ديمستورا وكوم الحجارة


محمد صبرا

أثناء مناقشات مجلس الأمن لاستقلال سورية في نهاية عام 1945، احتدم النقاش بين فارس بك الخوري والمندوبين الفرنسي والبريطاني، حيث قالا أن انسحاب القوات الأجنبية الفرنسية والبريطانية من سورية قد يعقبه اقتتال داخلي بين السوريين، يومها ضحك فارس بك الخوري وقال لأعضاء مجلس الأمن سأحكي لكم هذه القصة: ” كان هناك رجل يسير في شارع مظلم وفجأة رأى كوم كبير من الحجارة وفوقه فانوس، سأل الرجل أحد الواقفين بجانب كوم الحجارة، لماذا تضعون هذا الفانوس في هذا الشارع الجانبي، رد قائلا ختى يتمكن الناس من رؤية كوم الحجارة فلا يصطدمون بها، ثم سأله ولكن من الذي وضع كوم الحجارة ولماذا، أجاب الرجل الواقف: نحن وضعناها كي نثبت الفانوس فوقها “.

إن قصة فارس بك الخوري لمجلس الأمن ما تزال هي قصة السوريين مع المجتمع الدولي والتي توضحت البارحة بشكل فج من خلال تقرير الإحاطة الذي قدمه السيد استيفان ديمستورا أمام مجلس الأمن.

فالسيد ديمستورا اقترح خارطة طريق للاتفاق على تفسير لبيان جنيف يمكن السوريين من تطبيقه، ومن وضع بيان جنيف يا سيد ديمستورا ..؟ الأمم المتحدة طبعا ..! ولماذا وضعتم البيان بهذا الغموض ..؟ حتى نتمكن من وضع خارطة طريق لكم لتساعدكم على تفسير البيان ..!! هذا حوار افتراضي لكنه واقعي وحقيقي ايضا وهذه هي مشكلتنا كسوريين مع المنظومة الدولية برمتها.

السيد ديمستورا في تقريره قام بعملية تزييف كامل للواقع السوري، حيث أنه ذكر وبشكل اساسي المعانة الإنسانية في سورية، وكأنها ناتجة عن حادث طبيعي أو بيئي أو جائحة مرضية، لم يذكر السيد ديمستورا سبب هذه المعاناة الأساسي وهو أن السوريين طالبوا بالحرية والكرامة وأن هناك طغمة حاكمة ردت عليهم بالحديد والنار واعتقلت عشرات الآلاف وقتلت مئات الآلاف وشردت الملايين، لقد تجاهل جوهر القضية السورية متعمدا  واكتفى بجملة واحدة في تقريره المؤلف من خمس صفحات قال فيها بالحرف: ” إن بعض السوريين يرون ما يحدث في بلادهم مرتبطا بالربيع العربي “.

لم يكن السيد ديمستورا جادا في البحث عن حل، ولم يمتلك الجرأة الأخلاقية ليقول أن الطغمة الحاكمة في دمشق ما زالت ترفض الحل السياسي وما زالت ترفض تشكيل هيئة الحكم الانتقالية، بل إنه قال ما هو أسوأ من ذلك عندما ذكر: ” أن بعض جماعات المعارضة السياسية والمسلحة ترفض عموما أي فكرة لتقاسم السلطة مع الحكومة الحالية في دمشق، وقد قبلت الحكومة السورية من الناحية النظرية لمناقشة هيئة الحكم الانتقالي في مؤتمر جنيف الثاني لكنها ما زالت تعتبرها هيئة غير دستورية ” في هذا الفقرة التي أوردتها يضع ديمستورا اللوم على بعض جهات المعارضة ويبرئ الطغمة الحاكمة من اي عمل لعرقلة الحل السياسي، وهذا مجاف للحقيقة التي يعلمها الجميع وأولهم السيد ديمستورا والسيد الابراهيمي والسيد كوفي عنان، هذه الحقيقة التي تقول وبشكل واضح إن المأساة السورية ناتجة بالدرجة الأولى عن رفض بشار الأسد للتنازل عن السلطة وليس لأي سبب آخر.

لقد حاول السيد ديمستورا تضييع جوهر القضية السورية وتحويله من ثورة شعبية ضد نظام مستبد إلى نزاع سياسي بين السوريين جميعا، لقد ردد جملا كثيرة تقول أن السوريين لم يتفقوا، وليس لديهم رؤية موحدة وأن الحوار ضروري بينهم لتعميق فهمهم لبعض المسائل …..هنا يحاول السيد ديمستورا الهرب من تحميل المسؤولية لأطراف بعينها عبر الكلام عن السوريين، هكذا بشكل جمعي وغامض، حتى خطته التي اقترحها والتي تتضمن أربع مسارات يكون لكل مسار مجموعة عمل، لم يحدد لنا من سيشكل مجموعات العمل ومن هم السوريون الذين سيعمقون الحوار بينهم وعلى أي اساس ووفق أي ضمانات، علما أن المسارات الأربعة التي اقترحها، هي جدول أعمال مفاوضات جنيف التي جرت في مطلع عام 2014 وجدول الأعمال هذا قدمه السيد الأخضر الابراهيمي في الجولة الثانية من المفاوضات ورفضه وفد النظام بالكامل، ولهذا السبب استقال السيد الأخضر الابراهيمي وعلق المفاوضات.

الفارق بين جدول الأعمال الذي اقترحه الابراهيمي والذي وافقت عليه المعارضة وبين خطة ديمستورا هو أن ديمستورا يريد تفتيت القضية السورية وتحويلها لمسارات منفصلة بحيث يسير كل مسار على حى وبمعزل عن المسارات الأخرى، وهذا يعني هدر كل تضحيات السوريين وتحويل قضيتهم لمجرد نزاع مجتمعي بين عناصر الأمة.

حتى قضية محاربة الإرهاب التي اعتبرها السيد ديمستورا أنها تشكل الأرضية المشتركة بين الأطراف جميعا، فإن هذه القضية نفسها هي نتاج طبيعي للجرائم التي ارتكتبها الطغمة الحاكمة وللسياسات التي اتبعتها هذه الطغمة منذ بداية الثورة وحتى الآن.

لقد اعتبر السيد ديمستورا في تقريره أن المشكلة هي في غموض بيان جنيف وعدم اتفاق السوريين على تفسير موحد له، وكان بالأحرى أن يقول الحقيقة وهي أن المشكلة هو مصير بشار الأسد وليس غموض بيان جنيف، علما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي قرارها رقم 262/67 تاريخ 15 ايار عام 2013 قد بينت بالفقرة 28 منه أن هيئة الحكم الانتقالي كاملة السلطات التنفيذية تعني سلطات الحكومة والرئيس معا وهذا تفسير ملزم لأنه صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي فوضت ديمستورا بمهامه ليطبق قراراتها.

لقد تضمن تقرير ديمستورا خيبة أمل للسوريين الذين كانوا ينتظرون كلمة حق تنصفهم، ولكن يبدو أن كوم الحجارة ما زال يسد الطريق وما زالت الأمم المتحدة تضع لنا الفانوس لنرى كوم الحجارة الذي وضعته أمام مستقبل السوريين.

217 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *