هل تُفشل حوران المشروع “العشائري”؟

زمان الوصل

قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي الرجوع قليلا إلى الوراء وقراءة الأحداث من منظور شامل دون اجتزاء أو اقتطاع أي حدث عن سياقه العام.
منذ فترة أعلن عن تشكيل “تجمع أحرار عشائر الجنوب” وقدم نفسه على أنه مجلس عشائري عسكري يضم معظم عشائر جنوب سوريا في حوران والقنيطرة وريف السويداء، وذلك بهدف قتال تنظيم “الدولة الإسلامية” ومحاربة الإرهاب ومنع تمدده إلى جنوب البلاد. كما أعلن عن نيته قتال نظام الأسد المجرم، حتى أن هذا التجمع أكد مشاركة عناصره إلى جانب فصائل الجبهة الجنوبية ولاسيما في معركة “عاصفة الجنوب”، إلا أن قيادات في الجيش الحر نفت أي مشاركة لهذا الفصيل في معارك ضد النظام، أو على الأقل لم يعلموا بذلك.

بالعودة إلى شباط/فبراير/2014 وهو تاريخ ولادة “الجبهة الجنوبية” التي ضمت كافة الفصائل العاملة في حوران والقنيطرة باستثناء “الإسلاميين” من “جبهة النصرة” و”حركة المثنى” وغيرهما، كما نص الميثاق التأسيسي على أن تكون “الجبهة الجنوبية” هي المظلة الوحيدة للتشكيلات المقاتلة في الجنوب.

وعلى هذا الأساس كانت القطيعة مع “النصرة” وأخواتها، كما لم يغفل القيمون على كتابة هذا الميثاق وضع بند “محاربة الإرهاب” وعلى رأسه تنظيم “الدولة الإسلامية”.
إذا فالأهداف التي يتبناها ميثاق “الجبهة الجنوبية” هي ذاتها التي يقدم “تجمع أحرار العشائر” نفسه حاملا للوائها، وبالتالي ما هو القصد من إنشاء فصيل يحمل ذات الشعارات والأهداف لـ”الجبهة الجنوبية” ولماذا لم ينضوِ تحت مظلتها كأي فصيل من مكوناتها؟
ربما لا تحتاج الإجابة تفكيرا طويلا وبحثا في خفايا السطور، فالمتابع للتصريحات الصادرة عن تجمع العشائر الذي يرأسه “راكان الخضيري” قد يظن للحظات أن هذا التجمع أردني وليس له علاقة بسوريا، حيث كلام المدح والتمجيد للملكة وملكها حاضرا في أي تصريح يصدر عن أي متحدث باسم التجمع.
كما قال المكتب الإعلامي للتجمع في عدة بيانات إنه هو والمملكة على اتفاق تام في وجهات النظر، بل ليس هناك أي خلاف أو اختلاف، وكأن الحديث هنا يدور بين دولتين..!
أمس الأول أعلن التجمع عن تخريج الدورة الثانية من قوات العشائر المتدربة في معسكرات الأردن، وبعدها بيوم واحد وصلت دفعة سيارات جديدة قادمة من المملكة، وقال المكتب الإعلامي إنها هدية من “راكان الخضيري” قائد التجمع.

كما أفادت معلومات شبه مؤكدة عن التحاق قائد لواء “الناصر” (كان يتبع لتجمع أحفاد الرسول) المدعو “تامر نميري” برفقة نحو 400 عنصر بمعسكرات تدريبية في السعودية بإشراف أمريكي، في حين أفادت معلومات أخرى أن “النميري” لم يلتحق بعد، إلا أنه يتجهز لذلك خلال الأيام القادمة.

وفي حديث سابق لـ”زمان الوصل” مع الشيخ “نواف البشير” زعيم عشيرة البكارة تحدث عن طبيعة المشروع الأمريكي لتدريب وتسليح العشائر في سوريا وذلك عبر معسكرات تتوزع في 3 بلدان (السعودية، الأردن، تركيا)، وأكد خلال الحديث إلى وجود كميات من السلاح المخزن في المستودعات بانتظار توزيعه على المتدربين بعيد تخرجهم من الدورات.
*تجمع العشائر بلا عشائر
حتى الآن لا يبدو هناك استجابة لدى عشائر حوران والقنيطرة بشأن هذا المشروع، وتفيد المعلومات إلى أن نسبة أبناء العشائر المشاركين لا يعدو كونه حالات فردية لم ترقَ إلى مستوى العشيرة، وذلك بخلاف ما تحدث به “تجمع أحرار العشائر” أن مانسبته 80% من عشائر الجنوب باتت منخرطة في هذا المشروع.
يقول الناشط السياسي والإعلامي “فاروق الرفاعي” إن كافة عشائر حوران المعروفة رفضت المشاركة في مشروع “الصحوات”-كما وصفه- فمنها من خرج ببيان رافض للعشائرية مثل عشيرة “الزعبي”، وهي أكبر قبيلة في حوران والباقي لم يصدر بيان إلا أنها في مجملها رافضة لهذا المشروع.
ويضيف “الرفاعي” أن “الغالبية الساحقة من منتسبي هذا التجمع هم من بدو اللجاة وهم ليسوا أبناء عشائر، كما أن تمركز العناصر في منطقة “اللجاة” ذات الغالبية البدوية دليل على هذا الكلام”.
وشكك “الرفاعي” في صحة الأرقام المعلنة عن تعداد عناصر “العشائر” بـ3000 مقاتل وأن الرقم مبالغ فيه كثيرا.
*ذراع أردنية
قيادي في “الجبهة الجنوبية” فضل عدم الكشف عن اسمه، استغرب الامتيازات التي يحظى بها هذا التجمع من حيث المرتبات المالية وطبيعة التسليح واللباس، قائلا “عناصر الجبهة الجنوبية لايتجاوز مرتب المقاتل فيها 100 دولار شهريا ونحن منذ سنوات نقاتل، بينما يصل مرتب العنصر في قوات العشائر إلى 400 دولار !”.

وحسب رأيه فإن هذا يفسر نية الأردن تشكيل نواة تابعة لها بشكل مطلق في حوران وكسب الولاءات من خلال رفع الأجور وبالتالي استقطاب عناصر إضافية إلى “الذراع الأردنية”.

ورغم ما تحظى به “الجبهة الجنوبية” من علاقات وثيقة مع الحكومة الأردنية، إلا أن دعمها من غرفة “الموك” التي تشترك به عدد من الدول (نحو 7 دول) قد يفقد المملكة السيطرة المطلقة على “الجبهة الجنوبية” ، إلا أنه –حسب محدثنا- فكرة قوة عشائرية لا علاقة مباشرة للموك بها يمنح الأردن هامشا واسعا من تثبيت قواعدها في حوران مستغلة في ذلك أيضا الترابط التاريخي والصلات القبلية التي تربط عشائر حوران بنظيرتها في الأردن.
*تخوفات “النصرة”
من الطبيعي أن أول من قد يتخوف من هكذا مشاريع هي “جبهة النصرة” فهي تعتبر نفسها مستهدفة من أي مشروع عشائري مدعوم خارجيا، وهذا لا يخفى على أحد، فالمتابع لما ينشره قياديون في “النصرة” عبر مواقعهم على وسائل التواصل الاجتماعي، يلاحظ مباشرة القلق من هذا التجمع وما يحمله في الأيام القادمة، فالتجمع العشائري لم يحصر أهدافه بقتال بتنظيم “الدولة” فقط، بل جميع الحركات “المتطرفة والإرهابية” كما أن الأردن تصنف “النصرة” (ذراع تنظيم القاعدة في بلاد الشام) على قائمة “الإرهاب”.
وليس ببعيد ما فعلته “النصرة” مع “الفرقة 30” في شمال البلاد والتي تلقت تدريبا وتسليحا من معسكرات في تركيا، كما لا يرى عناصر “النصرة” في حوران اختلافا بين “الفرقة 30” وبين “تجمع أحرار العشائر في الجنوب”، فحسب قيادي في “النصرة” اعتبر أن الفصيلين يتبعان لذات المشروع، إلا أن حال “جبهة النصرة” في درعا تختلف عن نظيراتها في حلب، فهي هنا لا تستطيع التحرك بحرية بسبب قوة الجيش الحر الذي يعاديها أيضا.
فيما رأى العميد “عمر الأصفر” وفق ما نشره عبر موقعه على وسائل التواصل الاجتماعي، أن هذا التجمع ما هو إلا نسخة طبق الأصل عن مجالس الصحوات التي أنشئت في العراق مطلع عام 2006 بدعم أمريكي وذلك بهدف قتال “الجهاديين” و”تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” آنذاك.
*مشروع موؤود
لا يتوقع قائد “فرقة 18 آذار” العقيد “محمد الدهني” أن يكتب النجاح لمثل هكذا مشروع، عازيا ذلك إلى طبيعة المجتمع في حوران وانخفاض العصبية العشائرية على حساب الانتماء للوطن، إضافة إلى حجم الوعي والثقافة المنتشرة في الوسط الاجتماعي، ويستشهد على كلامه “هناك ألوية في الفرقة قائدها من عشيرة كبيرة بينما تجد عناصر اللواء ينتمون إلى عشائر مختلفة.. نحن لم نفكر في هذا الموضوع أبدا ولا يهمنا الانتماء العشائري بقدر ولائنا لديننا ووطننا”.
ويضيف “لا يمكن استنساخ تجربة الصحوات العراقية على الوضع في سوريا.. فالحرب في العراق أخذت منذ البداية طابعا طائفيا، بينما في سوريا هي ثورة كرامة وحرية وبالتالي لا أتوقع نجاح هذا المشروع”.
كما اعتبر “الدهني” أن تشكيل أي مكون على أساس عشائري قد يؤدي إلى تأزيم الأمور وإحداث نزاعات وتفرقات بين العشائر المتجانسة أصلا في حوران.
بالمقابل رحب الناطق باسم “الجبهة الجنوبية” الرائد “عصام الريس” بهذه الفكرة، فهو لا يرى فيها مشروع صحوات بقدر ما تكون أشبه بقوات شرطة مساندة للجبهة الجنوبية، كما دعى الريس إلى عدم التخوف منها، ورد ذلك إلى وضوح البرنامج التدريبي والأهداف الموكلة إليها بمحاربة الإرهاب والتطرف وحماية الحدود إلى جانب فصائل “الجبهة الجنوبية”.

 

0 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *