاحق عن مدير المشروع جمال يوسف أنّ “التنظيم يحقق أعلى المواصفات في التخطيط العمراني، من أبنية مميزة تلبي حاجة المنطقة والمدينة بالكامل ومساحات كبيرة ستحل جزءاً كبيراً من مشكلة الإسكان”. وأشار المهندس في محافظة دمشق إلى أن “المخطط يحتوي على مبانٍ سكنية كثيرة واستثمارية يمكن توظيفها بحسب حاجة المنطقة، وللسكان الحرية في استقطاب شركات لإنشائها”.

لكن عضو المكتب الإعلامي في منطقة المزة، أبو قصي الشامي، يقلّل من مصداقية هذه التصريحات، قائلاً إنّ “الكذب هو أسهل شيء يقوم به النظام، وهو يسعى إلى تخفيف حدة احتقان السكان بهذا الكلام البراق، والذي دائماً ما يقوله ويفعل عكسه”، مضيفاً أنّ “كارثة حقيقة ستحل بعشرات الآلاف الذين سيتركون لمصير مجهول إذا تم طردهم”.

ويتابع في حديثه لـ”العربي الجديد”، أنّ “النظام الذي رسم صورة مغلوطة عن طبيعة المنطقة التي تقطنها غالبية من الطبقة الوسطى، أراد دائماً التركيز على أنها عشوائيات تجب إزالتها، على الرغم من أنّ منطقة الـ86 التي تبعد أمتاراً فقط، هي واحدة من أشهر عشوائيات دمشق، لكنه لا يصدر بحقّها أي قرار تنظيم، لأنّ معظم سكانها ينحدرون من منطقة الساحل وهم موظفون في الأمن والجيش”.

ويذهب الناشط إلى أبعد من ذلك، “يريد الأسد جعل بساتين المزة ضاحية جنوبية على غرار تلك التي في العاصمة بيروت في لبنان، خصوصاً أنّ السفارة الإيرانية الحالية، وتلك التي يتم إنشاؤها حالياً، تقعان على بعد أمتار من منطقتنا”، مضيفاً أنّ “بعض التجار من طائفة معيّنة، يحاولون منذ فترة شراء أراضٍ وعقارات في الحي تجهيزاً للاستيطان في أراضينا بعد طردنا، وإعادة تأهيل المكان ديموغرافياً أكثر منه عمرانياً”.

فقدان البدائل يستوجب التمرّد

وفي حين اختار النظام هذه المنطقة دون سواها، ليبدأ بحسب أدبياته، بإعادة هيكلة دمشق عمرانياً، فإن عدد سكانها المعرّضين للتهجير، يبلغ بحسب ناشطين هناك، نحو مائة وعشرين ألف نسمة، فضلاً عن آلاف النازحين الذين لجأوا إليها، بسبب نشوب أعمال قتالية تدور في مناطقهم. ويقول الناشطون في الحي إن “موظفين حكوميين ترافقهم دوريات أمن، وزّعوا خلال الأيام القليلة الماضية إنذارات إخلاء، بمدة أقصاها ستين يوماً، لنحو ثلاثمائة أسرة، وربما يتم إنذار مئات آخرين لاحقاً”.

لكن أغلبية من تبلّغوا الإشعارات حتى الآن، رفضوا استلامها، كحال أم ياسين، والتي قالت في ختام حديثها، أنّها على الرغم من عدم اكتراثها للمنذرين بالطرد يوم طرقوا بابها، لكنها ومنذ تلك اللحظة، تسأل، “أين نذهب، الحرب حولنا في كل مكان، وكانوا قد وعدونا بإعطائنا تعويضاً لمن توجب عليه إخلاء بيته، مبلغ ثلاثين ألف ليرة شهرياً (مائة دولار)، ريثما ينتهي إنشاء المقاسم السكنية في المنطقة؟ ولو فرضنا أنهم سيقومون بذلك، فالمبلغ لا يكفي لاستئجار بيت في أي مكان، علماً أن الحكومة في أيام السلم، لم تعد أياً ممن أخلت بيوتهم بحجة الاستملاك إليها، فما بالك بهذه الأيام”؟

 

 

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *