تونس والإرهاب… حرب غير مرئية

العربي الجديد

تبدو مظاهر الحياة في تونس عادية؛ أيام صيفية تتكثف فيها الأعراس والمهرجانات ليلاً، فيما تزدحم الشوارع والشواطئ نهاراً، بالتونسيين والليبيين والجزائريين الذين تدفقوا بأعداد كبيرة على تونس، وبعض السياح الأجانب الذين أصرّوا على البقاء على الرغم من تحذيرات حكومات بلداهم ودعواتها الى مغادرة البلاد.

لكن خلف هذه المظاهر العادية، تجري حرب متكاملة الشروط تخوضها الحكومة التونسية، على خلفية الاعتداءات الإرهابية التي تضرب البلاد الواحدة تلو الأخرى.

وجاء إعلان تمديد الطوارئ شهرين إضافييْن، ليؤكّد أن الحكومة التونسية مصرّة في مسعاها على محاربة الإرهاب، على الرغم من الانتقادات الواسعة التي لقيها قرار تمديد الطوارئ. وهو ما أكّده رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد، خلال حواره مع “العربي الجديد”، حين أشار الى أن الشهر الأول من الطوارئ “كانت فيه إيجابيات كثيرة”، وأن “مصلحة البلاد العليا أهم من بعض الحريات”، والأولوية المطلقة، اليوم، هي محاربة الإرهاب، التي تقتضي تجنيد كل الإمكانيات.

وجاء مشروع قانون المالية التكميلي المعروض على مجلس نواب الشعب منسجماً مع المسار الحكومي، إذ أشارت أولى أسطره الى العمل على مقاومة الإرهاب، خصوصاً بعد اعتداءي باردو وسوسة، بإعطاء الأولوية المطلقة للجانب الأمني، وذلك بتدعيم قدرات وجاهزية الجيش الوطني وقوات الأمن والديوانة “من خلال الترفيع في الاعتمادات المخصصة لها بـ 306 ملايين دينار تونسي (حوالي 150 مليون دولار)، أي ما يمثل زيادة بـ 35 في المائة من ميزانياتها الأصلية، وحوالي 17 في المائة من حجم ميزانية التنمية الإجمالية علاوة على الترخيص الاستثنائي لانتداب حوالي 2500 عون (عنصر أمن) إضافي لفائدة الأمن العمومي”، بحسب ما جاء في مشروع القانون. وتقتصر هذه الإجراءات على ما تبقى من هذا العام، وسيحمل قانون مالية العام المقبل، إجراءات أكبر بالتأكيد.

في المقابل، تجد تونس دعماً دولياً متزايداً، بعدما ظل خجولاً في السنوات الأخيرة. ويبدو أنها وجدت “حليفاً جديداً وقوياً” يدافع عنها بكل ضراوة في بروكسيل، والمقصود هنا ألمانيا التي أزاحت حليف تونس التقليدي “فرنسا الفقيرة” من المشهد، وتوقفت لإقناع الاتحاد الأوروبي بمنح تونس 100 مليون يورو. واعتبرت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليان، التي زارت البرلمان التونسي، منذ أيام، أن “حكومتها تعتبر أن من مسؤوليتها تقديم الدّعم لتونس، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الأمني، وستكون الأولوية حماية الحدود”.

وأضافت الوزيرة الألمانية إلى أن “التعاون في مجال السياسة الأمنية مع تونس، يعتمد على أسس متينة”. مشيرة إلى تلقي حوالي 400 عنصر من القوات المسلحة التونسية تدريبات في ألمانيا.

و قالت، إن برلين بصدد دراسة كيفيّة دعم تونس في تأمين حدودها مع ليبيا التى يبلغ طولها 600 كيلومتر، وهي مسألة ذات أولوية، إضافة الى دعمها لتطوير قدراتها العسكرية. وأكّدت أنّ “ألمانيا ستقدّم لتونس حوضاً عائماً لصيانة القوارب وزوارق الدوريات وخمس شاحنات صغيرة”. مشيرة الى أن “ألمانيا منحت تونس، العام الماضي، 500 شاحنة”.

وفي سياق متصل، قالت الوزيرة الألمانية، إن برلين تعمل على حماية الحركة البحرية، من خلال متابعة السفن التي تمر عبر البحر المتوسط.

ويظهر أن الألمان مقتنعون بضرورة تطوير حماية الحدود مع ليبيا، كونها تمثل الخطر الأكبر على تونس، وهو ما نجحت الأخيرة في الترويج له في حراكها الدبلوماسي على مدى الأشهر الأخيرة.

وفي هذا الإطار، أكد الحبيب الصيد في حواره، أنه لا تراجع عن الساتر الترابي، وأنه سيجري في البداية إنشاء رقابة عسكرية على أهم النقاط فيه قبل أن تعوضها المراقبة الإلكترونية لاحقاً، حين تتوفر الإمكانيات المادية التي تقدّر بحوالي 50 مليون دولار لكامل المشروع.

وتصرّ تونس على المضي قدماً في مشروعها هذا، على الرغم من وجود معارضة له. وقد ذكرت تقارير إعلامية، أنه تم بالفعل إحباط عمليات تهريب كثيرة في الأيام الأخيرة بفضل الساتر الترابي.

وتدور الحرب الهادئة، بما أنها لا تظهر للعيان، بين القوات الأمنية والمجموعات المتشددة، خصوصاً في المدن والقرى. وتتواتر الأخبار بشكل يومي عن القبض على شبكات متشددة ومطلوبين للعدالة وقنوات تسفير الشبان الى بؤر التوتر. وتحاصر القوات الأمنية الحواضن الداعمة للإرهابيين لوجيستياً عبر اعتقال العشرات، كما جرى في الأيام الأخيرة فقط، ما يشكل وفق بعض الخبراء الأمنيين”كنوزاً استخباراتية” مكنت من إحباط عمليات إرهابية خطيرة، وكشف العديد من الخلايا النائمة، بالإضافة الى قطع طريق الاتصال بينها.

وفي هذا الإطار، تمكّن الأمن التونسي من تحقيق نجاحات باهرة، ليلة عيد الجمهورية، الذي وافق 25 يوليو/تموز الماضي، حين أطاحت بخليتين في محافظة بنزرت شمال تونس، كانت تستعد للقيام بتفجيرات وعمليات إرهابية أخرى ضدّ أمنيين في المحافظة نفسها، علاوة على عمليتي سيدي عيش وجبل عرباطة، اللتين تعتبران من أكبر نجاحات الأمن التونسي.

وبموازاة ذلك، تقصف القوات المسلحة المناطق الجبلية التي يُشتبه باختفاء إرهابيين داخلها، في ظل تنسيق تونسي جزائري بلغ أعلى درجاته في تضييق الخناق على المتخفين في الجبال بين البلدين.

 

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *