صناعة التطييف في الجنوب السوري ( حالة درعا – السويداء نموذجاً)


د. فايز القنطار

 

 

خاص بموقع حزب الجمهورية 

 

منذ الأيام الأولى للاحتجاجات والمظاهرات التي انطلقت في المدن السورية واجهها النظام على انها مؤامرة طائفية  وعمل ما بوسعه لإبراز المسألة الطائفية لحرف الثورة عن مسارها الأصلي ، من ثورة شعبية ضد الاستبداد والفساد تطالب بمطالب مشروعة في الحرية والتغيير الديمقراطي إلى صراع طائفي يأخذ طابع سني – علوي (أو شيعي) .

تناول هذا البحث سياسات التطييف  التي اتبعها النظام في الفترة الواقعة بين آذار 2011 ونهاية عام 2013 للايقاع بين أبناء الجنوب السوري في محافظتي درعا والسويداء. وتم جمع أهم الوقائع والأحداث التي انتهجتها الأجهزة الرسمية الأمنية والحزبية وشبه الرسمية من خلال مقابلة بعض الفاعلين في هذه الأحداث ، وجمع شهاداتهم  وتوصيف أهم الوقائع واكتشاف الخيوط الرابطة بينها والأهداف الكامنة ورائها وآلية تفعيل الشحن الطائفي ليترجم إلى سلوك على الأرض.

تم التعرض لأهم الدراسات الحديثة المتصلة بالمسالة الطائفية عموما وخصوصيتها في المجتمع السوري وكيف عمل النظام على انكارها ، في حين كان بسلوكه اليومي يستفز الطائفية لدى جميع مكونات المجتمع عبر استحواذه مؤسسات الدولة على أسس طائفية منذ 1970، واستخدام سلاح الطائفية لتفكيك وحدة المجتمع والتمكن من مواجهة الحراك الثوري.

كما تم تحليل موقف المجتمع الأهلي  لمواجهة محاولات التطييف والآليات التي مكنت هذا المجتمع من احتوائها ومنع تطورها بهدف المحافظة على السلم الأهلي بين المحافظتين.

كما تمت مناقشة نتائج هذه الدراسة في ضوء البحوث والدراسات التي تلقي الضوء على هذا الجانب الخطير من سياسات النظام واستخلاص بعض الاستنتاجات وأهمها :

– سعي النظام  إلى إثارة نزاعات داخلية وتفجيرها بأقصى ما في الكراهية والعنف من قدرات تدميرية، لإدراكه بأنه لن يتمكن من البقاء في مواجهة مجتمع موحد.

  • ابراز البعد الطائفي لبعض الجماعات المسلحة والمبالغة في اظهار دورها واختزال ثورة الشعب السوري بهذه المجموعات المتطرفة هذا الأمر سمح للسلطة بتخويف الأقليات  ونسف تعاطف الرأي العام الدولي ، وممارسة كل أنواع الوحشية دون أن تسمع نقداً ودون أن تلقى ردا مناسبا.

مقدمة              

منذ استيلائه على السلطة في عام 1970 ، طبق نظام الأسد مبدأ “فرق تسد ” في سياسته اليومية وذلك ليتمكن من احكام السيطرة على المجتمع السوري . على العكس من جميع الأنظمة السابقة التي كانت تدفع باتجاه دولة المواطنة يشعر مواطنوها بقوة ارتباطهم بدولتهم بقدر ابتعادهم عن روابط ما قبل الدولة (العشيرة والقبيلة والطائفة …الخ ) عمل الأسد على نسف هذه الجهود بإقامة نظامه من خلال التلاعب بالتوازنات الطائفية والقبلية والاثنية في المجتمع.

كان السوريون في الستينيات وما قبلها يصنفون أنفسهم ناصريين أو قوميين او شيوعيين ، أو بعثيين . في نظام الأسد بدأ الحديث عن علوي وسني ودرزي ومسيحي وغيرها . أخطر ما فعله الأسد بحق السوريين هو هذا النكوص  بهم إلى ما قبل الدولة ووقف السياق الذي كان يعمل على تقدمهم نحو الدولة بالمعنى الحديث [1].  كما إن الرقابة البوليسية والقمع حل محل التمثيل السياسي والرقابة القضائية أو البرلمانية للسلطة التنفيذية، وتضخمت كل أشكال التصرفات الدكتاتورية والزبائنية على حساب دولة القانون [2] .

كانت الطائفية ومازالت أحد الاسلحة الابرز لنظام الاسد، في محاولاته لجم الحركات الشعبية المعارضة، كذلك الاحزاب السياسية، والحركات المدنية، وذلك من خلال رفع شأن العلاقات العائلية والقبلية والطائفية ، بمواجهة العلاقات الانسانية المدنية. وتوجيه الانظار بعيداً عن الفساد، والفروقات الاقتصادية والقمع ، وغياب الديمقراطية. منذ الأشهر الأولي سعى النظام ، ومعه بعض السلفيين المتطرفين، إلى تحويل حركة الاحتجاجات  السلمية من أجل الحرية والكرامة إلى صراع طائفي [3] .

سعى النظام الى بناء شبكة من الولاءات لنفسه، عبر اكثر من وسيلة، معظمها اقتصادي، مع افراد وزعامات من كل الطوائف السورية. كما اعتمد الاستقطاب الطائفي والقبلي والاثني والعائلي، وبرع في التلاعب بهذه الانقسامات[4].

 

  • منذ الأيام الأولى للاحتجاجات والمظاهرات ، في منصف آذار 2011 ، التي انطلقت في المدن السورية واجهها النظام على انها مؤامرة خارجية وطائفية وعمل ما بوسعه لإبراز المسألة الطائفية لحرف الثورة عن مسارها الأصلي ، من ثورة شعبية ضد الاستبداد والفساد تطالب بمطالب مشروعة في الحرية والتغيير الديمقراطي إلى صراع طائفي يأخذ طابع سني – علوي أو شيعي.

وعبر استخدام العنف الأعمى غير المسبوق ، وتركيز هذا العنف في الأوساط “السنية” نجح النظام  في استدراج ردود أفعال  طائفية  هنا وهناك ليستغلها في تخويف “الأقليات الدينية أو ألمذهبية ”  بهدف تحييدها في المرحلة الأولى،  وضمان عدم مشاركتها في المظاهرات، ثم محاولة الزج بها إلى جانبه، في مراحل متقدمة ، لتحمل السلاح دفاعا عنه.

بعد انطلاق الثورة في درعا وتصاعد عمليات القمع الوحشي، عمل النظام على عزل درعا وتجنب انتقال عدوى المظاهرات إلى السويداء التي لاتبعد سوى عشرات الكيلومترات عن درعا. فعمل على تكثيف الحضور الأمني في السويداء ، وإطلاق حملة من الاشاعات ذات الطابع الطائفي  لعرقلة الحراك الثوري  وإثارة الفتنة بين أبناء المحافظتين التوأم

سنحاول في هذا البحث التعرض لسياسات التطييف  في الفترة الواقعة بين آذار 2011 ونهاية شهر آب 2013 التي اتبعها النظام للإيقاع بين أبناء الجنوب السوري في محافظتي درعا والسويداء عبر جمع  الشهادات حول أهم الوقائع والأحداث التي عرفتها هذه المنطقة وإبراز الدور الذي انتهجته الأجهزة الرسمية  وشبه الرسمية (الحزبية وقوات الدفاع الوطني والشبيحة) في التطييف وتأجيج النزاعات وافتعال المشكلات بين سكان المحافظتين : درعا والسويداء. .

 سنتناول في هذا البحث أيضا مواجهة المجتمع المدني لهذه المحاولات والآليات التي مكنت هذا المجتمع من احتواء سياسات التطييف ومنع تطورها بهدف المحافظة على السلم الأهلي بين المحافظتين. وذلك من خلال مقابلة بعض الفاعلين في هذه الأحداث  وجمع شهاداتهم والتواصل المباشر مع المعنيين بالتجييش الطائفي.

كما ستتم مناقشة نتائج هذه الدراسة في ضوء البحوث والدراسات التي تلقي الضوء على هذا الجانب الخطير من سياسات النظام التي تعمل على تمزيق وحدة المجتمع السوري وإذكاء كل كل أشكال التناقضات داخل هذا المجتمع بما يضمن تحكم أجهزة النظام  بتوجيه هذه التناقضات بما يخدم بقاء النظام واستمراره.

مشكلة الدراسة

تستند هذه الدراسة إلى رصد وتوثيق الخطاب الطائفي الذي ظهر في محافظتي درعا والسويداء وملاحظة  أهم أشكال السلوك الطائفي الذي تم تسجيله في الفترة الواقعة بين شهر آذار 2011 ونهاية عام 2013 في نفس المنطقة ، من خلال القاء الضوء على أدوات التطييف ووسائله وتحليل الخطاب الطائفي ، وتأثيره ونتائجه ، وتحليل أساليب المجتمع الأهلي في مواجهة التطييف والسياق الذي ساعد في المحافظة على السلم الأهلي.

 

منهج الدراسة

استخدم منهج الملاحظة الميدانية للسلوك الذي يتضمن صبغة طائفية وردود الفعل على هذا السلوك : ضحايا الطائفية واولئك العاملين على مواجهتها وجمع شهاداتهم.

كما استخدمت المقابلة الشخصية  وجمع الشهادات من الأشخاص المعنيين بالتطييف سواء كانوا مصدرين للخطاب  الطائفي أو المتلقين  خصوصا الضحايا وتناولت المقابلة  شخصيات المجتمع المدني من وجهاء تقليديين ورجال دين وبعض المسؤولين الحزبيين (حزب البعث أو الجبهة المشاركة في الحكم).

مجتمع الدراسة

أجريت هذه الدراسة في محافظتي درعا والسويداء :

محافظة درعا إحدى المحافظات السورية تقع أقصى جنوب البلاد، يحدها من الجنوب الأردن ومن الغرب محافظة القنيطرة ومن الشرق محافظة السويداء ومن الشمال محافظة دمشق.. تبلغ مساحتها 24000 كيلو مترا مربعا وهي عباره عن سهل يعرف بسهل حوران ويبلغ عدد سكان محافظة درعا ما يقارب مليون نسمة غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة. يعتمد غالبيتهم على الزراعة.

محافظة السويداء واحدة من المحافظات السورية تقع في إلجنوب الشرقي من دمشق وتحدها محافظة دمشق من الشمال ومحافظة درعا من الغرب والبادية السورية والصفا من الشرق و الأردن من الجنوب،معظم اراضيها جبلية وعرة   .تبلغ مساحتها /6550/كيلو مترا مربعا وعدد السكان  350 ألف نسمة يشكل  المعروفيون الدروز الغالبية العددية لسكان هذه المحافظة.

وتعرف  كلا المحافظتين بالتنوع الديني والمذهبي والاثني على صورة المجتمع السوري. فالى جانب الدروز والسنة هناك المسيحيون والأرمن والبدو ،  وتضم المنطقة أقدم الكنائس والمساجد وتفخر بعروبتها وأصالتها. تعد الزراعة وتربية الماشية من اهم أنماط الانتاج في كلا المحافظتين ، وتقوم بين جميع سكان المنطقة علاقات اقتصادية وتجارية وتتداخل بينهم روابط  التعاون في مختلف ميادين الحياة والتي كانت حتى وقت قريب يسودها الوئام وعلاقات المودة والصداقة بين مختلف مكونات المجتمع في هذه المنطقة .

تعرضت السويداء للتهميش ولتشديد القبضة الأمنية بعد الانتفاضة التي عرفتها في عام 2000 ، أي في بداية عهد الأسد الصغير ولم تعرف خطة تنمية صناعية تساعد في ايجاد فرص عمل لأبنائها ، اضافة الى قلة الأراضي الزراعية ومحدودية انتاجها دفع نسبة عالية من شبانها إلى الهجرة (الهجرة إلى بلدان الخليج العربي وليبيا والى أمريكا الجنوبية). في السنوات السابقة للثورة ، فلم تعد السويداء حاملا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا للمعروفيين الدروز، نتيجة هذا التشتت والتوزع لطاقاتها الشبابية [5].

كما عانت المنطقة برمتها من الجفاف الذي تزامن مع اهمال الدولة للزراعة وقدوم آلاف المهجرين من الجزيرة السورية بسبب الجفاف إلى سهل حوران مما شكل ضغطا اقتصاديا على محافظة درعا بوجه خاص، لا بد من الأخذ في الحسبان هذا العامل الاقتصادي الاجتماعي الديموغرافي المهم عند دراسة طبيعة الحراك الثوري في كلا المحافظتين. حيث أصبح من الواضح أن مناطق الاحتجاج في مختلف انحاء البلاد تشترك في تعرضها لآثار السياسات  التسلطية المتلبرلة  والتي تشترك بالفقر المادي والانساني وشدة الحرمان وغياب فرص الحرية [6].

أسئلة الدراسة

نحاول في هذا البحث الاجابة عن الأسئلة الثلاثة التالية :

  • ما هي أدوات صناعة الطائفية التي استخدمتها أجهزة النظام؟
  • كيف تمكن المجتمع المدني من مواجهة هذا التطييف ؟
  • ما هي الآثار التي ترتبت على عملية التطييف ؟

الاطار النظري للدراسة

المجتمع السوري مجتمع  مركب  طائفيا واثنيا وتعد الطائفية متغيرا اجتماعيا أثر في سلوك  النظام والمجتمع[7]. كانت سوريا منذ القدم ملتقى الهجرات والثقافات بحكم موقعها الجغرافي المميز وهذا ما يفسر التعددية الاثنية والطائفية في البلاد . عرف برهان غليون الطائفية بأنها “مجموعة من الظواهر التي تعبر عن استخدام العصبيات ما قبل السياسية ، الدينية منها والاتنية والزبائنية ، في سبيل الالتفاف على قانون السياسة العمومية أو تحييده ، وتحويل الدولة من اطار لتوليد ارادة عامة ومصلحة كلية إلى أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية” [8]. وبرأي  غليون  أن ظاهرة الطائفية لم تصبح ظاهرة سلبية إلا بعد نشوء الدولة الحديثة، فعدم استيعاب مفهوم الدولة بالمعنى الحديث وغموضه هو الذي يفسر الخلط بين مسالتين:

  • قانون المجتمع الذي يقوم على منطق التضامن بين الأفراد استنادا إلى المصلحة والعقيدة والثقافة والسمات المشتركة (المجتمع المدني )
  • قانون الدولة الحديثة الذي يستند اليه مفهوم المصلحة العامة  ونشوء رابطة سياسية  تجمع بين الأفراد وتشعر المرء بالشراكة في الجماعة أساسها خضوع  الجميع لقانون واحد ، يتساوى في إطاره الجميع في الحقوق وفي الواجبات.

يؤدي التكتل في السلطة بين أعضاء عشيرة أو طائفة إلى تعطيل قانون المساواة ويصبح الولاء بديلا للانتقاء على أساس المعايير الموضوعية والكفاءة وتتحول الدولة إلى إطار لتنظيم الدفاع عن المصالح الخاصة وتعظيم المنافع الاستثنائية .  فالتعددية الدينية المذهبية ليست هي المسؤولة عن اختراق الدولة بالطائفية (المرجع السابق).

ويرى ياسين الحاج صالح[9]  أن الطائفية هي “مركب عمليات صراعية متعددة الجوانب تتكون فيها الطوائف بوصفها فاعلين سياسيين متنازعين بدرجات متفاوتة. يفترض صالح أن الطوائف نتاجات صنعية  وأن الطائفية لا تصنع من الطوائف بل هذه تصنع من تلك بغرض ضمان السيطرة السياسية لنخب طائفية أو غير طائفية. فالتطييف هو من فعل نخب سياسية عليا في السلطة أو في المعارضة ، وهو عملية تفاعلية يشارك فيها الجمهور مشاركة نشطة. وتسير عملية التطييف في اتجاهين اثنين :

  • حذف الفوارق والتنافرات ضمن الجماعة المذهبية والعمل على رصها كوحدة متماسكة ، وهذا ما فعله النظام في افتعال الكثير من الأحداث لضمان رص الطائفة العلوية خلفه
  • محو التشابكات المحتملة بين الطائفة وبين الجماعات الأخرى مع رفع الفوارق والتنافرات المحتملة مع تلك الجماعات إلى مرتبة مطلقة .  واتضح موقف أجهزة النظام في وقف أي تبادل يقوم على التعاون بين سكان درعا والسويداء ووضع الحواجز الترابية لقطع طرق التواصل العفوي بين المحافظتين وتقليص المرور ليكون فقط عبر الحواجز الأمنية ، كما لجا إلى اعتقال الناشطين العاملين في ميدان السلم الأهلي والإغاثة في السويداء لمنع توطيد التواصل بينهم وبين وأبناء درعا من النازحين أو غيرهم من القادمين من باقي المحافظات.

 

اضافة إلى ذلك، تستخدم في عملية التطييف وسائل ادراكية كالإشاعة والمبالغة والأسطرة، كما يستخدم العنف الفيزيائي والعنف الخطابي الذي قد يتضمن التكفير الديني. فالطوائف تصنع لتتصارع  ومواجهة الطائفية لا يكون مجديا إن لم يبدأ في مواجهة الطوائف أي الحيلولة دون تحول روابط أهلية وجماعات مذهبية إلى فاعلين سياسيين[10] .

إن التجميد المصطنع لتداول السلطة من شأنه أن يدفع إلى تشقق المجتمع ، واحتكار السلطة يؤدي إلى التوسع في القمع . ولا يمكن لأية طائفة  أن تنال موقعا امتيازيا دون أن يمتد التطييف إلى المجتمع كله. فالطائفية وليدة انغلاق المنظومة السياسية لا بنت التعدد الديني والمذهبي. فالاستمرار في قمع الحريات وتغييب السياسة من الحياة  سمح ببقاء الهويات ما قبل الوطنية في المجتمع السوري[11]. لقد أجمع الكثير من الباحثين والمفكرين العرب ، منهم على سبيل المثال حليم بركات وعزمي بشارة ن على أنه تم في العقود الأخيرة تعزيز الولاء للجماعة على حساب الولاء للدولة والوطن حيث دفع الاستبداد السياسي إلى نمو الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية[12].

الطائفية استراتيجية تعبئة تحتاج إلى أجهزة محركة والى صناعيين والى تشكيل لاعبين سياسيين وتنشيط التكوينات الأهلية .  ولا يطلب القادة السياسيون تعبئة الطوائف وتحويلها إلى فاعلين إلا بقدر ما تصلح مطايا لسلطتهم. فالطائفية والطوائف ذاتها نتاج تطييف ، نتاج سياسي ، انها استراتيجية سيطرة سياسية لتأبيد الاستئثار بالسلطة. كما أن تقوية مواقع النفوذ يقتضي الاستناد إلى الأقارب لا الأباعد ، وهذا ما لا يمكن أن تخفيه الشعارات الوطنية والاشتراكية.

على الرغم من الانتماء العروبي العميق وعلى الرغم من اكتساب الأحزاب القومية شعبية حقيقية بعد الاستقلال، ظلت الأيديولوجية القومية العلمانية أيديولوجية فوقية لم تنجح في علمنة المجتمع بسبب  طبيعة النظام الذي حملها. إذ استخدم الانتماءات الطائفية والجهوية والدينية  لكسب الولاءات مما عمل على بلورة مزاج ثقافي في المجتمع السوري يرى في ايديولوجيا النظام  غطاء لسلطة اقلياتية طائفية. الخطر في أن يتحول الصراع ضد النظام من نضال ضد الاستبداد إلى صراع طائفي حمل النخب الثقافية – السياسية إلى المطالبة بتغيير تدريجي سلمي ، رفضه النظام وحاول جاهدا دفع الصراع بحيث يبدو صراعا  طائفيا[13]
سعى النظامُ إلى حشر الثورة منذ انطلاقتها ، في ساحة الصراع الطائفيّ التي يتقن اللعبَ فيها، مستفيدًا من خبرته في الحرب الأهليّة اللبنانيّة.مما اضطُرّ الناشطون إلى التصدّي لأخطار المسألة الطائفيّة. ويرى زينو[14]  أن الرؤى التي قُدِّمتْ لم تكن على مستوى  حضور هذه المسألة في الثورة ، ويلخصها بثلاث :
1) إنكارُ الطائفيّة، والتقليل من شأنها والتفاؤل باختفائها بعد سقوط نظام الأسد!
2) القول بأنّ الطائفيّة حدثٌ طارئٌ من خارج البنية.                                                                         3) الاعتراف بالحضور الكبير للعامل الطائفيّ في تصعيد الحدث السوريّ، واعتباره نتاجًا طبيعيًّا لغياب السياسة من المجتمع طوال أربعة عقود، والاقتناع بأنّ الأمور ستنحو بعد سقوط “النظام الطائفيّ” في أحد اتجاهين: أ) القبول المضمر بالطائفيّة محدِّدًا لسوريا المستقبل، واعتماد نظامُ المحاصصة في الحكم. ب) نشوء ثورة مضادّة سيكون هدفُها مطابقًا للشعارات الأولى للثورة السوريّة: “الحريّة” والديمقراطيّة” و”الشعب السوري واحد.”

إن خطاب السلطة بالتركيز على المجموعات المسلحة “التكفيرية” ، وتسريب مقاطع فيديو لحالات تعذيب للمعتقلين يتحدث الجلاد بلهجة ساحلية (علوية) ، واجبار المعتقل على قول “لا اله إلا بشار” أدى إلى تكريس الطائفية. كما إن استخدام النظام للعنف الشديد لمنع الاعتصامات في الساحات  العامة الكبرى ( ساحة العباسيين ، ساحة الأمويين في دمشق ، ساحة الحرية “الساعة” في حمص ) منعا لنشوء حالة مدنية مماثلة لميدان التحرير في القاهرة، وإبقاء الاحتجاجات في الشارع  “السني” مما يمكن النظام من تقسيم المجتمع إلى فئات مختلفة لا تنتمي إلى شعب واحد[15] .

جاء اقتحام قوات الأمن الجامع العمري في درعا واستباحة دماء المعتصمين بوحشية غير مسبوقة  داخل المسجد والتركيز الاعلامي على الحدث واتهام المعتصمين باستخدام السلاح وتخزينه والارتباط بمؤامرة خارجية تكفيرية جاء هذا الاقتحام في اطار تخطيط واضح لإعطاء المواجهة بعدا طائفيا. وشكل هذا الهجوم تحولا في السياسة العامة للاتجاهات السلفية السورية نحو شرعنة الاحتجاجات والتحريض عليها والخروج في يوم الجمعة 25 آذار 2011 وقيادة المظاهرات ، واضطلع المؤثر الديني في عملية التعبئة الأيديولوجية.

من الخطأ النظر إلى الصراع الطائفي في سوريا على أنه صراع مستحدث لا يعود تاريخه إلى أبعد من استيلاء الأسد على السلطة ، فالواقع أن الطائفية في سوريا تعود إلى أقدم من ذلك، نعرف على سبيل المثال أن لابن تيمية فتاوى مشهورة يكفر فيها العلويين، كما نعرف أن العلويين، والإسماعيليين، والدروز عاشوا قرونًا فيما يشبه “الغيتو”  واضطروا إلى إخفاء شعائرهم وهويتهم المذهبية بعد أن عانوا كثيرًا من الولاة الأتراك . وقد سعد العلويون عندما خصهم الفرنسيون بدولة عام ١٩٢٠، وكذلك فعلوا بالنسبة للدروز في عام 1921 ، ولكن هذه الدول سرعان ما انهارت بعد ذلك بسنوات وعادت إلى حضن الوطن الأم سوريا، إلا أن من يعود إلى وثائق “الدولة العلوية” هذه يجد أن السياسيين والمثقفين العلويين كانوا مع هذه الدولة لا ضدها، وأنهم أدلوا يومها بأسباب موجبة كثيرة لها شبيهة بالأسباب التي أدلى بها موارنة لبنان لإنشاء دولة لبنان الكبير. ومنها أنهم يريدون التحرر من نير المسلمين السّنة ومن الظلم التاريخي المزعوم.

أثناء الانتداب كانت فرنسا تعمل على ابراز الفوارق الاجتماعية والثقافية بين السوريين وتفسيرها  باعتبارها نتاج صراع طائفي. ردت النخبة السورية على سياسات فرنسا الطائفية بأيديولوجية علمانية ذات مضمون قومي ووطني سوري[16] .

ان الدعوة القومية العربية بداية القرن العشرين و ما تلاها من فرح الاستقلال واستعادة وحدة الكيان السوري قد منع نقاشاً حقيقياً صريحاً و مفتوحاً بين مثقفي الطوائف السورية المختلفة حول نظرة طوائفهم لنفسها و للآخرين , و طبعاً جاء حكم البعث لاحقاً و بعده حكم الأسد و استخدامه الطائفية كأحد وجوهه الخفية ليحول هذا النقاش الى نطاق المحرمات .

فالبعث لم يساهم في حل المعضلة الطائفية في البلاد بقدر ما سعى لإعادة انتاجها بما يلائم بقاؤه في السلطة. وإذا كان العامل الأول يرتبط بطبيعة النظام السياسي الديكتاتوري الذي منع بالقوة بروز أي نزعة طائفية في المجتمع السوري، فإن العامل الثاني يتصل بصعود الإيديولوجيات اليسارية والقومية في ثمانينات القرن الماضي ما شكل غطاء معرفياً زائفاً ساعد على كتم الأنفاس الطائفية.

وظيفة النظام الأمني المستبد تمثلت في هذا السياق بضبط أي انفجار طائفي على الصعيد الشعبي-المجتمعي، في حين ارتفعت الهويات الحزبية الزائفة عند المثقفين لتطمر الانتماءات الطائفية مؤقتاً. وإن كان من الطبيعي أن تفجر الثورة السورية نزعات طائفية على مستوى المجتمع بفعل العنف الذي توسله النظام

عمل النظام الحاكم في سوريا، على تقوية هيمنة المؤسسات الدينية على المجتمع، خاصة في الطائفة السنية، بينما تم الربط المباشر ما بين العائلة الحاكمة (آل الاسد) وجموع العلويين . وهو ما أسس لعلاقات تجعل من الدين والطائفة والعائلة مسرحاً لتعبيرها السياسي، بدلاً من المساحة المدنية[17].

لم يعمل النظام السوري خلال خمسين سنة على بناء مجتمع  مدني بل حافظ على المجتمعات الأهلية المختلفة كما هي، ولا يكفي هنا ببساطة أن يجتمع الناس المختلفون في ثقافاتهم في وطنهم نفسه في فترات معينة من حياتهم مثل الخدمة الإلزامية والدراسة ومكان العمل  حتى ينشأ مجتمع مدني ناضج، فهذه عملية معقدة  تقوم الدولة بدور أساسي فيها كما للمنظمات المختلفة  مثل النقابات والاتحادات والهيئات والجمعيات  والأحزاب السياسية في ظل نظام ديمقراطي ومدني  يحقق المساواة أمام القانون  في الحقوق وفي الواجبات وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

إضافة إلى ذلك ، يثير الخطاب السني الطائفي عند بعض من يدعي تمثيل الثائرين ممن يهاجمون النظام بصفته علوياً متحالفاً مع الشيعة  مخاوف الطوائف الأخرى ليس حباً بالنظام أو حباً بالعلويين بل خوفاً من القادم المتخيل كما تصوره وتضخمه دعاية النظام دون كلل أو ملل.

ولهذه الأسباب  تمكنت أجهزة  المخابرات من استثارة الذعر ببساطة في الأيام الأولى للثورة عند عامة العلويين وعند نسبة كبيرة من الأقليات.

 

شهادات وملاحظات  الدراسة

 

أولا –  ما هي أدوات صناعة الطائفية التي استخدمتها أجهزة النظام؟

في بداية الحراك الثوري ، استغلت أجهزة النظام بعض الحوادث  وقامت بفبركة بعضها لقطع التواصل وإحداث شرخ  اجتماعي بين أبناء السهل والجبل في محافظتي درعا والسويداء واعتمدت العناصر التالية  للتحريض بين المحافظتين :

  • صدور بيان مصور باسم أحد أئمة المساجد في درعا يهاجم فيه الدروز ويتهمهم بدينهم وبأعراضهم.

صدر البيان باسم الشيخ عبد السلام الخليلي[18]  يشتم فيه سلطان باشا الأطرش، ويتعرض بسفيه الكلام لنساء السويداء ، سرعان ما تلقفته الأجهزة الأمنية وعملائها في محافظة السويداء وتم نشره على نطاق واسع ووصل إلى كل قرى وبلدات المحافظة . شكل هذا البيان موضوعا لأحاديث الناس في المحافظة واستغله مؤيدو النظام إلى أبعد حد ممكن في التحريض وإثارة الكراهية وتأليب الناس ضد أهالي درعا “الحوارنة”.  كما تم الرد على الخليلي من موقع تأييد النظام بايحاء أمني مما أدى إلى المزيد من الشحن الطائفي[19] .

قام وجهاء درعا وشيوخها وعقلائها بإدانة للبيان المذكور والتبرؤ من كاتبه وإصدار بيان يؤكد على أن صاحب البيان المغرض هو شخص مشبوه تحركه أياد شريرة وبين درعا والسويداء شراكة في الجيرة وفي الوطنية لا يمكن أن تنال منها مثل هذه الأصوات النشاز. كما قامت الأحزاب والشخصيات الوطنية في السويداء بفضح هذه المحاولة للإيقاع بين أبناء المحافظتين عبر بعض الاصدارات المكتوبة او عبر الندوات العامة [20]، وأدركت القوى المطالبة بالتغيير الديمقراطي في محافظة السويداء الأغراض من التحريض الطائفي وعملت على توثيق الروابط مع أبناء درعا وتنظيم التواصل وتحريك مجموعة كبيرة من مدينة شهبا في السويداء لإقامة مظاهرة مشتركة في مدينة الحراك بمحافظة درعا .

 

  • الاعتداء على حافلة تنقل معلمات من السويداء إلى مدارس في محافظة درعا

كانت الأجهزة الأمنية والسلطة بإمكاناتها الهائلة  قادرة على الفعل والتأثير وتخطيط العمليات التي تستفز المشاعر بهدف التحريض الطائفي. فبعد احتواء ردود الفعل على بيان الخليلي قامت بعض الجهات بالاعتداء على حافلة تنقل معلمات من السويداء يعملن في  مدارس في محافظة درعا. ثم أعقب ذلك قرار من محافظ السويداء بمنع المعلمات من سكان السويداء من الذهاب إلى درعا  مع الاستمرار في صرف رواتبهن كالمعتاد. وكان الترابط واضحا بين الحدثين : الاعتداء على الحافلة والقرار الرسمي بمنع المعلمات من الذهاب إلى مراكز عملهن . سرعة هذا الاجراء الحكومي وعدم محاولة  تأمين نقل المعلمات  وحمايتهن فسر من قبل المعارضة على انه يأتي في اطار تقطيع الصلات بين المحافظتين واتهام الأمن الجوي بتدبير محاولة الاعتداء السابقة على المعلمات.

فهذه  سياسة رسمية ممنهجة لقطع الصلات بين المحافظتين والاستمرار في الشحن الطائفي وصناعة الكراهية ، تهدف أولا إلى  ضمان عدم انتقال المظاهرات إلى السويداء وثانيا إلى قطع الطريق على أي دعم أو مساندة لأهل درعا من قبل أهل السويداء .

تزامن ذلك مع حملة من الاشاعات ذات الصبغة الطائفية تطلقها أجهزة الأمن وتعمل على ترويجها وتركز على تكفير “الدروز” وتستهدف المرأة بوجه خاص . عند البحث عن مصدر تلك الاشاعات كان يتم حصرها لدى عملاء الأمن الجوي أو الأمن العسكري.

 

  • حملة من الاشاعات ذات صبغة الطائفية.

من ضمن هذه الاشاعات التي انتشرت على نطاق واسع :

  • بعد استخدام العنف والقصف للبلدات والمدن في درعا نزح الكثير من العائلات إلى السويداء بحكم علاقات الجوار والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية ، وتم استقبالهم استقبالا مناسبا بموجب العادات والتقاليد الأصيلة عند جميع ابناء الجنوب السوري وعرفت السويداء حملة من التعاطف والدعم لكل القادمين اليها خصوصا من الأخوة الجيران في محافظة درعا. وهذا لم يرق للأجهزة الأمنية فعملت على ترويج إشاعة نسبت إلى إحدى النسوة النازحات من درعا مفادها “لعن الله هذا الزمان لأننا اضطررنا للأكل من خبز هؤلاء” الكفار الدروز ” وثانية ترد عندما تسأل اين زوجها تقول أنه في “الجهاد”. والقول بأن المجاهدين هم من يقتلون ابناء السويداء من الشرطة والجيش والأجهزة الأخرى. وعند التحري عن هذه الاشاعات لم يكن لها أساس من الصحة وتم حصرها في عملاء الأجهزة الأمنية.
  • بالرغم من كل تلك الحملات استمر الحراك السلمي في محافظة السويداء، وتعرض الكثير من رجالها للحملة الأولى من الاعتقال في أواخر 2011 حينئذ أطلقت الأجهزة الأمنية إشاعة مفادها أن أحد معتقلي المعارضة العلمانية من أبناء السويداء وجد في غرفة واحدة في السجن مع أحد “الأصوليين التكفيريين “الذي قال له : “عندما نخلص من العلوية سيأتي الدور عليكم أيها الدروز” وبعد الاتصال الشخصي المباشر مع جميع هؤلاء المعتقلين تبين أن الحقيقة عكس ذلك تماما . فاستنادا إلى شهادة أحدهم (مقابلة شخصية) المعني بالأمر قال “كنت معتقلا من قبل الأمن العسكري في مهجع واحد مع الكثيرين من مختلف المناطق السورية تعرفت من بينهم إلى شيخ مسلم سني ابيض اللحية وكلما استدعاني المحقق يأتي بعدها هذا الشيخ لمواساتي وتدليك ركبتي (كنت أعاني من آلام في المفاصل) وقراءة سور من القرآن الكريم كنت أشعر بحنو وبموقف إنساني نبيل ساعدني على مواجهة هذا الامتحان العسير” . قامت الأجهزة الأمنية بعكس الواقعة وقلب الحقيقة وروجت لها في محافظة السويداء على نطاق واسع.
  • في تأبين الضحايا من أفراد الجيش كانت هذه المناسبة تستغل لشحن الغرائز الطائفية  بإطلاق النار الكثيف والغناء الطائفي والدمج بين الاستشهاد من أجل الوطن والموت من أجل النظام ويقوم الشبيحة وعناصر الأمن في التركيز على الشحن الطائفي واستغلال الوضع الانفعالي المأساوي أمام الموت لتوجيه اللوم للآخر “المتآمر” والمشارك بمؤامرة “كونية” ممولة من “الخارج” فهو العميل من الطائفة “الأخرى” واختلاق البطولات التي تمجد القتل وسفك الدماء  ففي أثناء التأبين يبدأ الحديث عن “بطولات الشهيد” وعن قتله “مئات الارهابيين”. ففي إحدى مواقف التأبين   تقدم أحد “رفاق الشهيد” وهو برتبة مساعد في الأمن العسكري ليقول لقد قتل البطل أكثر من 6 ارهابيين عندما شارك في مداهمة الجامع العمري في درعا !!!! امتعض ابن “الشهيد” حيث كنت بجانبه وقال بأن والدي لم يشترك بمعارك ولا بمداهمات ولم يقتل أحدا فهو طيلة فترة الثورة كان مسؤولا عن حراسة في نقطة في ساحة المرجة بدمشق مات ضحية تفجير حدث في  نفس الساحة !!!

كانت عناصر الأمن تتعمد اثارة هذه الاشاعات لتصل إلى  اسماع أهالي درعا  الرسالة التالية : دروز السويداء يشاركون بفاعلية في حملات القمع في حوران. في حين كان يتم الترويج  بين أهالي السويداء، عند وصول الجنازات، بأن من قتل “الشهيد” هم “الحوارنة”.

من الأساليب التي كانت تقوم بها أجهزة الأمن  أيضا ،  محاولة التحرش بالفتيات في مدينة السويداء ” باللهجة الحورانية” بتكليف بعض عناصرها من أبناء حوران بفعل ذلك والاختفاء السريع ، بهدف تحريض مجتمع السويداء على أبناء حوران للتضييق على الأسر المهجرة باستخدام هذه الظاهرة لوقف الدعم والتعاطف الذي أظهره السكان نحو المهجرين بحجة أن شبابهم يعتدون على “الأعراض” وتم رصد هذه المحاولات من قبل بعض النشطاء عند متابعتهم لعناصر الأمن في الساحات العامة وفي الأسواق (مقابلة شخصية). وكانت التنسيقيات تقوم بفضح هذه الأساليب وتحذير الناس من هذه المحاولات

 

4- الخطاب الطائفي المباشر لأجهزة النظام

من السياسة الطائفية الممنهجة التي كانت تمارس علانية على الحواجز  الخطاب الطائفي للقائمين على هذه الحواجز من العسكريين او من عناصر الأمن  حيث يمكن أن نسمعهم يوميا يقولون عند صعود الحافلات للتفتيش : “أبناء السويدا أهلا وسهلا على الراس والعين أبناء درعا ….كل أنواع الشتائم” اضافة إلى الاذلال والتوقيف أحيانا. كما أن شهادات معظم المعارضين الذين اعتقلوا وتمكنا من مقابلتهم في مطلع عام 2012 أكدت التمييز بين المعتقلين داخل المعتقلات. كان السجان يأمر المساجين بالوقوف عند فتح الباب ولكن يستثنى من ذلك معتقلي السويداء! كما أن أساليب التعذيب الوحشية كانت تمارس على ابناء محافظة درعا مقابل تعذيب أخف يحظى به أبناء السويداء…. كل هذه الأساليب كانت تهدف إلى توسيع الهوة بين ابناء المحافظتين وزرع بذور التمييز والفتنة بينهم .

5-الخطاب الطائفي المضاد لبعض الفصائل المسلحة.

إن تصاعد العنف وتصاعد نفوذ الحركات الجهادية في الجنوب والخطاب الطائفي التي انتهجته بعض الفصائل المسلحة من الثوار ساعد النظام في تسهيل مهام اجهزته في صناعة الطائفية. حيث ازدادت عمليات الاختطاف وتم اختطاف 18 شخصا من أبناء السويداء في نهاية عام 2012 (كانون الأول) ووصل عدد المخطوفين من أبناء محافظة السويداء إلى 50 شخصا[21] في عام 2013 ،حتى مقاتلي الجيش الحر من أبناء السويداء لم يكونوا بمنأى  من اعتقالات جبهة النصرة (خالد رزق ورائف نصر)، اضافة إلى الفوضى وانتشار عصابات السرقة والسطو والاختطاف للابتزاز  وطلب الفدية. ودأبت أجهزة الأمن وتوابعها على اتهام “العصابات المسلحة” في مناطق محافظة درعا بهذه الحوادث .

قامت الأجهزة الأمنية باستغلال بعض الحوادث عند قيام الرعاة بالاعتداء على المزروعات لتوتير الأجواء ضد البدو خاصة وان المناطق الشمالية من المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الحر يقطنها البدو فكانت الأجهزة الأمنية تعمل جاهدة على الايقاع بين البدو والدروز لقطع التواصل مع المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر.

ثانيا – المجتمع الأهلي في مواجهة التطييف

لم تعد محاولات النظام لخلق الفتنة وتمزيق الوحدة الوطنية ودق اسفين في  حوران  بين السهل والجبل  خافية على أحد. لقد عمل بعض وجهاء  محافظة السويداء وعقلائها على تطويق محاولات الفتنة وتمكنوا من افشال معظم هذه المحاولات  والمحافظة على السلم الأهلي وعلى حقوق المهجرين من ابناء الوطن السوري بين أهلهم وأخوتهم  في السويداء والوقوف إلى جانبهم في هذه المحنة وهذا لا يروق لأجهزة النظام التي تستمر في اذكاء التحريض واللعب على أوتار الطائفية البغيضة.

سرعان ما تشكلت بعض اللجان والهيئات بصورة عفوية لمواجهة حوادث الاختطاف والاعتقال ، كانت هذه اللجان تعمل على توجيه الرأي العام المحلي بما يضمن المحافظة على السلم الأهلي وكثيرا ما كانت تلجا إلى رجال الدين والى بعض الفعاليات الاجتماعية التقليدية في طلب تدخلهم لمواجهة مشكلات الاختطاف والاختطاف المضاد . وتطلب تشكيل هذه الهيئات بعض الوقت نظرا لمنع أي شكل من أشكال نشاط المجتمع المدني ، فكانت تجربة جديدة تعيشها المنطقة ، ومن أهمها تشكيل الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء[22] وكان لبعض الأحزاب المعارضة  دور في ذلك ولكن تبين أن هذا الدور ضعيف التأثير في المجتمع ، بالرغم من أن بعض الشخصيات التي مارست العمل السياسي السري كان لها الدور المحرك في توجيه هذه  الهيئات  التي لم يكن أمامها سوى طلب تدخل  بعض الشخصيات التقليدية من شيوخ الدين أو شيوخ العائلات وتفعيل دورها في مرحلة حرجة من تاريخ البلاد.

على سبيل المثال، في درعا  قتل شاب من أفراد الشرطة وهو من أهالي بلدة المزرعة في السويداء استنادا إلى شهادات بعض أبناء المنطقة ، دفعت الأجهزة الأمنية بالشبيحة في بلدة القتيل لاعتقال 18 شخصا من محافظة درعا من بائعي الخضار او عابري الطريق وأشاعت بأن الشاب قتل من قبل “الحوارنة”  (سكان محافظة درعا). إن تدخل رجال الدين وبعض الأعيان والضغط على المحافظ ورئيس فرع الحزب مكن من تحرير هؤلاء المختطفين وانهاء المشكلة قبل تفاقمها (مشاركة شخصية ).

نجحت مساعي هذه اللجان في حل الكثير من المشكلات وجنبت المجتمع الكثير من المخاطر بعد ايجاد قنوات للتواصل بين وجهاء من المحافظتين والاجتماع للمداولة في ايجاد السبل المناسبة لحل المشكلات وتجنيب المحافظتين خطر الفتنة الطائفية  حيث بدأ الناس يدركون مخاطرها ودور الأجهزة الأمنية في اشعالها.

بدأت الأجهزة الأمنية تشعر بدور المجتمع الأهلي في عرقلة خططها وإفساد الكثير من مشاريعها فبدأت بقمع نشطاء المجتمع الأهلي في محاولة لتعطيل دوره ، كما لجأ النظام منذ مطلع عام 2013 إلى  التضييق على الناشطين في ميدان السلم الأهلي ومحاولة خطفهم وتصفيتهم (تدبير حادث للشيخ أحمد جربوع شيخ عقل الطائفة الدرزية، ومحاولة اختطاف السيد جمال هنيدي الشخصية الوطنية التي لها نفوذ واسع في درعا كما في السويداء أصيب على اثرها بجروح خطيرة. وتم اغتيال العقيد المتقاعد ابراهيم محمود الرفاعي من محافظة درعا ) وهم من أبرز الشخصيات التي كانت تلعب دور التهدئة  وازالة الاحتقان بين المحافظتين.

في مطلع عام 2012 في 7 شباط عرفت شهبا مظاهرة ضخمة  لم تتجرأ أجهزة الأمن على مواجهتها وانتظرت انتهاء المظاهرة وتوزع معظم المتظاهرين لتقوم بمحاصرة مجموعة منهم اضطرت إلى الاحتماء في بيوت صديقة. فبدأ الهجوم على هذه البيوت التي قاومت ببسالة ومنعت قوات الأمن من دخولها ولكنها استمرت بحصارها والاعتداء عليها وكان الأمن يشيع إنه يوجد في هذه البيوت ارهابيين مسلحين من “حوارنة درعا” . خلال ساعات  تشكلت مجموعات من النشطاء (مشاركة شخصية) وتوزعت للضغط على شيوخ العقل والمحافظ وقائد الشرطة ورئيس فرع حزب البعث . مما حملهم على التدخل وبعد توسط رجال الدين ، قام أحدهم بالدخول إلى تلك المنازل المحاصرة وتأكد بأن جميع  من هم في داخل هذه البيوت هم من أبناء محافظة السويداء ولا يوجد في حوزتهم أي نوع من السلاح. وتحت ضغط المجتمع الأهلي من وجهاء ورجال دين ، وانتشار أخبار الحصار الذي أدى إلى التوتر في كل أنحاء المحافظة، أذعنت السلطة واضطرت لفك الحصار .

بالرغم من الوحشية والعنف في قمع المظاهرات والاحتجاجات في محافظة السويداء إلا إن أجهزة الأمن كانت تتجنب قتل  المتظاهرين مباشرة كما حدث في درعا بل كانت تعمل على تصفية النشطاء بالقتل والاغتيال خارج اطار المظاهرات منهم الشهداء مأمون رضوان ، وصفوان شقير في 18 اوكتوبر 2012، وبعد ذلك بعدة أشهر  تم اغتيال خلدون شقير وابن عمه  في بستان الزيتون في القريا ، وفي مطلع عام 2014 استشهد شاب آخر من عائلة شقير تحت التعذيب ويربط البعض  استهداف النشطاء من أقارب الفنان سميح شقير بسبب أغنيته المشهورة “ياحيف ” المهداة إلى ثوار درعا في بداية الثورة.

لم تنجح كل هذه الأساليب والإشاعات في تحقيق أهدافها وتمكن المجتمع الأهلي في المحافظتين من احتوائها. فقام النظام بإتباع استراتيجية جديدة اكثر عنفا وأكثر دموية للإيقاع بين ابناء الوطن الواحد، توضحت هذه الإستراتيجية منذ مطلع عام 2013 ، منها تهديد العاملين في الاغاثة في محافظة السويداء واعتقالهم ، حتى تقديم المساعدة الانسانية لشركاء الوطن أصبح في دائرة الممنوعات.

 

ثالثا- ما هي الآثار التي ترتبت على عملية التطييف ؟

نجحت أجهزة النظام ، عبر سياسة التطييف التي اعتمدتها ،في مسألة أساسية وهي اثارة الخوف والتوجس عند الكثير من أبناء محافظة السويداء من المستقبل. بالرغم من أن معظم الناس لا تؤيد النظام ولكنها بدأت بطرح الأسئلة حول المستقبل في ظل تصاعد الخطاب الطائفي ، وازدياد عمليات الاختطاف وتكرار الاعتداءات على القرى “الدرزية” في اللجاه وفي محاذاة البادية. ولا تزال مأساة العراق وما عرفه من اقتتال طائفي حاضرة في الوجدان الشعبي وكذلك الحرب الأهلية اللبنانية  فهذه الظروف جعلت الغالبية تقف موقفا حذرا فيما يخص المواجهة مع نظام لا يتردد في استخدام أعتى ما يملك من أسلحة ضد الناس العزل ، فالطريقة  الوحشية في قمع انتفاضة السويداء في عام 2000 لا تزال حاضرة في الأذهان[23]، حيث عرف أهل السويداء أساليب النظام في اللعب على الأوتار الطائفية ، فبعد مجزرة ارتكبها بدم بارد راح ضحيتها 15 شخصا، أشاع بأن الضابط الذي أصدر أمر اطلاق النار “سني حموي” علما بأنه أرسل في حينه وزير داخليته محمد حربا ليوبخ قائد الشرطة لأنه لم يطلق النار على المحتجين الذين اقتحموا سرايا الحكومة (مقابلة شخصية). ومنذ ذلك الوقت انتشرت  الثكنات، حيث  تتكدس فيها كل أنواع الأسلحة والمدافع في كل مكان ، وتحولت أرض السويداء إلى معسكر كبير، خصوصا بعد تموضع القوات العائدة من لبنان . وهذا يفسر فشل المعارضة في السويداء في تحريك الشارع بفاعلية .

بعد نهاية 2012  بدا تركيز جهد المعارضة  الأساسي على العمل الإغاثي  وتقديم المساندة المادية والمعنوية للنازحين  من مختلف المحافظات ، خصوصا من محافظة درعا، حيث تكتظ بهم محافظة السويداء.  يحظى العمل الاغاثي بتعاطف شعبي واسع مما أعطى فرصة مهمة للتواصل والتعاون بين الناس واستعادة المجتمع الأهلي زمام المبادرة في العمل لإيجاد حلول لمشكلات إنسانية تطرح نفسها في الحياة اليومية.  واندفعت المعارضة نحو هذا الدور الانساني ظنا منها أن النظام سيغض الطرف عن هذا النوع من النشاط. ولكن منذ مطلع عام 2013 ،  بدأ بتهديد العاملين في الاغاثة في محافظة السويداء واعتقالهم  (واستشهد منهم أكثر من 14 تحت التعذيب في عام 2013) ومنع الناس من تقديم المساعدة الغذائية أو الدوائية أو المدرسية للنازحين ومصادرة التبرعات .

إن أكثر ما يخشاه النظام هو وحدة السوريين لذا كان يمنع سبل التواصل والتعاون ويقمع العمل الانساني الاغاثي فهو لا يرغب وقوف الناس إلى جانب بعضهم البعض لأن ذلك سيؤدي إلى تعزيز وقفتهم ضد طغيانه

إن تحليل الأحداث التي وقعت في داما (منطقة اللجاه) في ربيع 2013 يبين تصعيد الشحن الطائفي لبلورة الحدود الفاصلة بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر وغيرها من المناطق التي لا تزال تحت سيطرة النظام. بعد فشل كل محاولات الأجهزة الأمنية  في احداث القطيعة بين بلدة داما ومحيطها من القرى البدوبة  والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الحر ، قامت بدفع بعض الشبان المتعاونين معها ، بعد أن رتبت لهم فخا باستدراج أحدهم ليقع في كمين للجيش الحر ،  وطلبت منهم نجدته وتخليصه  وهي تعرف جيدا أن الجيش الحر منتشر بالمنطقة وينتظر  هجوم قوات من الجيش النظامي ، وعند خروجهم من البلدة “لتحرير زميلهم” وقعوا في نيران الجيش الحر ، وحدثت اشتباكات راح  ضحيتها من بلدة داما عشرة شبان 3 استشهدوا و7 نقلوا إلى المستشفى ! إن تدبير هذا الحادث والدماء التي سالت عبثا من كلا الطرفين كان يهدف إلى احداث القطيعة  “ورسم الحدود ” وهذا ما حدث فعلا فمنذ ذلك الوقت انتقطع التواصل بين سكان المنطقتين ليحل محله العداء. يبين هذا المثال سعي النظام بكل الوسائل وبكل ما يملكه من امكانيات لتقطيع أوصال السوريين ووضعهم الواحد في مواجهة الآخر مواجهة دموية إن تطلب الأمر.

في منطقة اللجاه ، حوادث داما  ولبين وحران في 2013 وحوادث لبين مطلع 2014  (محاولة التعدي على المزروعات أو السطو على المواشي تبعها اشتباكات وسقوط قتلى وجرحى)  هذه الحوادث أدت إلى توتر الوضع في هذه المنطقة . وكانت الأجهزة الأمنية  وكلما تعرضت المراكز العسكرية القريبة من القرى الدرزية في هذه المنطقة تقوم بحشد الشبيحة للفزعة تحت ستار أن هذه القرى هي المقصودة بهجوم الجيش الحر في حين انها لم تكن يوما هدفا له. على العكس ، كان الجميع يلمس إدراك الجيش الحر لهذا الجانب وكان سرعان ما يطلق سراح من يتم اعتقاله خطأ ،   بعد السيطرة على مخافر الشرطة في القرى البدوية التي يسيطر عليها في منطقة اللجاه قام الجيش بتسليم الشرطة من أبناء السويداء إلى اهالي بلدة داما مع اسلحتهم الكاملة دون المساس بهم حرصا على تجنيبهم انتقام النظام في حال تم تجريدهم من السلاح ، فعلوا ذلك تحت شعار “كرما عيون اخوتنا في السويداء” كان لهذا السلوك تاثيره الايجابي في الأوساط الاجتماعية  وفي تخفيف التوتر بين مكونات المجتمع في هذه المنطقة خصوصا بين البدو والدروز,

إن تصاعد نفوذ الحركات الجهادية (جبهة النصرة)  في الجنوب والخطاب الطائفي التي انتهجته بعض الفصائل المسلحة من الثوار. حيث ازدادت عمليات الاختطاف  والتضييق على مقاتلي الجيش الحر من أبناء السويداء . في هذه الأجواء تعرضت الفصائل المسلحة من أبناء السويداء للتهميش (كتيبة يوسف العظمة نموذجا) بمنع الدعم عنها بحيث أصبحت عاجزة عن الاستمرار والبقاء والاستنتاج بأن هناك قرارا “اقليميا”  بتهميش دور السويداء في الثورة السورية ضد الاستبداد ، بعض الجهات لا تريد للسويداء أن يتكرر دورها الكبير كما حدث في الثورة السورية الكبرى في حرب الاستقلال.

في مطلع عام 2014 ، في إطار تصميم النظام على  الحل العسكري واعتماد القوة ضد الشعب سعيا لاستعادة   سلطته وهيبته التي افتقدها. هناك الآن خطة يعمل عليها لاستدراج شبيحة السويداء للمواجهة ( سربتها بعض التنسيقيات في السويداء )، هذه الأجهزة توظف بعض العصابات وقطاع الطرق من البدو والدروز للقيام بعمليات السطو والسرقة والقتل في قرى السويداء المحاذية للمناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر (خصوصا في اللجاه والبادية شرقا) بهدف الايقاع بين  “البدو” و”الدروز” والربط بين هذه الاعتداءات “والعصابات المسلحة” أي الجيش الحر واستغلال حالة الغضب والانفعال من هذه الأحداث لتأليب الناس ضد الثوار وضد الثورة ودفعهم للمشاركة في مواجهة الثورة.

وبالرغم من نجاح النظام في تجنيد اللجان الشعبية  في ظل الظروف الأمنية المضطربة وإقناعها بحمل السلاح إلا أنه فشل في استدراجها إلى جانبه فغالبية أفرادها لم تقبل أن تتجاوز مهامهم حدود قراهم وبلداتهم للدفاع عن النفس . وهذا أيضا أثار غضب أجهزة الأمن التي بدأت التخطيط لزج شبيحة السويداء في اتون المواجهة مع الفصائل المسلحة ، وهي لم تنجح في ذلك ، على العكس تتطور الأحداث مع انتفاضة “المشايخ” الشباب في آذار 2014 في غير ما تريده أجهزة النظام .

 

مناقشة  واستنتاجات

جاءت عملية صناعة الطائفية في الجنوب السوري ضمن السياق العام لسياسة النظام  في مختلف أنحاء البلاد ، فهو قبل الثورة  لم يقدم أية مقاربة لحل المشكلة الطائفية ، سوى سياسة الإنكار وعدم الاعتراف بها ، وهي سياسة استمر بها حافظ الأسد ضمن استراتيجية عامة تقوم على استثمار تناقضات المجتمع السوري وتوظيفها في استدامة حكمه.

يرى بشير زين العابدين أن عملية توظيف العصبية: الطائفية-العشائرية لم تعد تقتصر على تشكيلة الأجهزة المعنية بحماية النظام، وإنما تم استخدامها بطريقة ملفتة للانتباه في عضوية حزب البعث وفي الوزارات ومؤسسات الدولة، القطاعات الحزبية والسياسية والاقتصادية في المنشآت الحكومية وفي القطاع الخاص، حيث شكلت صلة القرابة والمصاهرة والانتماء العشائري عنصراً أساسياً في تولي المناصب الهامة في سورية، وهؤلاء جميعاً يرتبطون ببشار الأسد من حيث القرابة أو المصاهرة أو العشيرة، بل إن دائرتهم أضيق من دائرة الرئيس السابق الذي كان يعمد إلى الاستفادة من العشائر العلوية الحليفة، بينما عمد بشار إلى الاعتماد بصورة رئيسة على صلة القرابة المباشرة أكثر من والده [24].
فقد أسند بشار إلى شقيقه ماهر قيادة لواء في الحرس الجمهوري ورقاه إلى رتبة عميد، أما عائلة أنيسة مخلوف (والدة بشار) فقد اتسع نفوذها بصورة ملفتة للانتباه؛ حيث ظهر اسم خال بشار محمد مخلوف، وكذلك رامي وإيهاب مخلوف الذين هينموا على قطاعات ضخمة من الاقتصاد السوري، وخاصة في مجالات البنوك، والتجارة الحرة المعفاة من الضرائب، وقطاعات الاتصالات والمواصلات.وكذلك كان الحال بالنسبة للأجهزة الأمنية التي تم اختيار عناصرها على أسس طائفية-عشائرية، وتتراوح نسبة العلويين ما بين 70 و90 % (المصدر السابق) .

إن مصادرة الدولة على أسس عصبية طائفية يتضمن استفزازا للطائفية وتنشيطا للسلوك الطائفي عند جميع مكونات المجتمع ، وهذا ما اتضح بعد انفجار الثورة السورية وعسكرتها. وهناك قناعة راسخة لدى معظم السوريين إن الغلو الطائفي لدى أجهزة النظام هو المحرك الأساسي للعنف الأعمى .  فمنذ مواجهات الثمانينيات من القرن الماضي  ظهر بوضوح سلوك النظام الطائفي البدائي الذي يتطابق مع سلوكيات المليشيات الفاشية. حيث تم تجاوز كل المحضورات باستخدام اعتى أنواع الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين العزل . وسياسة الانتقام الأعمى من المدنيين الأبرياء. بعد افشال عملية ارهابية في بلدة علوية قامت القوات الخاصة (برئاسة على حيدر) محمولة على طائرتي هيليوكبتر  بانتزاع 400 شخص  من  بيوتهم في حي المشارقة في حماه وقتلهم بدم بارد وترك جثامينهم ملقاة في شوارع الحي. كان اختيار الضحايا يتم استنادا إلى معيار طائفي (من السنة) ثم العمر كل من يزيد عن 14 سنة والجنس ذكر. دون النظر إلى أي اعتبار آخر حيث كان بين الضحايا أعضاء في حزب البعث وعسكريين مرتبطين بالنظام [25].

لقد كانت فرص الإصلاح متاحة للرئيس الوريث لكنه اختار ترسيخ نظام عفى عليه الزمن، ولم تعد بنيته قادرة على استيعاب متطلبات المرحلة. وقد أدت حالة الإحباط الشعبي من تقلص فرص الإصلاح ونمو مؤسسات القمع، وزيادة الأعباء الاقتصادية إلى إذكاء الثورة التي هدفت إلى هدم البنية المؤسسية لنظام فقد صلاحيته.

الوعود التي أطلقها النظام بعد انطلاقة المظاهرات السلمية جاءت متاخرة وغامضة لم يصدقها أحد ، خصوصا في ظل استخدام القوة المفرطة دون محاسبة مرتكبي الجرائم بحق المحتجين[26].

وكما يقول صادق جلال العظم : “من الأفضل للثورة أن تعي نفسها جيداً بلا تورية وأن تصارح نفسها علناً بما يقال خلف الأبواب المغلقة. فالثورة رفعت غطاء الطنجرة (كما نقول باللغة الدارجة) فظهرت التشقّقات المجتمعية وظهر العفن الطائفي الذي خلفه النظام بعد حكم نصف قرن. لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته بدون سقوط العلوية السياسية”[27] .

أوضحت الأحداث المتتابعة في محافظتي درعا والسويداء قيام أجهزة النظام في عملية التطييف وعملها المستمر على التحريض الطائفي وإقامة الحواجز المادية والمعنوية وخلق فجوة بين المحافظتين وتقنين التواصل بين السكان وضبطه بحيث تتمكن السلطة من الامساك بمختلف الأطراف والتحكم بها بما يخدم بقائها. فصناعة المشكلات الطائفية واختلاقها يتم بطريقة منهجية عن سابق تخطيط وتصميم ، واستغلال الفروق المذهبية أو العشائرية وتوظيفها بما يعمق الشروخ الاجتماعية ويؤدي إلى  شلل المجتمع وعدم قدرته على الوحدة والفعل في مواجهة توحش السلطة في تعاملها مع المجتمع. فالنظام  يدرك أن الثورة تنتصر عندما يلتف حولها الشعب بأغلبيته الساحقة وعندما تحظى بدعم وتأييد شعوب العالم ، وهو ما عمل على عرقلته ومنعه.

أكثر ما يهم النظام عدم قيام تفاهمات اجتماعية بأي شكل من الأشكال ، فهو يعمل على زرع الشك بين المجموعات السكانية بحيث لا تشعر بالثقة أبداً ببعضها البعض ، ولا يهمه ضرب النسيج المجتمعي السوري.

في صناعة الطائفية  استخدمت الأكاذيب ووسائل متنوعة في فبركة بعض الروايات وترويجها على نطاق واسع. كما استخدمت الاشاعة المصورة بالفيديو  التي تثير الغرائز الطائفية ، وتبنت أجهزة النظام الخطاب الطائفي المباشر بطريقة علنية ، وعملت على قمع الفاعلين في ميدان السلم الأهلي وقتلهم واعتقالهم .  كما وظفت أجهزة السلطة بعض المجموعات التي تقوم بالخطف والسطو والاعتداء بحيث تأخذ هذه العمليات طابعا طائفيا ، وبعدا عشائريا  وخلقت شروط المواجهة بين الأطراف بهدف اراقة الدماء (منطقة اللجاه) لتعميق الشروخ بين الجماعات وإحداث قطيعة نهائية فيما بينها (مقابلات شخصية).

وبعد مرور السنة الأولى من الثورة وتصاعد الخطاب الطائفي عند بعض أطراف المعارضة أعطى المصداقية لخطاب النظام  ولم يعد بحاجة لجهد كبير ليقنع الناس في ذلك.

اضافة إلى ذلك ،  الأوضاع العامة في البلاد ، والمجازر الطائفية  والتكتل الطائفي الذي جمع بين إيران وحزب الله والنظام وتعداه إلى عموم الشيعة ، وضع الجميع  أمام الطائفية العارية التي لا يمكن سترها بعد الآن.

كما أن تخلف الريف ذي الأغلبية المسيحية والدرزية والعلوية عن اللحاق بهذه الاحتجاجات لأسباب كثيرة ، أسباب امنية والخوف من التغيير دفع أيضا نحو خلق حالة من الطائفية[28] . حمل الشارع المحتج  على الشعور بأن الجماعات الأخرى (الأقليات) بدت وكأنها راضية عن عنف النظام ضد المناطق المحتجة.

كما أن سياسة الليبرالية الاقتصادية[29]  وما ألحقته من ضرر في الزراعة اضافة إلى موجة من الجفاف  أدى إلى خلق حالة من الانقسام الطبقي بين الريف والمناطق المهمشة  على أطراف المدن من جهة والمدن والمناطق الغنية من جهة أخرى. لذا كان الريف والمناطق المهمشة (العشوائيات)  أساس الحركة الاحتجاجية.

نجح تصنيع الطائفية جزئيا في تخويف الأقليات في الجنوب (الدروز والمسيحيين) ، كما في مختلف أنحاء البلاد  ، واتضح ذلك  في  ضعف المشاركة الفاعلة في الحراك الثوري بسبب المخاوف من الانزلاق نحو المواجهة الطائفية ، فتجربة العراق والحرب الأهلية اللبنانية لا تزال حاضرة في الأذهان. كما أن وحشية النظام تفسر هذا الوضع  وهذا التخوف ، فسلوكه منذ عام 1970 في الجيش والدولة والمجتمع كان يدل على ما يمكن أن يفعله في ظروف ثورة شعبية مثلما يحدث الآن.. وقد سلك في الثمانينات في حماه وحلب وإدلب نفس المسلك أيام حافظ الأسد، وكذلك فعل بشار الأسد في هبّة السويداء[30] عام 2000 وفي انتفاضة الكورد عام 2004.

بالرغم من ذلك، كانت نتائج صناعة التطييف ضعيفة المردود بالنسبة للنظام في المنطقة الجنوبية حيث أبدى المجتمع الأهلي مقاومة واضحة لسياسة التطييف وأفرز آليات دفاعية لمواجهة التحريض الطائفي نجحت ، بوجه عام ، في تقليل الخسائر وفي المحافظة على السلم الأهلي وعلى التكافل الاجتماعي.

من الخطأ الاعتقاد أن السويداء “موالية”  للنظام الأسدي اذ تعرض مئات المناضلين  للاضطهاد والسجون في عهد الأب ، ولم تنس هبتها في عام 2000 التي سحقها الابن بالدبابات في ظل تعتيم اعلامي وصمت مطبق ولم تنس جرائم النظام بحق رموزها الوطنية منذ اغتيال الزعيم الكبير كمال جنبلاط ، ومحاولة تهميش سلطان الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ، إلى اختطاف الاستاذ شبلي العيسمي ، ولم تنس حملات التخوين التي يروجها الأمن ضد الدروز واتهامهم بالعمالة لاسرائيل في كل مرة يتعرض فيها ضباط الأسد للهزائم . فأبناء السويداء – كغيرهم  من غالبية السوريين –  طالهم التمييز الطائفي والاقصاء والتهميش والقمع وقضى الكثير من مناضلي السويداء جل حياتهم في السجون وطرد الكثير منهم من وظائفهم واستشهد منهم العشرات تحت التعذيب في أقبية النظام .

كذلك من الخطأ التقليل من مشاركة السويداء في الحراك الثوري السلمي ، فمنذ انطلاقة الثورة  في درعا ، أخذ الحراك الثوري في  السويداء أشكالا متعددة من المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات[31] ، وانشق الكثير من ابناء السويداء وانضموا إلى الكتائب المقاتلة على امتداد الأرض السورية ، خاصة في محافظة درعا، والكثير من شهداء السويداء كانت اصابتهم من الخلف ، تبين أنهم لم يسقطوا في المواجهة ، بل لرفضهم اطلاق النار على المدنيين العزل حيث تمت تصفيتهم ميدانيا.

إن نسف الطائفية لا يكون بقرار سلطوي، بل يستلزم «عقداً اجتماعياً» جديداً عابراً للطوائف، يتم فيه تحويل هوية الصراع من الطائفيّة إلى الوطنيّة. وبما أن تحويلاً هائلاً كهذا لا يمكن أن يتم إلا على مراحل انتقالية تدريجية، لا يمكن التفكير بحل جذري يخدم هذا الانتقال سوى الحل العابر للطوائف الذي سيكون اقتصادياً بالضرورة، وستكون فيه مرحلة إعادة الإعمار خطوة أساسية في إعادة الطابع الطبقيّ للحياة السورية ، وصولاً إلى المربع الأول من إعادة الهوية الوطنية في الصراع السياسي ، والتوافق على نظام دولة مدنية تعمل على المساواة في الحقوق والواجبات وتعمل على الدمج الوطني لجميع السوريين[32].

عمل طيف معارض وقوى إقليمية ودولية على تحويل خطاب السلطة ضد الثورة إلى حقيقة ، عندما أخذت الثورة تظهر كصراع بين قوى أصولية وبين السلطة. وفي هذه المعادلة كانت السلطة هي الرابحة، لأنها رصت خلفها “الأقليات”، وأعطت مبرراً لكل القوى الدولية في العالم ، بما فيها الشعوب  كي تقف موقف اللا مبالاة من الثورة. فبعض المعارضة عملت على التأكيد بأن الثورة إسلامية وضد “نظام علوي”. ولكي تصبح هي البديل دفعت بأن ينتصر “الخطاب الطائفي” الذي زرعته السلطة .

هذا الأمر سمح للسلطة بأن تمارس كل أنواع الوحشية دون أن تسمع نقداً ،. فهي تفعل كل ما يمكن أن يوصف بأنه جرائم ضد الإنسانية ، وتوغل في الإبادة الجماعية، بكل أنواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة ، على مرأى ومسمع العالم، دون أن تلقى ردا مناسبا (المصدر السابق).

إن النظام الأسدي استعمل الطوائف لتأبيد حكمه ولم يكن حاملا لمشروع يروج لرسالة طائفة ما.  يجب الاعتراض على الدولة الطائفية العادلة والجائرة معا لأنها دولة دينية ، وحل الدولة الدينية لا يمكن أن يشكل مخرجا من حالة الاستبداد فالدولة الدينية هي دولة استبدادية بالضرورة [33].

يمثّل شبحُ هذا الواقع، الذي وضعنا فيه النظامُ العالميُّ الجديدُ، مأزقًا خانقًا لتطوّر الحياة السياسيّة لدى النظم العربيّة. فالمنطقة العربيّة مهدّدة في تنوّعها الثقافيّ والإثنيّ والطائفيّ، في عمليّةٍ أشبهَ بتفريغ المنطقة وجعلها أقرب إلى أن تكون خاليةً إلّا من ديكتاتورٍ أو متطرّفٍ[34] .

يحذر المؤرّخ الفرنسيُّ والخبير في الديانات آودون فاليه  من “هوّةٍ كبيرةٍ بين ضفّتي المتوسط”: بين غربٍ يوسم بالمسيحيّة، وشرقٍ يوسم بالإسلام. واليوم، ومع تصاعدِ سيطرة الإخوان المسلمين على مقاليد الحكم في دول “الربيع العربيّ،” والحال التي وصلتْ إليها الثورةُ السوريّةُ عبر حصر الصراع بين “واجبٍ جهاديٍّ” تحدّث عنه الأمينُ العامُّ لحزب الله وبين “جهاد مقدّس” أعلنته الجماعاتُ الإسلاميّةُ المتطرّفة في سوريا، نكون أمام صدامٍ خطيرٍ شيعيّ ـ سنيّ سيمتدُّ تأثيره على الأقليّات التي تميّز هذه المنطقة بدورها الفاعل ثقافيا واقتصاديا  وقد يتطوّر الأمر إلى حربٍ أهليّةٍ، لا ترى القوى الخارجيّةُ أيّة مشكلةٍ في اندلاعها ما دام المنتصرُ سيخرج منها ضعيفًا ومفكّكًا وطيّعًا لتأدية الدور الذي يراد له أن يؤدّيه ضمن الإستراتيجيّة الجديدةِ للنظام العالميّ الجديد

هناك ظاهرةُ هجرةٍ يصعب إغفال أمرها، أو تجاهلُ أسبابها.  فالمشهد العربيّ كلّه سوف يختلف إنسانيًّا وحضاريًّا… أيُّ خسارة لو أحسَّ مسيحيّو المشرق وأقلياته ـ بحقٍّ أو بغير حقٍّ ـ أنْ لا مستقبل لهم أو لأولادهم فيه، ثم بقي الإسلام وحيدًا في المشرق لا يؤنس وحدتَه غيرُ وجود اليهوديّة الصهيونيّة ـ بالتحديد ـ أمامه في إسرائيل؟[35]!”

ما فعله النظام الأسدي منذ انفجار الثورة وحتى اليوم، هو العمل المنهجي لتمزيق المجتمع السوري عبر سياسات تبين سعيه إلى إثارة نزاعات داخلية وتفجيرها بأقصى ما في الكراهية والعنف من قدرات تدميرية، لإدراكه بأنه لن يتمكن من البقاء في مواجهة مجتمع موحد، وأن انخراط أطراف متناقضة ومختلفة في الثورة يعني نهايتها ووأد فكرة الحرية وحلم دولة العدالة والقانون والمساواة – وإن لبعض الوقت – وتمكينه من التقاط أنفاسه والوهم باستعادة سيطرته على البلاد .

 

أستاذ مشارك في كلية التربية الثانية –  جامعة دمشق  (مقيم حالياً في فرنسا)

……………………………………………………………………………………………………………………………………………

المراجع العربية

محمد جمال باروت ، العقد الأخير في تاريخ سوريا ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة-  2012.

نيروز ساتيك  ، الحالة الطائفية في الانتفاضة السورية ،في  مجموعة مؤلفين ، خلفيات الثورة ، دراسات سورية ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة : ، 2013  .

عزمي بشارة ، سورية : درب الآلام نحو الحرية ، محاولة في التاريخ الراهن ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة : ، 2013.

فلاديمير غلاسمان ، بشار الأسد والجهاديين  وجبهة النصرة والدولة الاسلامية والشعب السوري ،  (ترجمة معن عاقل) ، كلنا شركاء ، 2014  http://all4syria.info/Archive/141648

المراجع الأجنبية

Baron Xavier, 2013, Aux origines du drame syrien,   Ed. Tallandier, Paris

Le Gac Daniel, 1991, La Syrie du général Assad, Ed. Complexe, Bruxelles

Burgat François et Paoli Bruno, 2013,  Pas de printemps pour la Syrie, Les clés

pour comprendre les acteurs et les défis de la crise (2011-2013), Ed. La

Découverte, Paris.

Filiu Jean-Pierre, Syrie.«La campagne au baril contre Alep frappe une  ville libérée   de l’hypothèque djihadiste» , Le Monde, le 20 février 2014, p. 18

Seurat Michel, 2012, Syrie l`état de barbarie, PUF,Paris

                 [1]-  Le Gac Daniel, La Syrie du general Assad, Bruxelles Ed. Complexe, 1991

, pp. 259

                [2]-  Burgat F. La strategie d`al-Assad : diviser pour survivre In Burgat François et Paoli      Bruno, 2013,  Pas de printemps pour la Syrie : Les clés pour comprendre les acteurs et les défis de la crise (2011-2013) , Paris :  Ed. La  Découverte, 2013,  pp.: 20

                [3]-  Baron Xavier,  Aux origins du drame syrien,   Paris , Ed. Tallandier,  2013, pp. 269

                [4]-  Burgat F& Burgat et Paoli B . In Burgat et Paoli B, 2013 : pp. 10

 

[5] دروز السويداء ونظام الأسد: تاريخ من الصدام والتهميش http://anbaaonline.com/?p=8321

 

[6] – محمد جمال باروت ، العقد الأخير في تاريخ سوريا ، الدوحة-  قطر ، المركز العربي للأبحاث  ودراسة     السياسات ، ا ، 2012، ص : 239.

[7] – عزمي بشارة ، سورية : درب الآلام نحو الحرية ، محاولة في التاريخ الراهن ، 2013 ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة-  قطر ، ص: 273

[8] –  برهان غليون ،    نقد مفهوم الطائفية ،        الآداب، 10/11/12 ، 2006 ، ص :82-87. http://www.adabmag.com/node/23

 

[9] – ياسين الحاج صالح ، صناعة الطوائف : الطائفية بوصفها استراتيجية سيطرة سياسية ، الآداب،1/2/ 2007، ،:ص : 39-44. http://adabmag.com/sites/default/files/archive/

[10] – ياسين الحاج صالح ، صناعة الطوائف ، الطائفية بوصفها…. (مرجع سابق ).

[11] – نيروز ساتيك ، الحالة الطائفية في الانتفاضة السورية  في  مجموعة مؤلفين ، خلفيات الثورة ، دراسات    سورية،   المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة 2013، ص393.

 

[12] – نيروز ساتيك ، المرجع السابق  الحالة الطائفية….  ص:   394

[13] – عزمي بشارة ، المرجع السابق ، سورية درب ….ص: 274

[14] – باسيلوس زينو ، في تطييف الطيف السوري ، جدلية ، كانون الثاني  2013،  http://arabic.jadaliyya.com/pages/index/9713/تزييفُ-الوعي-وتطييفُ-التاريخ-في-سياقات-http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&aid=409882

[15] – نيروز ساتيك ، مرجع سابق : الحالة الطائفية….  ص: 403

[16] – نيروز ساتيك  مرجع سابق ، الحالة الطائفية….  ص:392

 

[17] – جوزيف ضاهر، الطائفية ونظام الأسد في سوريا ،  الثورة الدائمة ، العدد الثالث آذار.  2013، http://permanentrevolution-journal.org/ar/issue3/assaad-sectarianism-syria

 

[18] – فيديو  عبد السلام  الخليلي 2011   http://www.alazmenah.com/?page=show_det&category_id=13&id=22019

[19] – الرد على الخليلي   https://www.youtube.com/watch?v=dWkYwMA_9M4

[20] – مقابلة شخصية مع أعضاء في قيادة التجمع الوطني الديمقراطي في السويداء

[21] – المخطوفون من السويداء https://fr-fr.facebook.com/Abductees.missing.fromSwaida

[22] – الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء https://www.facebook.com/Alhay2aAl2jtema3ya?fref=ts

 

[23]دروز السويداء ونظام الأسد: تاريخ من الصدام والتهميش http://anbaaonline.com/?p=8321

[24] – بشير زين العابدين ،التحدي الطائفي في سوريا  ، المسلم ، http://www.almoslim.net/node/176276

[25] – Seurat Michel,  Syrie l`etat de barbarie, PUF,: Paris, 2012, pp :102

[26] – Baron Xavier , Aux origins du   مرجع سابق  ,pp 265

[27] صادق جلال العظم ، 2014 ، المدن  – 13 مارس،   الحل بسقوط العلوية السياسية http://www.almodon.com/culture/faf28827-d560-4e88-b208-02cef9ea892d

[28] –  نيروز ساتيك ، مرجع سابق  الحالة الطائفية….  ص: 403

[29] – محمد جمال باروت ،مرجع سابق ، العقد الأخير في…..ص :  245

[30] – ياسر نديم سعيد ، عن المسألة الطائفية في النظام السوري وكيفية الوصول إلى المجازر الحالية ، نادي الفكر العربي ، http://www.nadyelfikr.com/showthread.php?tid=48877

[31] – حراك تحت المجهر في السويداءhttp://arab-worlds.blogspot.fr/2012/08/blog-post_7557.html#!/2012/08/blog-post_7557.htm

[32] – سلامة كيلة  ،بعد ثلاث سنوات من الثورة في سورية: من أجل إعادة نظر شاملة، الحوار المتمدن،، 2014)http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&aid=409882

[33] –   لؤي حسين  ،  الطائفية في سوريا : السلطة والنخب والحلول المطروحة ،  مجلة الآداب، العدد 5/6 أيار-حزيران 2007 . http://adabmag.com/sites/default/files/archive/topics/taifiya/housainlou2ay.pdf

[34] – جورج كدر ، هندسة الفتن: في المسألة الطائفيّة والإثنيّة وما بعد ربيع العرب ،  مجلة الآداب، خريف 2012    http://www.adabmag.com

[35] – جورج كدر ، هندسة الفتن: في المسألة الطائفيّة والإثنيّة وما بعد ربيع العرب ،  مجلة الآداب، خريف 2012    http://www.adabmag.com

 

 

185 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *