أي نوع من الكائنات نحن؟

0
حسبت، للوهلة الأولى، في زحمة الأحداث الجارية وتداعياتها في منطقتنا، وغيرها من مناطق العالم، أن كتاب المفكر الأميركي، نعوم تشومسكي الجديد “أي نوع من الكائنات نحن؟” هو تبصّر في حال الإنسان، والتوحش والهمجية اللتين وصل إلى مراحل متقدمة من ولوجه فيهما. وأنه سيكون مساهمة، جاءت في الوقت المناسب، في فهم هذا الكائن المسمى “بشرياً”، استناداً إلى ما يجري في العالم من حروب ونزاعات، وهو الخبير في السياسة الأميركية وتجلي ممارستها دولياً في صراعات تصب في مصلحة الطبقة السياسية الأميركية، وتستخدم لإدامتها كل المحظورات، خصوصاً وهو ذو النظرة المختلفة عن نظرة التيار الفكري الذي تكرسه وسائل إعلام التيار السائد في بلاده، وفي دول غربية كثيرة. لكن، تبيّن أن الكتاب الذي يصدر في ديسمبر/كانون أول المقبل دراسة للإنسان، من منطلق علم الألسنية الذي يعتبر الكاتب رائداً فيه، غير أن الحقل الذي يخوض فيه الكتاب لم يمنع من خوضنا في حقل يبحث في الحال الذي آل إليه هذا البشري، وضمن أي صنف من الكائنات، تدفعنا أعماله إلى تصنيفه فيه.
تعتبر الحروب والخطط التي توضع لتنفيذها، إخراجاً للإنسان من إنسانيته التي وصل إلى الشكل العاقل منها في أواخر مراحل تطوره التي استمرت عشرات آلاف السنين. وهي إسهام في إعادته إلى وحشيته وبدائيته الأولى، عند إجبار أبناء هذا الجنس على قتل أقرانهم، لأسبابٍ، إن جرت مراقبتها بحيادية من فوق، ستتبين إمكانية حلها، لو استخدِم العقل الفارق للإنسان عن بقية الكائنات. وإن كان استخدام القنابل النووية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية يعتبر قمة هرم توحش هذا الإنسان، فإن استخدامه، فيما بعد، أساليب قتل أخرى أقل فعالية، وخوضه حروباً مستمرة في الاشتعال منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لا تنزل به كثيراً عن تلك القمة.

وقد أريد لمنطقتنا ألا تشهد استقراراً، وأن تكون مركز تجارب لحروب الدول الغربية، ومكباً لأسلحتها شبه المنتهية الصلاحية، جرى التوافق على تنفيذ جريمة إقامة إسرائيل فيها. وحيث لم يضر وجود إسرائيل سوى بالشعوب العربية المجاورة لفلسطين، والشعب الفلسطيني بطبيعة الحال، واتخذ الحكام خطرها مبرراً لوقف عمليات التحول الديمقراطي والتنمية الحقيقية في دول المنطقة جميعها. وعوضاً عن مواجهتها، وفرض الحلول الدولية عليها، باركت الأنظمة العربية جرائم إسرائيل بحق الشعوب العربية وحروبها المتكررة والدورية على الشعب الفلسطيني، لتغذية الخوف المتأصل في لا وعي هذه الشعوب، وبالتالي استمرار رهن مستقبلها بيد الحكام، علاوة على السماح لإسرائيل الاستمرار بحروبها وجرائمها المعتادة.
ومن هنا، نجد أن ما جرى في منطقتنا من مواجهة لثورات الربيع العربي ومحاولة لوأدها بتلك القوة التي ووجهت بها، وحرفها عن مسارها، وجعل البلدان التي قامت فيها تدخل في حروب تمارس فيها الفظاعات، هو تجلٍّ لاستمرار وحشية هذا الإنسان. حيث تقوم الأجهزة في هذه الدول بإلغاء منهجي لعقل أبنائها بوسائل كثيرة، مستخدمة الإعلام والقمع والترهيب، كي تتمكن من قيادتهم وتوجيه قوتهم لضرب إخوتهم من قوى المعارضة. وهي عملية قد يعرف القائمون عليها، أو لا يعرفون، أنها يمكن أن تودي ببلدانهم إلى مرحلة التوحش التي لا يمكن أن تكتمل، إلا إذا تكلل الحاكم فيها سائداً، مطلقاً، متأبداً تعينه جوقة تتكرر لديه كما تكررت لدى مستبدين سبقوه، حيث لا يمكن لكثيرين فيها أن يقبلوا بأقل من تنصيبه رسولاً مختاراً من الله الذي وحده يعلم جنوده، على طريقة سعد الدين الهلالي في تنصيبه عبد الفتاح السيسي رسولاً إلى المصريين.
ويبقى أن خللاً قد صبغ زمن المجازر بعلامة فارقة. خللٌ جعل زمناً يمارس فيه القتل الجماعي، مدعماً بحكم قانوني صدر علناً، على خلاف ما سبق من مجازر. إذ يعد الحكم بإعدام 529 شخصاً من معارضي انقلاب العسكر في مصر، الذي صدر عن محكمة جنايات المنيا في مارس/آذار من العام الماضي، عمليةُ مأسسةٍ لتنفيذ المجازر بتغطية قانونية، وإقرار من سلطات حاكمة وقضاء وسلطة دينية. فتنفيذ المجازر في تاريخ البشرية لم يكن يجري بحكم قضائي، أو على الأقل بقرار علني، إذ دائماً ما كانت توصف بأنها جرت بسب عدم التزام فصيل من القوى المحتلة أو الغازية بالأوامر المكلفة بها، وتفلتها من التعليمات المعطاة إليها، وتنفيذها بشكل فردي، مجازر يعاقب عليها القانون الدولي. لكن المجزرة هذه المرة استندت إلى القانون، وإلى تعليمات الحاكم. وطبعاً يجري ذلك كله بغض النظر عن الحرب التي شنها السيسي وفريقه الحاكم على الشعب، حتى بات يسجن أشخاصاً بتهمة النية على التظاهر، وهي سابقة تسجل للسيسي العارف ببواطن مواطنيه، وما يخفون.
ما يمارس في العالم العربي ودول كثيرة من انتهاك لكرامة الإنسان وتحقيره وقتله، أو جعله قاتلاً، تعود بالإنسان إلى ما قبل عصر النهضة الذي جعل أوروبا تقطع مع ماضيها، وغلَّب سيادة العقل وانفتاحه وقبول الآخر والإقرار بوجوده عوضَ إلغائه. وهو ما توقف عليه تطور أوروبا وساهم في وصولها إلى ما هي عليها من تقدم وفرادة عن بقية دول العالم. ويقال إن ارتقاء الإنسان من حالته البهيمية التي عاش فيها مئات آلاف السنين إلى حالته الإنسانية استغرقت عشرين ألف عام من زمن تطوره، إلا أن اللافت أن انحداره إلى حالة البهيمة لا يستغرق منه وقتاً طويلاً.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.