جولة خليجية لظريف لـ”تدشين مسيرة التطمين”

العربي الجديد

توصّلت إيران إلى اتفاقها النووي المطلوب مع الغرب، بعد أن نال اهتمام مسؤولي سياستها الخارجية خلال عامين على تولّي الرئيس المعتدل حسن روحاني سدة الرئاسة فيها. وبعد تمرير الاتفاق، تعمل طهران على إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة، التي تزاحمت ملفّاتها كثيراً، وكان لجزء كبير من هذه الملفات أثر سلبي على العلاقات الإيرانية مع الآخرين. وهو ما تدركه طهران جيداً خلال هذه المرحلة، كما تدرك، أنه أمر لن يصبّ لمصلحة سياستها ودورها كقوة إقليمية.

ويبدأ العمل الإيراني على المستوى الإقليمي عن طريق بدء وزير الخارجية محمد جواد ظريف، اليوم الأحد، جولة تشمل العراق والكويت وقطر، في محاولة لفكّ الاشتباك مع بعض الأطراف الإقليمية وعلى رأسها السعودية.

ويتحدث مراقبون إيرانيون وكذلك المسؤولون في البلاد عن أهداف هذه الجولة، التي تتلخص بـ”طمأنة الجيران إلى تبعات اتفاق البلاد النووي مع الغرب من جهة، وببحث آخر تطورات الملفات الإقليمية وعلى رأسها الحرب على الإرهاب من جهة أخرى”، ويبدو أن الخارجية الإيرانية اختارت أن تبدأ بالدول المقرّبة والصديقة لها نوعاً ما.

وتتمتع ايران بعلاقات جيّدة مع الكويت، على الرغم من كل التوتر الإيراني الخليجي، الذي تصاعد خلال السنوات الماضية، وكان أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، من أبرز المسؤولين في المنطقة، الذين زاروا طهران خلال الفترة الماضية حتى قبل التوصل لاتفاق نووي.

وبعد تفجير مسجد الإمام الصادق في الكويت، في 26 يونيو/حزيران الماضي، الذي أودى بحياة عشرات الكويتيين، برز موقف لافت وداعم من الحكومة الكويتية لذوي الضحايا، وتردّد صداه بإيجابية عالية في طهران. بالتالي، تعتبر ايران نفسها، معنية خلال الوقت الحالي، بالتوجّه للكويت القادرة على تأدية دور مؤثر، قد يصبّ لصالح العلاقات الإيرانية مع دول المنطقة.

أما بالنسبة لقطر، فقد كان الأمير تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، أول الأطراف التي اتصل بها روحاني، بعد توصل البلاد للاتفاق النووي. وهي الخطوة التي فُسّرت بأن من الضرورة لطهران طمأنة الأصدقاء في المنطقة إلى تبعات الاتفاق، وهو ما سينعكس بشكل طبيعي على أمور أخرى.

ومن المتوقع أن يطرح ظريف خلال جولته الخليجية، مواضيع الحرب في سورية وعمليات التحالف العربي في اليمن، كعناوين رئيسية، وربما الوحيدة في هذه الحالة. ويرى بعض المحللين أن “ايران تسعى لطمأنة الطرف السعودي خلال هذه المرحلة، لكونه الطرف الأكثر تشدداً وتوتراً في علاقاته مع طهران من بين دول المنطقة. بالتالي فإن الكويت وقطر خياران مناسبان في الوقت الراهن، لتدشين مسيرة التطمين”.
أما باقي الدول الخليجية، فلها حسابات أخرى. بالنسبة إلى سلطنة عُمان، فقد كانت حليفاً استراتيجياً لطهران، والطرف الذي أدى دور الوسيط في عدد من ملفات البلاد المصيرية وعلى رأسها النووي. أما الإمارات، فلها علاقاتها الاقتصادية المميزة مع إيران، ما سينعكس إيجاباً على الملفات السياسية، على الرغم من النزاع حول الجزر الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. أما العلاقة مع البحرين، فمقرونة بعلاقة إيران مع السعودية.

ويبقى العراق، التي تُعدّ إيران معنية فيه مباشرة، باعتبار أن الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) هناك، أولوية بالنسبة للمسؤولين في طهران. وسيستكمل ظريف خلال هذه الزيارة، مسألة الإشراف على توقيع عدد من اتفاقيات التعاون الأمنية مع بغداد.

ولا تأتي جولة ظريف سوى تأكيد لتصريحاتٍ أخيرة له ولروحاني، ركّزا فيها على استعدادهما لمنح دول الجوار أولوية في السياسة الإيرانية بعد الاتفاق النووي. ويشير هذا المعطى إلى أمرين. الأمر الأول أن إيران ما بعد الاتفاق هي غير ما قبله، بما يؤدي إلى فتح الباب نحو علاقات أكثر إيجابية، وربما لتأدية دور أكثر تأثيراً سيبرز لاحقاً بحلحلة بعض مسائل المنطقة.

الأمر الثاني داخلي، قد يتمظهر في تغيير خطاب الحكومات المعتدلة والإصلاحية في إيران، الذي عادة ما يركز على التوجه نحو الغرب، في نقيض للخطاب المحافظ، الذي اعتاد التركيز على دول الإقليم. وستكون المرحلة المقبلة مهمة لظريف وروحاني، في التوجه نحو دول الجوار لتهدئة الانتقادات الداخلية، التي سيعلو مستواها، بحال استمرار التركيز على العلاقات مع الغرب حتى بعد التوصل لاتفاق نووي.

0 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *