نحن لا نكتب بل نتكلم


رشا عمران - المصدر: العربي الجديد

 

349 (91)
قبل أيام، كتب صديق مثقف سوري، تعليقا على منشور لي على صفحتي على “فيسبوك” ما معناه: “الفكرة المطروحة في المنشور جديرة بالمناقشة، غير أنه من غير اللائق أن تستخدم شاعرة اللغة العامية، بدلا من الفصحى”. تحدثت في المنشور عن وجهة نظري بشأن حدث سياسي سوري طارئ، ولوهلة أحسست أن الصديق أساء لي بنقدي علنا هكذا فتجاهلت تعليقه، ولم أرد. لاحقاً، وبعد تفكير، وجدت وجهة نظره حول اللغة أيضا جديرة بالمناقشة، وأن نقده عاميتي لا يسيء لي كما أحسست لحظتها، إذ قرأت نقد كثيرين استخدام العامية في منشورات “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، يعتبرونه هدماً لآخر ما تبقى من ملامح الهوية القومية، فالعربية الفصحى الرابط الوحيد الباقي بين العرب، بعد أن هدم الاستبداد والحروب والفقر والجهل والعولمة الروابط الأخرى؛ وسادت الشوفينية، الدينية والمذهبية والعشائرية، لتحل محل الهوية العربية بمقوماتها الجامعة. ربما كان هؤلاء محقين في وجهة نظرهم، فاللغة يمكنها أن تكون هوية حقيقية للمجموعات البشرية التي تفتقد الهوية الوطنية، والتي تعيش في ظل دول فاشلة بلا حاضر وبلا مستقبل واضح لها، فكيف الحال إذا كانت هذه الدول قد بدأت بالتفكك والتفتت والتجويف والتفريغ والهدم المزدوج، المادي والمعنوي؟ غير أن التعبير باللغة المحلية العامية قد يكون أسهل وأكثر قدرة على إيصال الفكرة المطروحة، خصوصا وأن صفحاتنا على “فيسبوك” لا تقتصر على النخب والمثقفين والمختصين، بل هي عامة أو شبه عامة. وأحياناً، لا تستطيع اللغة الفصحى إيصال فكرة ما قد تتضمن بعض السخرية أو النقد الخفي، أو أحياناً شتيمة مضمرة، فتكون العامية بديلا مناسبا، خصوصاً أن ثمة لهجة بيضاء، يكتب بها عرب كثيرون، هي مزيج من الفصحى والعامية المحلية لكل بلد. وبالتالي، هي مفهومة من الجميع، ولن يجد عربي نفسه غريبا عنها. من جهة أخرى، نحن نتعامل مع صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي، كما لو كانت بيوتنا أوغرفنا الشخصية التي نستقبل بها أصدقاءنا، فنكتب على حيطان صفحاتنا كما لو كنا نتحدث، كما لو أننا جالسون وسط مجموعة من الأصدقاء. نتكلم عن كل شيء، نتناقش في السياسة والثقافة والفن والاقتصاد والدين والمجتمع والحب والجنس والصداقة والعائلة والطعام والشراب. نتحدث عن هواجسنا وعن مخاوفنا وعن يومياتنا كلها، عن صباحاتنا وعن مساءاتنا وعن حنيننا وعن آخر قراءاتنا. نتفق ونختلف ونشتد في الخلاف، وقد يشتم أحدنا الآخر، وقد نتحالف مجموعة ضد أخرى، وقد نضحك وقد نبكي، وقد نتبادل الأسرار، وقد نسخر ونطلق العنان لنكاتنا. نفعل هذا كله في لقاءاتنا الواقعية، ولا نستخدم اللغة الفصحى، إلا حين نقرأ نصاً أدبياً أو مقالا صحفيا، كل ما عدا ذلك نمارسه بلهجاتنا المحلية، وأحيانا بلهجاتنا المغرقة في محليتها. “فيسبوك” عالم بديل، نفترض به واقعا يوميا فقده معظمنا. لهذا، ربما نتعامل معه كما لو كان واقعا لا افتراضاً. ولكي تكتمل صورة الواقع، يجب أن تكتمل أدواته وشروطه. الكلام وعاء هذا الواقع، وهو أداته الأولى وشرطه الأهم، به تكتمل دائرة إنتمائنا للجنس البشري، وبه نقدم أنفسنا للآخرين. الكلام نافذتنا في البيت الذي ولدنا فيه أو نشأنا فيه. النافذة جزء من البيت، تشبه كل ما فيه، ونادرا ما تكون مفترقة عنه. في حياتي اليومية، أتحدث باللغة واللهجة التي كان يتحدث بها والداي، أو باللغة أو اللهجة التي اكتسبتها لاحقاً، هي نفسها التي يتحدث بها كل المحيطين بي، مهما كانت مهنهم وثقافاتهم ومستوياتهم الاجتماعية. مهنتي هي الكتابة، وللكتابة شروطها اللغوية، أحاول إتقان هذه الشروط قدر استطاعتي، والتزم بها إلى الحد الأقصى. ليست صفحتي على “فيسبوك” المكان الذي أمارس فيه مهنتي، هي مكان أعيش فيه مع آخرين، وأتواصل معهم بالكلام، لا بالكتابة. جدران “فيسبوك” ليست دفترا ولا كتابا ولا صحيفة، ونحن لا نكتب عليها. نحن نتكلم كلامنا اليومي، وجدران “فيسبوك” هي واسطتنا عند آخرين يشبهوننا.

 

15 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *