عندما تقف الثورة السورية بوجه المرأة!

0

4864470086_1364de3953_b-660x330

لوحة “المـلاك الجريـح”: للفنان الفنلندي هوغـو سيبمبـيرغ، 1903

من يجرؤ اليوم على القول بأن واقع المرأة السورية يسرّ الخاطر؟ بل من يجرؤ على القول بأن الثورة نفسها لا تزال قادرة على حمل أبنائها وبناتها، نحو مستقبل الحقوق والكرامة والحرية والعدالة الذي انطلقت لأجله الثورة؟ من يستطيع اليوم، القول بأن ذاك الأمل الذي غمرنا لحظة إشعال شرارة آذار 2011، لا يزال مُتّقداً إلى الآن؟

لم يعد يخفى على أحد، بأن الفرح الذي خيّم علينا، عبر استعادة المرأة للمبادرة ومشاركتها الفعالة في المظاهرات والإعلام، أزاحه جنوح الثورة إلى السلاح المنفلت، وهو ما سهّل إعادة المرأة تدريجياً إلى مربّع التقوقع والخوف والهروب من المواجهة، تارة عبر الاعتقال والاغتصاب والتعذيب والإذلال داخل سجون الأسد، وتارة أخرى عبر الخطف والقتل والبيع والسبي على يد مجموعات لا يكفي القول بأنها خارجة للتو من كهوف التاريخ، لندرك مدى بشاعتها وإجرامها ومدى تحطيمها لأبسط عموم حقوق السوريين، وبتحديد أكبر المرأة.

كذلك، ساعد النزوح الكبير للأسر السورية نحو مخيّمات اللجوء داخل سوريا وفي البلدان المجاورة، كل شذّاذ الأرض وتجّار الثورة ومتعهّديها على استغلال العوائل السورية اقتصادياً، فحصدت المرأة فيها جلّ الأوجاع وتحولت ـ بكل أسف ـ إلى سلعة مقايضة، ستحصد البنية الأساسية للمجتمع السوري نتائجها المروّعة بعد سقوط النظام.

مؤخراً، ومع حلول عيد الفطر، أتحفتنا وسائل التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو، يظهر فيه تاجر سوري (ثوري طبعاً ومن الغيورين على الدين الحنيف!)، في مكتب فخم، تقف أمامه امرأة سورية ترملت خلال الثورة بجانب ابنتها الصغيرة، 15 عاماً، حيث تشكو للسيد التاجر ضعفها وجوعها وفقرها وخوفها، بينما سيادته، وبمنتهى الحرفية والبذاءة ـ كان يتاجر بآلامها ومعاناتها ومعاناة أطفالها، وهو يطلب منها أن تقرأ صدقته التي سيمنحها إياها بيده اليمنى لتعلم بها يده اليسرى وكل أمم الأرض!.   

هذا الفيديو، وقبله الكثير من قصص زواج القاصرات السوريات التي انتشرت في مخيمات اللجوء، يجعلنا نقف أمام مشهد بانورامي يختصر السنوات الأربع والنصف الماضية، بتمامها وكمالها، ويجعلنا ندرك أن ما خرجت ثورتنا لأجله في إعلاء صوت المرأة ضد العنف والإذلال، وتحقيق العدالة والمساواة والكرامة والحرية التي غيّبها نظام الأسد عن السوريين لأكثر من نصف قرن، غابت أيضاً عن الثورة وأهلها!.    

هذا الفيديو يجعلنا أمام تساؤلات موجعة لا تقبل الإجابات عليها أي تأويل، وهي أنه هل كان يمكن لهذا التاجر وغيره من أمراء الحروب أن يمارسوا بشاعتهم على هذه المرأة وغيرها من بناتنا، لو اشتغلت قادة المعارضة على تغيير ثقافة المجتمع وقاعدته الفكرية بالتزامن مع تفكيرهم بإسقاط نظام الأسد؟، هل كان سيجرؤ ممّن اغتنوا على حساب الثورة، بالتفكير في استغلال أي مواطن سوري أو امرأة سورية لو كان لدينا حلماً بإيجاد مؤسسة تحمي الوعي الجمعي للمرأة السورية وتجعلها مستقلة مالياً ومعيشياً ـ على الأقل؟!… هل كان يمكن لأحدهم أن يقرر مستقبل امرأة لو اشتغلنا على التأسيس لمنظمات اجتماعية تفرض سطوتها على المجتمع الذكوري وتمنعه من فرض سطوته على سيدات سوريا، وتحميهن من الارتهان لأمثال هؤلاء الأشخاص واستعراضاتهم المُمنهجة؟!.

لو فكر الصفّ الأول في المعارضة السورية أن تؤسس جمعيات مجتمع مدني تنشر الوعي في مخيمات بلدان اللجوء، هل كان سيتم السماح بزواج القاصرات السوريات بهذه الطرق المهينة لكل المعايير الإنسانية؟!.. هل كان سيُسمح أصلاً لعصابة الأسد بأن تحتفظ بهذا الكم الهائل من نساء سوريا داخل سجونه؟! لو استطعنا إيجاد مؤسسات ولوبيات قوية تستقطب الرأي العام الغربي مع الثورة، ألم يكن هذا أجدى من وعود معارضتنا الهزيلة بأن الأسد سيسقط خلال أسبوعين أو ثلاثة قبل أربعة أعوام ونصف!.  

لم تفكر قيادات المعارضة، في تقوية وحماية الأسرة السورية، بقدر ما فكرت بإسقاط هرم السلطة للجلوس مكانه، وحتى في هذه سقطت ولم تستطع أن تقدم خطاباً يقنع الشارع السوري قبل غيره من أمم الأرض. لكن من أين لها هذا الحضور وهي لم تتمكن من أن تصبح بديلاً للنظام حتى في توفير خدمات اللاجئين الأساسية، فكيف إذا تحدثنا عن خلق مؤسسات ترفع مستوى الوعي الجمعي للشعب السوري.

جميعنا يعلم أن المرأة في عهدي الأسد (الأب الابن) لم تخرج عن دور الكومبارس أو الديكور في تصدّرها لواجهة مؤسسات النظام، لكن في المقابل ومن المعيب أيضاً، أننا جميعاً ندرك مدى التهميش والاضطهاد والخوف والاستغلال الذي تعيشه المرأة خلال السنوات الأربع والنصف الماضية، بوصفه واقعاً طبيعياً لها ولا حاجة لتبديله.

إذا اتفقنا على أن تطور ورقي المجتمعات تقاس بدرجة التطور الثقافي والاجتماعي للمرأة ومساهمتها الفعّالة في البناء الحضاري، فإنه من واجب الثورة أن تصل بنا إلى هذا المستوى من الوعي الإنساني والفهم المستقبلي لأسس التربية الإنسانية الصحيحة البعيدة كل البعد عن الأيديولوجيات المعلّبة.

أليست الثورة بمفهومها الجذري فرصة للشعوب الثائرة كي تعيد إنتاج مجتمعها، وتعيد تأهيل ثقافتها لتبنيها من جديد بما يحقق المصلحة العليا لأبناء بلدانها؟ لا شك، أنه وخلال مسيرة الثورة برزت أسماء نسائية سورية كبيرة، سخّرت كل إمكاناتها الفردية والفكرية من أجل الحث على العمل المؤسساتي والمجتمع المدني، واشتغلت على مبادرات عديدة لخلق هذا الصوت داخل الثورة، لكن بكل تأكيد إن لم يتم العمل على مأسسة هذه المبادرات، لتلامس الحياة اليومية والمشاكل العديدة للنساء، فهذا سيظل تأثيره محدوداً ولا قيمة له، عدا عن ذلك، سنظل نصطدم بمشاهد فيديو تلقي بظلالها على واقع امرأة تنهار أمام أعيننا دون أن نفعل شيئاً سوى التباكي والعجز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.