“حماس” بين السعودية وإيران: لا ترف في المفاضلة

العربي الجديد

 

لا تملك حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، ترف المفاضلة بين الأطراف التي تدعمها، أو تلك التي وعدت بمساعدتها. ففي الظروف العربية الراهنة باتت الحركة بحاجة ماسّة إلى علاقات قوية ومتينة مع كل الدول والأطراف، أو على الأقل مع المرحِّبين بهذه العلاقة والساعين إليها.

ومع “الانفتاح” المحدود للسعودية على “حماس”، تبدو إيران أكثر المستائين. إذ نشرت وسائل إعلام مقرّبة من الحرس الثوري الإيراني، على مدار الأيام الماضية، سلسلة من “الأخبار والتقارير” التي تهاجم “حماس” ورئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، بغطاء ما زعم أنه اتفاق سعودي-حمساوي لإرسال مقاتلين من “كتائب القسّام” إلى اليمن لمحاربة الحوثيين.

وردت “حماس” سريعاً على هذه التقارير بنفيها بشكل قاطع، والتأكيد على أنها من “تأليف وفبركة” أصحابها فقط، من دون وجود رصيد حقيقي لها على أرض الواقع. هذا الهجوم الإعلامي الإيراني على “حماس”، مفهوم لدى الحركة والمتابعين على أنه ردة فعل على التقارب بين الرياض والحركة.

ويقول القيادي في “حماس”، صلاح البردويل، لـ”العربي الجديد”، إنّ حركته لها ثوابت دائماً في العلاقات مع الآخرين، تعيدها وتكررها، ولا يمكن أن تتخلى عنها، وهي أنّ القضية الفلسطينية ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، وإنما مسؤولية كل دول العالم العربي والإسلامي والعالم الحر “وعليهم أن يساهموا في هذه القضية”.

من جهة ثانية، وفق البردويل، المطلوب من العالم أن يفهم أنّ للشعب الفلسطيني وللمقاومة الفلسطينية خصوصية، إذ لا ينبغي بأيّ حال من الأحوال أن يُزج بالفلسطينيين في صراعات وخلافات داخلية، لينحرف جهدهم إلى مسار آخر. ويؤكد أنّ “على الكل أن يعذرنا ويساعدنا، ولا ينبغي المراهنة على زجّنا في أحلاف أو محاور”، موضحاً أنّ محدِّد علاقات “حماس” مع هذا الطرف أو ذاك، هو مدى دعمه للقضية الفلسطينية، ومشدداً في الوقت نفسه على حرص الحركة على عدم التدخل في معمعة الخلافات الداخلية العربية والإسلامية.

ويشير البردويل إلى أنه من الطبيعي أن تبحث “حماس” عن علاقات مميزة مع الدول الداعمة للقضية، كالسعودية وإيران وقطر وتركيا ومصر وغيرها، “فالأصل أن نبحث عن دعم هؤلاء وغيرهم، على قاعدة أن لا يكون هذا الدعم مشروطاً بشرط سياسي ينتقص من خصوصية حماس ورؤيتها”. ويلفت القيادي في “حماس”، إلى أنّ حركته بنت علاقات متميزة مع إيران، ولم تطلب إيران منها ولم تشترط عليها أي شرط ينتقص من هذه الخصوصية، مرجعاً ذلك لعلم طهران أن “حماس” غير مستعدة لدفع أي ثمن سياسي أو أيديولوجي في مقابل هذه المساعدة.

أما السعودية، “فلم تشترط علينا أي شرط في مقابل المساعدات التي من الممكن أن تقدّمها للشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية”، كما يوضح البردويل، مؤكداً أنّ الحديث عن وصول “حماس” إلى مفترق طرق، بين أن تختار السعودية أو إيران، هو “حديث بلا معنى وبلا رصيد”. ويشدد على أنّ حركته “ليست في جيب أحد، ولا تعمل لصالح أحد على حساب أحد، وتتمنى أن ينتهي الحصار العربي عليها”، موضحاً أنّ “حماس” تنحت في الصخر من أجل أن تستعيد الأمة دورها في القضية الفلسطينية.

من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في “جامعة الأمة” في غزة، عدنان أبو عامر، أنّ “حماس” ليست بوارد الدخول في مفاضلات بين هذه الدولة أو تلك، أو هذا المحور أو ذاك، فهي تحاول كسر جدار العزلة المفروض عليها عربياً ودولياً، من خلال البحث عن ثغرات تحاول من خلالها نسج علاقات جديدة، أو إصلاح علاقات قديمة، من دون أن يكون ذلك على حساب دول أخرى.

ويشير أبو عامر، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أنّ “حماس” ليست في وارد أن تخسر أحداً لتربح غيره، وكذلك ليست في وارد أن تدير ظهرها لدول مثل السعودية وإيران، غير أنّ العلاقة مع الأخيرة لها خصوصية، إذ يُفهم أنّ طهران تريد الوصاية على “حماس” لا علاقة تحالف. ويوضح أنّ إيران تريد أن تكون علاقتها بـ”حماس” حصرية، ولا تريد أن يكون للحركة علاقة بالآخرين، خصوصاً السعودية، معتبراً أنّ التقارير التي نُشرت ضد زيارة مشعل للسعودية، موجّهة من دوائر صنع القرار في طهران، لأنّ لديها هاجسا وفوبيا من إمكانية أن تفقد فلسطين إذا فقدت “حماس”.

ويرى أبو عامر أن “إيران تريد أن تغسل بعض أخطائها في الموضوعين العراقي والسوري، وأخيراً اليمني، عبر دعمها لـ”حماس” في فلسطين، وأنّ أي اقتراب لـ”حماس” من دول أخرى، تظن إيران أنه يسحب من يدها الملف الفلسطيني، وهذا يعني عدم قدرتها على تغيير صورتها”، مبيناً أنّ إيران بحثت عن بدائل لـ”حماس” فلسطينياً، لكن هذه البدائل لم تكن بتأثير الحركة.

أما السعودية و”حماس”، وفق أبو عامر، فهناك تقارب بينهما، خصوصاً أنّ الحركة ترى أنّ هناك اختلافاً بين العهدين في السعودية، السابق والحالي، لكنها لا ترفع سقف توقعاتها، معتقداً أنّ السعودية راغبة في الدخول في الملف الفلسطيني والمصالحة والتهدئة عبر “حماس”، وتريد أيضاً سحب الحركة من بين يدي إيران.

غير أنّ الكاتب والمحلل السياسي، طلال عوكل، يرى في حديث لـ”العربي الجديد”، أنّ “حماس” ومن خلال زيارتها الأخيرة للسعودية، تحاول أن تقيم علاقة متوازنة، غير ممكنة، مع طرفين هما السعودية وإيران، لكل منهما مشروعه وأجنداته الخاصة في المنطقة العربية. ويشير عوكل إلى أنّ “حماس” تبدو وكأنها غلّبت علاقاتها مع السعودية في محاولة واضحة منها لتغيير سياسة المملكة ورؤيتها خلال المرحلة المقبلة، فتسعى لأن يكون النظام السعودي داعما لأي اتفاق تهدئة، وأن يتدخّل لدعم الحركة في ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية.

ويوضح عوكل أنّ “حماس” ليست بحاجة إلى دعم مالي سعودي، بقدر حاجتها إلى دعم سياسي، يبقيها حاضرة بقوة على الساحة الفلسطينية الداخلية، ويعزز من سيطرتها على قطاع غزة، من خلال سلسلة من التسهيلات التي قد تحصل عليها بضغط سعودي. ويرى “صعوبة إنشاء حركة “حماس” علاقة مع إيران والسعودية في الوقت نفسه، في الواقع الإقليمي الحالي، كون المنطقة وصلت إلى مرحلة الحسم العسكري والتصادم، ومن الصعب الحفاظ على أي علاقة مع الطرفين من دون الإخلال بأي شيء”.

لكن عوكل، يتوقّع أن تنعكس الزيارة التي قام بها وفد المكتب السياسي لـ”حماس” للسعودية، على تدخلات في الساحة الفلسطينية، خصوصاً ملفي المصالحة وقطاع غزة، ومحاولة تقديم تسهيلات كبيرة للغزيين في إطار المصالح المتبادلة بين الطرفين.

 

0 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *