هل أخطأت تركيا في الحرب على تنظيم الدولة


د.عوض السليمان

زمان الوصل

أجزم أن الدول الفاعلة جميعها، موغلة في الدم السوري، وأن “العالم المتمدن” وأذياله في المنطقة اتخذوا من سورية مجرد “حالة” يجربون عليها، ويتفننون في أساليبهم الخبيثة بالتعامل معها، ويختبرون سلاحهم وسياساتهم أيضاً من خلالها، ويدرسون قوة تأثيرهم وتأثرهم، فيتجاذبون ويتدافعون، وكل ذلك على حساب سورية الأرض والإنسان.
تركيا من أكثر البلاد التي تضررت بوجود بشار كمغتصب للحكم في سورية، ويكفي أن نتذكر أن لديها أكثر من مليون لاجئ، بالإضافة لتزايد النشاط العنيف لحزب العمال الكردستاني، مع ملاحظة أن الأسد هو من يدعم الحزب وليس الشعب السوري، ولا تنظيم الدولة الإسلامية بالطبع.
ظهر الموقف التركي مهزوزا منذ بداية الثورة السورية حيث اعتمد على ظاهرة صوتية انخفضت عندما قامت قوات الأسد في العام 2012 بقصف الأراضي التركية والقيام بعمليات مخابراتية داخل البلاد، ولم تستطع أنقرة إقناع حلف الناتو بالوقوف معها من خلال تفعيل المادتين الرابعة والخامسة من ميثاقه، وقد صمتت الحكومة على إهمال الحلف لطلبها ولم تفعل شيئاً.
لم يوقف أردوغان حديثه عن المنطقة العازلة وإسقاط الأسد، إلا أنه لم يفعل شيئاً مقنعاً حتى الآن، وهاهو اليوم يخضع للضغوط الدولية في محاربة تنظيم الدولة، وتسليم جزء من بلاده لأمريكا متمثلاً في السماح لواشنطن باستخدام قاعدة إنجيرليك الجوية لحماية بشار الأسد وقصف المدن السورية، وهذا ما حدث بالفعل، فقد قامت طائرة أمريكية أمس بالعربدة في قتل الأبرياء السوريين منطلقة من القاعدة المذكورة.
أيغيب عن بال أردوغان، أن عدوه هو حزب العمال الكردستاني، ووحدات حماية الشعب الكردي المدعومة من الأسد، وبالتالي فإن عدوه الحقيقي هو بشار، وبدلاً من أن تقوم الطائرات التركية بقصف قوات الأسد والعمل على التخلص منه، تذهب أنقرة لقتال تنظيم الدولة استجابة لواشنطن التي أعلنت صراحة عن تمسكها “بالرئيس السوري”.
لا أتردد في القول أن العمليات التركية ضد تنظيم الدولة تفتقر إلى التفكير العميق، وهي تشبه إلى حد بعيد أفكار محللي الفيسبوك. لقد كان على حكومة العدالة والتنمية من الناحية الإستراتيجية، أن تبارك هجوم تنظيم الدولة على عين العرب وعلى مواقع حزب العمال بالعموم، ولن يكون هناك أشد من بأس مقاتلي تنظيم الدولة في القضاء على هذا الحزب.
إذا كانت أنقرة جادّة في عملها للقضاء على حزب العمال،و من وجهة نظر تركية عميقة، فإنني أجزم أنه كان عليها أن توفر دعماً لتنظيم الدولة، لا أن تقاتله وتستجلب عداوته. أضف إلى ذلك أن العلميات التي تشنها تركيا ضد التنظيم لا تلقى تأييدا شعبياً واسعاً في البلاد، بل هي محل خلاف شديد، ولا شك أن المواطن التركي يسأل عن جدوى قصف التنظيم لا قصف الشبيحة، ويسأل عن أولويات الحرب على الإرهاب التي يرى الأعمى أنها تبدأ بالحرب على الأسد.
يزداد موقف العدالة والتنمية صعوبة، بعد أن أعلن الجنرال راي أوديرنو، رئيس هيئة الأركان في الجيش الأميركي، أن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية يحتاج إلى مدة قد تصل إلى عشرين عاما، كذلك في ظل تهجير وحدات حماية الشعب الكردي للعرب السنة باتجاه تركيا، وفي ظل الدعم الغربي اللامحدود لحزب العمال بحجة محاربة الإرهاب. أضف إلى ذك كله، معرفة أنقرة بأن تنظيم الدولة ماض في طريقه للانتقام من تركيا، وأن القضاء عليه يشبه قبض الريح.
لا تزال الفرصة سانحة أمام أردوغان، وذلك بأن يوجه أسلحته للأسد لا إلى أحد آخر، وأن يخرج من المعسكر الأمريكي الذي يعمل على القضاء على الدول الإسلامية كلها بما فيها تركيا.

 

1 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *