مترجم : نفوذ روسيا المحدود في ظل وجود أصدقاء من نوعية بشار الأسد

0

نقلاً عن : السوري الجديد

الناشر تاريخ النشر الكاتب ترجمة الرابط الأصلي للمادة
Carnegie endownment for internationalpeace 24 تموز (يوليو), 2015 ARON LUND مهدي سليمان اضغط هنا

تعتبر موسكو، كما تعرفون، مكاناً رائعاً لقضاء العطلة الصيفية، وقد شهِدتْ العاصمة الروسية خلال الأسابيع القليلة الماضية سلسلةً من الزيارات التي قامت بها شخصيات من المعارضة السورية، وممثلين عن الحكومة السورية، ومسؤولين إقليميين، ومنهم الأمير القوي محمد بن سلمان وزير الدفاع وولي ولي العهد السعودي، كما اتفق كل من الرئيس فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبد العزيز على تبادل الزيارات فيما بينهما.
ويبدو أن العديد من هذه الزيارات إلى موسكو مرتبط بالمؤتمرات السياسية السورية العديدة التي انعقدت منذ مطلع عام 2015، كما يبدو الآن على وجه الخصوص بأن الحكومة السورية مصممة على عقد جولة جديدة من مفاوضات الوضع في سوريا على طريقتها الخاصة، وذلك استمراراً لما يسمى بمؤتمر (موسكو 1) الذي التأم في يناير/كانون الثاني من هذا العام، ومؤتمر (موسكو 2) الذي انعقد هو الآخر في أبريل/نيسان، واجتماع الآستانة في كازاخستان أواخر مايو/أيار. وفي هذه الأثناء تقترب من النضوج، خطط المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، المتعلقة باستئناف عملية جنيف للسلام التي توقَّفت بعد مؤتمر (جنيف 2) في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط من العام 2014، ومن المتوقع أن يرفع المبعوث الخاص للأمم المتحدة تقريره في نهاية هذا الشهر، في الوقت الذي تعمل فيه كل من مصر والسعودية وفق أجنداتها السياسية الخاصة بها، فيما تتابع المعارضة الخارجية والثوار المسلحون بمختلف فصائلهم، عقد لقاءاتهم في تركيا التي رفعت من مستوى دعمها للثوّار.
وتبدو الحكومة الروسية راغبةً باستخدام عملية موسكو لتعزيز دور شخصيات علمانية وإصلاحية بعينها من المعارضة، وهي الشخصيات التي تعتبرها روسيا منصاعةً للتوصل لتسوية مع حليفها الرئيس السوري بشار الأسد، حتى يتسنى لها تأمين مكان لتلك الشخصيات في أي محادثات قادمة في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد وصل الأمر إلى حدِّ صرّح فيه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مؤخراً بأن خطط انعقاد مؤتمر (جنيف 3) قد “تتعرض للتهديد”، في حال لم تتضح معالم مؤتمر (موسكو 3) أولاً.
كما سرى مؤخراً العديد من الشائعات التي تربط بين الاهتمام الروسي المتجدّد بالمعارضة السورية، وبين الاتصالات الموازية التي أجرتها موسكو مع السعودية، التي تعد داعماً رئيساً للثوار السوريين. وفي مقال لها في مجلة إيلاف الإلكترونية السعودية، تابعت الصحفية السورية بهية مارديني سرد ما أسمته محاولة روسية لإقناع الحكومة السورية بصيغة جديدة للتوصل لحل للأزمة السورية. ووفقاً لمارديني (وهي زوجة الناشط المعارض عمار قربي الذي يعيش في المنفى، والذي أَجْرَيْتُ معه مقابلةً سابقة خاصة بملف الأزمة السورية)، فإن هذه الاتصالات قد ازددات وتيرتها إثر النكسات الجديدة التي منيت بها الحكومة السورية في شمال غرب البلاد وجنوبها وشرقها.. وأردفَتْ مارديني بأن اختلافات جديدة خرَجَتْ إلى العلن بين الأسد وبوتين، حيث يسعى الروس ظاهرياً لإقناع حليفهم السوري بضم شخصيات من المعارضة إلى حكومته، واستئناف الاتصالات مع الدول الداعمة للثوار في المنطقة، مثل السعودية أو تركيا، من أجل محاربة أكثر فعالية للدولة الإسلامية التي أعلنت نفسها واقعاً مفروضاً على الفرقاء في المنطقة.
وبحسب رواية مارديني، فإن ما يدور في أذهان الروس هو حكومة وحدة تستلم في مرحلة لاحقة زمام السلطة التنفيذية، ومن الممكن حينها إقصاء الأسد عن مقاليد الأمور، وسيجري ذلك وفقاً لمبادئ (جنيف 1) التي تبنتها في 2012 كل من روسيا والولايات المتحدة وحكومات أخرى، والتي تشكل الأساس الرسمي لكل من محادثات موسكو وعملية جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، ولكن سواء كان ذلك هو مضمون الخطة فعلياً أو غير ذلك، فقد أبدى الأسد القليل من الاهتمام بالفكرة.

وليد المعلم في موسكو
وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم قد زار موسكو في أواخر يونيو/حزيران لإجراء محادثات مع بوتين ولافروف ومع نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف المختص بالشأن السوري.
وأبدى المعلم حماساً لإضافة زخم إيجابي للاجتماع، وأسرف كلا الطرفين في مديح الآخر، ولكن بدا من المؤكد وجود اختلافات بينهما، وقد حثَّ بوتين أثناء الاجتماع وفي البيان الصادر عن المحادثات، السوريين على التعاون مع الحكومات الإقليمية الأخرى لمجابهة تنظيم الدولة الإسلامية، بيد أن وليد المعلم بدا أقلَّ حماساً لذلك عندما خاطب بوتين قائلاً:
“سيادة الرئيس، معروف عنكم أنكم صانع معجزات بدليل الإنجازات التي تحققت في روسيا الاتحادية، لكن تحالف هذه الدول التي ذكرتموها من دول جوار سوريا لمكافحة الإرهاب يحتاج إلى معجزات أكبر، هم أساس المشكلة التي تواجهها سوريا، وهم الذين يدعمون الإرهاب، الآن نحن جاهزون من خلال جهود فخامتكم للتعاون من أجل مكافحة الإرهاب حتى مع هؤلاء”.
ولاحقاً، وفي مؤتمره الصحفي مع لافروف، غمز المعلم بطريقة لطيفة من قناة الآمال الروسية الهادفة لإحداث انفراج إقليمي عندما قال:
“أنا أعرف أن الرئيس بوتين هو رجل يصنع معجزات كما فعل في روسيا الاتحادية، لكن تحالف مع تركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب هذا يحتاج إلى معجزة كبيرة جداً”.
وتابع وزير الخارجية السوري بعد ذلك ما بدا أنه محاولة لصرف النظر عن فكرة التسوية مع المعارضة السورية، حيث صرَّح في مقابلة مع التلفزيون الروسي، بأنه “لا توجد معارضة معتدلة”، وأكدّ للمشاهدين بأن الانتخابات البرلمانية في سوريا ستجرى حسب ما هو مخطط لها في صيف 2016 ووفقاً للدستور الحالي. ويمكن القول بعبارة أخرى، إنه وبدلاً من تجريب الاحتواء السياسي للمعارضة، فإن النظام البعثي يخطط لإعادة انتخاب نفسه بنفسه مرةً أخرى في انتخابات استعراضية، كما دأب على فعل ذلك بشكل منتظم منذ عام 1963.

ما الذي يمكن لروسيا أن تقدّمه فعلياً؟
بالرغم من وجود اختلافات أكيدة خلف الكواليس أثناء لقاءات المسؤولين الروس بنظرائهم من السوريين، فلا يبدو الآن أنه يوجد ما يكفي من المساحة لتسليط الضوء على التحدث عن خلاف حقيقي بينهم، وحتى وإن كان على بوتين أن يقرر في وقت ما على ضرورة إبعاد الأسد، فليس من الواضح بأنه يمكنه فعل الكثير حيال ذلك الأمر، وقد ينطوي ذلك على بعض التناقض، ولكن حتى وإنْ كانت هناك شكوك في قدرة نظام الأسد على الاستمرار دون المساعدة الروسية، فلا يبدو أن الأسد يستجيب بشكل مخلص للتوجيهات الروسية.
ولكن لروسيا بالطبع حيّزاً من التأثير على الأسد، رغم تحفظ الأخير على مناقضة بوتين بشكل صريح، كما أنَّ وسائل الإعلام السورية الحكومية لا يمكنها أن تجاهر صراحةً بمحبة روسيا على رؤوس الأشهاد – فمن الواضح اهتمام النظام بإدخال السرور على قلب روسيا التي تشكل راعياً قوياً له. ومن المعتقد على نطاق واسع بأن روسيا هي من يقف خلف قرار الأسد بالقبول على مضض بالتفاوض على أساس مبادئ (جنيف 1) المذكورة أعلاه. ولا يبدي الرئيس السوري وحليفه الإيراني راحتهما إزاء الرؤية التي تتضمنها (جنيف 1) المتعلقة بتشكيل حكومة وحدة، ولكن الأسد انصاع لمطالب موسكو الخاصة بهذه النقطة، وقد أشار لافروف علناً إلى أن الأمر تطلَّب بعض الجهد لإقناعه.
ومع ذلك فهناك بون شاسع بين إقناع الرئيس السوري على أن يقبل شفوياً بإطار عملي نظري للمفاوضات المستقبلية، وإقناعه بالتخلي عن احتكار عائلته للسلطة السياسية لعقود خلت. وحتى وإن مضت روسيا قدماً في تجريد الأسد من أي نفوذ حقيقي، فإن الجواب الوحيد الذي من المرجح أن تحصل عليه هو الرفض المدوي.
فوفقاً للدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، الذي كان المبعوث الأممي السابق قبل دي ميستورا، فقد قال لافروف ساخطاً ذات مرة، إن لروسيا تأثيراً قليلاً على الأسد، وهو يماثل التأثير الذي تملكه الأمم المتحدة على إسرائيل. وبالفعل، فقد حدث في كلا الحالتين – وعلى الرغم من اختلاف الأسباب – تحول في موازين النظام المتعارف عليه لسياسات القوة، حيث تقوم بموجبه الدول الصغيرة التابعة بجر رعاتها من القوى العظمى إلى دائرة الصراع، وتقوم في الوقت نفسه بممانعة ضغوطها من أجل التوصل إلى تسوية.
وتستطيع روسيا بالطبع أن تضغط على الأسد، كما يستطيع بوتين أن يقرر التخفيف من دعمه له، وهو يعرف بأن الأسد يعتمد على ذلك الدعم ليدرأ خطر الثوار، كما يمكنه أن يقوّض سلطة الأسد عبر السماح باتباع لهجة أشد في مجلس الأمن، أو بالنأي بنفسه علناً عن نظام الأسد، أو بالاعتماد على حلفاء سوريا الآخرين، كما يمكنه أيضاً أن ينهك القوة الاقتصادية والعسكرية للأسد، عبر إيقاف تقديم البضائع والأسلحة والذخيرة أو قطع الغيار، أو من خلال سحب الخبراء العسكريين وضباط الارتباط والمستشارين.
وفي حال حدوث أي من تلك الاحتمالات على نطاق واسع يكفي لإحداث التغيير، فلن يكون لدى الأسد خيار سوى أن يقوم برد فعل بطريقة معينة، لأن من شأن ذلك أن يتسبب بضربة موجعة مباشرة للنظام. ولكن بالنظر للحالة البائسة للجيش السوري والقاعدة الاقتصادية المتدهورة للأسد، فإن أي تصرف من شأنه أن يلحق الضرر بشكل فعلي بالحكومة في دمشق، أو سيؤدي لفقدان داعمي الأسد لثقتهم بمستقبله، وسيكون لذلك مخاطر على روسيا على حد سواء. وإذا سقط الأسد وانهار نظامه، فإن آمال موسكو لوضع نهاية للعبة في سوريا ستذهب أدراج الرياح.

التأثير الإيراني المعاكس
كما أن روسيا تواجه مشكلة المنافسة مع إيران، فالدعم الروسي للأسد كان قيّماً بالتأكيد، ولكن الأمر ينطبق أيضاً على الدعم الإيراني، فمن غير المرجح أن يقوم أي من هذين الحليفين التاريخيين للأسد، بالهيمنة على الرئيس السوري عندما يتعلق الأمر بالمصالح الجوهرية للنظام، ولكن من ناحية التأثير، يبدو أن معظم المراقبين يرون بأن إيران لديها أوراق أكثر مما لدى روسيا.
ويعزى سبب ذلك جزئياً إلى أنَّ إيران متناغمة أكثر مع السياسات الخاصة للأسد، فخلافاً لموسكو، ليس من المعروف أن إيران قد ضغطت على الأسد لقبول مبادئ (جنيف 1)، وقد أبدى الإيرانيون حتى الآن اهتماماً قليلاً في محاولة هندسة تسوية جدية. والأدهى من ذلك أنه في الوقت الذي ترسل فيه روسيا بشكل أساسي دعماً جوياً وتسعى للحصول على دفعات مالية مقابل ذلك، فإن إيران قد زجَّت بنفسها في المعركة وأثبتت رغبتها في أن تنزف لتنقذ النظام السوري. وفي مواجهتها لعقوبات الأمم المتحدة الشديدة وأسعار النفط المتدهورة، استمرت الحكومة الإيرانية في البذخ بالمليارات على حليفها السوري عبر إرسال شحنات النفط والمساعدة المالية والتقنية والعسكرية، وتعبئة المقاتلين من المتطوعين الشيعة. وأسبغت إيران مؤخراً في 19 مايو/أيار، من أموالها على الأسد، ووقَّعت له على فتح خط ائتماني آخر بقيمة مليار دولار أمريكي. ومن المرجّح أن ينحسر الضغط على الاقتصاد الإيراني مع التخفيف المتوقع للعقوبات بعد الاتفاق الدولي الأخير الخاص ببرنامج إيران النووي، مما يضمن استمرارية ذلك الدعم للأسد.
كما يُعتَقَد على نطاقٍ واسعٍ بأن إيران ستمسك بقبضة أكثر قسوةً على مجريات الأمور في داخل دوائر النخبة الحاكمة السورية، ففي حين ترتبط الحكومة الروسية بشكل رئيسي مع المؤسسات الرسمية في سوريا – مثل وزارة الدفاع – فقد دخلت إيران في لعبة أكثر تعقيداً تتضمن في محاورها شبكة كثيفة من العلاقات على مستوى النخبة الحاكمة والرعاية المباشرة للوحدات العسكرية المسلحة، إذ يعمل مستشارو طهران وقواتها الخاصة والميليشيات الموالية لطهران في كافة ميادين المعارك، وقد باشرتْ إيران بدرجة ما إعادة تشكيل المؤسسات الأمنية السورية وفق نمطها الخاص. ويمكن القول بعبارة أخرى إنه في الوقت الذي يقف فيه مبعوثو روسيا خارج “الصندوق الأسود” للنظام السوري، ناظرين إليه ومحاولين فهم ما يدور داخله، فإنه يبدو بأن الإيرانيين قد ولجوا داخل الصندوق بطريقتهم الخاصة.
وقد تكون هذه النظرية، التي تلقى رواجاً واسع النطاق، نوعاً ما من التنميط، فالمعارضة السورية مغرمةٌ حتى الثمالة بنظريات المؤامرة المرتبطة بالزمرة العلوية-الشيعية، كما أنها قادرة جداً على صناعة الإشاعات حولها. بل إن المراقبين الموجودين خارج سوريا قلّلوا على نحو متضارب من شأن متانة النواة الداخلية الصلبة للحكومة السورية، وكذلك من قبضة النظام الداخلية الشديدة، ولكن دعم إيران، الذي يبيح كل شيء، ينبئ عن كون دمشق إحدى أولويات إيران، وأنه يجب على دمشق تقدير هذا المستوى من الالتزام الإيراني.
ويبدو الأسد، بعد أربع سنوات من الحرب، أكثر تمسكاً بطهران من تمسكه بموسكو، وإذا ما حاول أحد هذين الحليفين أيضاً أن يمضي بمفرده وأن يتخلى عنه، فإنه قد يستند على الحليف الآخر للحصول على الدعم. وطالما أن روسيا وإيران تدركان ذلك، فإنّه من غير المرجح أن تسمح تلك الأطراف بحصول فجوة بينها.
وربما يكون فلاديمير بوتين قد ضاق ذرعاً إلى حد كبير بدعمه لبشار الأسد، الذي لا يبدو أن لديه خطة واقعية، أو حتى الرغبة في تسوية النزاع سياسياً. وبالرغم من أنهما يبقيان حليفين قريبين، فإن هذا التعنّت يبدو متعارضاً بشكل واضح مع رغبة روسيا في تهدئة الحرب إلى حد ما، وأن تحاول بتعاملها المنفرد أن تجبر الرئيس السوري على تسليم بعض من صلاحياته لمصلحة إحلال السلام، ومع ذلك فلدى الكرملين خيارات محدودة جداً. وسيفضل قادة الكرملين بالتأكيد الاحتفاظ بالأسد كأكثر زبون يسبب لهم المتاعب، بدلاً من الدفع به من طرف واحد بشكل عنيف بحيث يخرج من دائرة فلَك موسكو، أو حتى من السلطة نفسها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.