مأزق “الكردستاني”: ضغوط تركية واحتمال خسارة الشرعية الدولية

العربي الجديد

لم يأخذ الإعلان التركي الرسمي عن دخول الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وحزب “العمال الكردستاني” بالتعاون والتنسيق مع واشنطن، وقتاً كبيراً، حتى أعاد ترتيب الأوراق في المنطقة، وخصوصاً “العمال الكردستاني”، الذي بدأت شرعيته الدولية التي اكتسبها من خلال قتاله لـ”داعش” طوال الأشهر الماضية بالتراجع لحساب دخول “العملاق” التركي على خط المعركة. كما بدا أن الحزب يتعرض لضغوطات شديدة من الدوائر الكردية المختلفة لجهة عدم تصعيد الموقف.

فمنذ بدء الحرب الدولية على “داعش”، بنى “العمال الكردستاني” بروباغندا إعلامية، قامت على أساس أن حكومة “العدالة والتنمية” هي من تدعم “داعش”، وتسهّل انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم عبر الحدود التركية، ليعزز “العمال الكردستاني” طرحه هذا، بعد التفجير الانتحاري الذي شنّه “داعش” على بلدة سروج الحدودية في ولاية أورفة، وليصعّد ضد أنقرة بحجة الانتقام لقتلى سروج. لكن إعلان أنقرة الحرب على “داعش” وتنفيذ ضربات ضده، كانا الحركة التي قلبت الطاولة على رأس الحزب.

ورداً على الهجمات التي شنّها سلاح الجو التركي على مواقع “العمال الكردستاني” في شمال العراق، شنّ الأخير عدداً من حملات الخطف والهجمات على الجيش التركي خلال الأيام الماضية. وقامت قوات “الكردستاني” يوم السبت، بهجوم مسلح على قسمي شرطة، في ولاية ماردين جنوب البلاد. كما فجّرت قوات الحزب سيارة مفخخة خلال مرور عربة عسكرية مدرعة تابعة للجيش التركي، في ولاية دياربكر، أسفرت عن مقتل جنديين وجرح أربعة آخرين، ليرد الجيش التركي بتوجيه قصف مدفعي عنيف لمدة ثلاث ساعات متواصلة على معاقل “العمال الكردستاني” شمال العراق، تلتها عملية أمنية واسعة في ولاية دياربكر، أدت إلى اعتقال 21 شخصاً من المرتبطين بالحزب ومصادرة أسلحة وذخائر.

وفي حين رأت واشنطن أن الاتفاق مع أنقرة يكمن في ضرب “داعش”، هدفت حكومة “العدالة والتنمية” إلى استخدام هذا التحالف الجديد كوسيلة تغطية لتصفية حساباتها سواء على المستوى الداخلي مع “العمال الكردستاني”، أو على المستوى الخارجي لضرب النظام السوري.

ويعمل حزب “العدالة والتنمية”، حالياً، على تشويه صورة “الشعوب الديمقراطي”، بوصفه “داعماً للإرهاب”، لاستعادة ما خسره من أصوات لصالحه. وقد أكّدت بعض استطلاعات الرأي، أخيراً، تراجع شعبية “الشعوب الديمقراطي” بثلاث نقاط. وعزّز الأمر، حديث زعيم حزب “الشعوب الديمقراطي”، صلاح الدين دميرتاش، الذي أكد أمس الأحد، بتغريدة عبر موقع “تويتر”، أنّ “أحد أهداف ما يجري الآن من عملية عسكرية برية وجوية وإعلامية، هو ضرب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات المبكرة”.

أما على مستوى “العمال الكردستاني”، فإنّ الحكومة تهدف إلى زيادة الضغط على الأخير لتقديم تنازلات من ناحية تسريع إلقاء السلاح، الأمر الذي أكّده رئيس الوزراء التركي الانتقالي أحمد داود أوغلو، يوم السبت الماضي، عندما توعّد “العمال الكردستاني”، مؤكداً التزام حكومته بعملية السلام لكن بشرط تخلي الحزب عن السلاح، بالقول، إنّ “العملية التي نحن مستمرون بها تحت عناوين عدة، مثل التسوية، أو الوحدة الوطنية، هي عملية تاريخية واستراتيجية، لكن لن يتم استيعاب أولئك الذين استغلوا العملية بشكل سلبي”.

كما تهدف العملية ضد “العمال الكردستاني” إلى دفعه لتقديم تنازلات في سورية عبر جناحه السوري أي “الاتحاد الديمقراطي” الذي أصبح يسيطر على شريط حدودي واسع، وبات يشكل بالنسبة للعقلية الحاكمة التركية، نواة لدولة كردية محتملة في سورية، وجرس إنذار لا بد من التحرك لضربه.

ولا يبدو موقف “العمال الكردستاني” هذه المرة قوياً، فالأوضاع في الداخل التركي باتت مختلفة تماماً. فمن ناحية، تزداد ضغوط “الشعوب الديمقراطي” على قادة جبال قنديل لعدم تصعيد الموقف أكثر، معتبراً أنّ التصعيد يعني انتهاء مشروعه “ترك الحركة القومية الكردية” وضرب عملية السلام، والعودة إلى ما قبل انتخابات يونيو/ حزيران الماضي، التي أكسبت “الحركة القومية” الكردية زخماً كبيراً عبر انتصار “الشعوب الديمقراطي” وتجاوزه للعتبة الانتخابية. وأصدر “الشعوب الديمقراطي” بياناً، يوم السبت، دان فيه حملات الاعتقال ودعا إلى وقف العملية العسكرية ضد حزب “العمال الكردستاني”، مشيراً إلى أنّه “لا يوجد أي مشكلة لا يمكن حلها عبر المفاوضات”.

أما على مستوى “لوبي” الأموال، فلن يرضى رجال الأعمال الأكراد عودة الأمور إلى حقبة التسعينات بعد الانتعاش الاقتصادي الذي عاشته المناطق الكردية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي بدا واضحاً في البيان المشترك الذي أصدرته غرفة التجارة والصناعة في ولاية دياربكر بمشاركة 20 تجمعا لرجال الأعمال الأكراد. ودعا البيان، يوم السبت، إلى وقف جميع أنواع العنف، والحفاظ على المناخ الإيجابي الذي أنتجته عملية السلام، وبذل الجهود للحفاظ عليها واستئنافها مجدداً.

وعلى المستوى الخارجي، بدا “العمال الكردستاني” أقل قوة. فالدعم الأميركي له خلال قتال “داعش”، بدأ يخفت، الأمر الذي عبّر عنه المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، أليستير باسكي، بالقول، “نحترم تماماً حق تركيا حليفتنا في حلف شمال الأطلسي، في الدفاع عن نفسها ضد هجمات حزب العمال ونؤيّدها في ذلك”. كما دان مساعد مبعوث البيت الأبيض للتحالف ضد “داعش”، بريت ماكغورك، من خلال تغريدة عبر موقع “تويتر”، ما أطلق عليه “الهجمات الإرهابية للعمال الكردستاني في تركيا”، مشدداً على “مساندة واحترام حق تركيا في الدفاع عن نفسها”.

أما الدعم الإيراني، فلا يبدو أنه سيذهب بعيداً لمساندة “الكردستاني” في دفعه إلى مواجهة شاملة مع تركيا، بينما بدأ المسؤولون الإيرانيون جولات مكوكية لتطمين دول الجوار من ناحية الاتفاق النووي، الأمر الذي دشنه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أمس الأحد، بجولة شملت دول الخليج.

 

0 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *