سوريو الداخل وسوريو الخارج


رشا عمران

 

 

تم النشر في: 04 Aug 2015
 جريدة الوطن القطرية

كل يوم منذ أربع سنوات، تستقبل دول أوروبا وأميركا مجموعات جديدة من السوريين الهاربين من الجحيم السوري، عائلات سورية بأكملها هاجرت بحثا عن ملاذات آمنة لها، وبحثا عن مستقبل آمن لأطفالها، شباب في بداية حيواتهم العلمية والعملية غادروا ولجؤوا إلى دول العالم المتحضر، الآلاف رحلوا وهم يختبرون أخطر طرق تهريب البشر في رحلة بحثهم عن الأمان والسلام، ابتلع البحر الكثير منهم، خطفت مافيات الاتجار بالبشر آلاف الأطفال، يتحدث مختصون إيطاليون بشؤون حقوق الإنسان عن أكثر من ألفين وخمسمائة طفل سوري خطفتهم عصابات الإتجار بالأطفال في إيطاليا وحدها لتشغيلهم بسوق العمالة الجنسية!

تستقبل تركيا أكثر من مليوني سوري نصفهم تقريبا يعيشون في المخيمات الحدودية، متروكين لرحمة منظمات الإغاثة الدولية، ولتجار الدين الذين يجدون في أطفال هؤلاء ضالتهم المنشودة، فيبدؤون في تلقينهم تعاليم دينية لا يعرفها السوريون المسلمون المعتدلون، بما ينذر بنشوء أجيال سورية لم تر من حياتها سوى هذا الجانب، وبالتالي ستكون مستعدة لتقبل التطرف والانتماء لتنظيماته وحياته.

في الأردن أيضا يعيش أكثر من مليون سوري نصفهم في مخيم الزعتري ومخيمات صغيرة متفرقة تذكر بمأساة الفلسطينيين في رحلة نزوحهم ولجوئهم إلى الدول العربية المجاورة، وبتحول مخيماتهم إلى مدن عشوائية بكل ما فيها، بدءا من العمران وانتهاء بعشوائية المصير والحياة.

في لبنان أيضا ذات الأمر وذات العدد، في باقي الدول العربية أيضا يعيش السوريون حياتهم ويرتبونها بما ينذر بطول البقاء وبخفوت حلم العود إلى سوريا، بينما تنقسم حياة السوريين داخل سوريا بين منطقتين، إذ يعيش السوريون في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تحت ظل الرعب من الكتائب المتطرفة، ليست داعش سوى إحداها، التي لم تترك شيئا إلا واستولت عليه أو صادرته وتاجرت به، كما استولت على حياة سكان تلك المناطق وممتلكاتهم وأرواحهم، مثلما يعيشون تحت ظل الرعب من قصف طائرات النظام وبراميله المتفجرة اليومية التي تسقط فوق رؤوسهم حاصدة أرواح عائلات بكاملها، بحيث لا يجد هؤلاء لهم حلا سوى الهروب والنزوح في رحلة ألم وعذاب جديد، بينما يعيش السوريون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، تحت ظل الخوف من المستقبل الغامض الذي ينتظرهم وهم يرون الكارثة التي يرزح تحتها سكان المناطق الخارجة عن النظام، فيزيدهم الخوف تشبثا بالنظام الذي احتفظ لهم بالحد الأدنى من الحريات الفردية في الحياة والملبس والمشرب والحركة، محاولين تناسي العدد الهائل من أبنائهم وإخوتهم من خيرة شباب هذه المناطق، هؤلاء الذين ذهبوا ضحايا الحرب الملعونة التي تسبب بها النظام المتشبث به، في الوقت الذي يتسبب به غلاء المعيشة والانهيار الاقتصادي بارتفاع خط الفقر إلى مستوى غير مسبوق عالميا، وفي الوقت الذي يفقد به جميع من تبقى في سوريا كل وسائل الحياة الطبيعية ووسائل العيش اليومية، فلا كهرباء ولا ماء ولا مواد غذائية ولا بترول ولا أمان ولا سلام ولا أمل بأي شيء، يعيشون بمشيئة الحياة فقط، وبانتظار موت شنيع قادم لا محالة.

ومع كل ما سبق، ومع التدمير والخراب الكامل، يظهر رئيس النظام السوري مؤخرا في خطاب متلفز معلنا استمرار هذه الحرب المجنونة ومقدما مفاتيح سوريا لكل مرتزقة الأرض، من قتلة ومجرمين وطائفيين وأصحاب مشاريع سياسية كبيرة وصغيرة، وممهدا لحديث قريب يتم به الإعلان الصريح عن انتهاء الكيان العظيم الذي كان ذات يوم يسمى سوريا.

9 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *