اختفاء الطائرة الماليزية قرب قاعدة أميركية .. لغز جديد

العربي الجديد

بعد 17 شهراً على اختفاء طائرة “بوينغ 777” الماليزية في 8 مارس/آذار 2014، في سماء المحيط الهندي بعد إقلاعها من العاصمة الماليزية كوالالمبور في اتجاه العاصمة الصينية بكين، وعلى متنها 239 راكباً، انبعثت الآمال في حلّ لغز الرحلة “أم أتش 370”. وقد أتاح العثور على أحد أجنحة الطائرة في جزيرة ريونيون الأفريقية، الفرصة لمعرفة حقيقة واحدة من أعقد حوادث الطيران المدني في التاريخ الحديث. وأكد محققون فرنسيون بعد إجرائهم سلسلة تحقيقات في مختبر تابع لوزارة الدفاع الفرنسية بالقرب من تولوز، أن “الجناح الذي يبلغ طوله مترين، يعود للطائرة المفقودة”.

وهذه هي المرة الأولى التي يتم العثور فيها على دليل ملموس يؤكّد فرضية سقوط وغرق الطائرة الماليزية في المحيط الهندي، إلا أن أسئلة كثيرة ومحيّرة ما تزال قائمة: هل تعرّضت الطائرة إلى هجوم وهي تحلّق في الجو؟ أم أنها أصيبت بعطب أدى إلى سقوطها في البحر؟ وما الذي حدث بالضبط بعد إقلاع الطائرة من مطار كوالالمبور؟

بالنسبة للسؤال الأول، يأمل المحققون الفرنسيون في الإجابة عنه انطلاقاً من تحليلاتهم الدقيقة والعميقة للجناح الصغير، لكن هذا الجزء من الطائرة ليس صندوقاً أسود ولن يستطيع وحده توفير أجوبة مقنعة ودقيقة للألغاز الكثيرة، والتي أحاطت وما تزال بقصة اختفاء الطائرة، وبالغموض الذي رافق القصة. وساهمت أيضاً في تعزيز الغموض، مواقف مجمل الأطراف المعنية، وعلى رأسها السلطات الماليزية، مالكة الطائرة، والصين التي تنتمي إليها غالبية الركاب الضحايا، وأستراليا التي قادت عمليات التفتيش، وأيضاً السلطات الأميركية، والتي تحوم شكوك كبيرة حول دورها المحتمل في اختفاء الطائرة.

وكانت الطائرة قد أقلعت من مطار كوالالمبور يوم السبت 8 مارس/آذار في تمام الساعة 00:41 صباحاً بتوقيت ماليزيا، متجهة إلى بكين، وكان من المتوقع وصولها عند الساعة 06:30، غير أنها اختفت من شاشات الرادار في الساعة 01:30، وكانت آخر رسالة من قمرة الطائرة على لسان مساعد الربّان الشاب فريق عبد الحميد (27 عاماً) وهي “حسناً، ليلة سعيدة ماليزيا 370”.

خلقت هذه الجملة الكثير من التكهنات، في ظلّ تأكيد أحد موظفي الرقابة الجوية بأن “مساعد الطيار نطق هذه الجملة بنبرة يشوبها التحدّي، وكأنها فاتحة للمصير الغامض الذي كان ينتظر الطائرة”. وبعد قول عبد الحميد عبارته، أُغلق النظامان الرئيسان للاتصال وتحديد الموقع بشكل يدوي. وأظهرت التحقيقات لاحقاً، بعد استنطاق رادارات المنطقة التي كانت تحلّق فيها الطائرة بعد الإقلاع، أن الطائرة انحرفت عن مسارها.

وكان هناك احتمالان أساسيان: إما أن الطائرة انحرفت شمالاً في اتجاه كازاخستان، أو جنوباً في اتجاه أستراليا. وإن كانت الطائرة انحرفت شمالاً، فهذا يعني أنها كانت ستُحلّق فوق البرّ، وبالتالي فإنها ستكون في مرمى رادارات عسكرية ومدنية لبلدان عدة. وبما أن أي رادار في المنطقة لم يرصدها، فقد استنتج المحققون أن الطائرة اتجهت على الأرجح جنوباً في اتجاه المحيط الهندي، شرق أستراليا. وعند الساعة 06:30، موعد وصول الطائرة المفترض إلى مطار بكين، وفي غياب أي رصد للطائرة من طرف رادارات المنطقة، أعلنت السلطات الماليزية فقدان الطائرة وأبلغت عائلات الركاب بذلك.

ومنذ الساعات الأولى التي أعقبت اختفاء الطائرة، حامت الشكوك حول قائد الطائرة زهاري أحمد شاه (54 عاماً)، ومساعده عبد الحميد. وقامت السلطات الماليزية بتفتيش شقة قائد الطائرة وعثرت على جهاز مقلّد لقيادة الطائرات، واكتشفت لاحقاً أن الرجل كان يتدرب في بيته على النزول الاضطراري في مدرّجات صغيرة، تشبه إلى حدٍّ كبير مدرج جزر المالديف وجزيرة دييغو غارسيا، موئل أهم القواعد العسكرية الأميركية في المحيط الهندي.

غير أن التحقيقات التي شارك فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، أظهرت أن التاريخ الشخصي والمهني، وأيضاً الخلفية النفسية لقائد الطائرة ومساعده، لا تشبه “شخصية إرهابية” تُخطط لاختطاف طائرة أو تحويل مسارها.

بعد ذلك، اتجه المحققون إلى فرضية “اختطاف الطائرة من طرف أشخاص من ضمن ركاب الطائرة”. وبعد دراسة لائحة المسافرين على متن الطائرة، اكتشف المحققون أن من بينهم مواطنين إيرانيين سافرا بجوازي سفر مزورين، وأنهما اشتريا تذكرتيهما من وكالة سفر تايلاندية في طهران. لكن سرعان ما استبعد التحقيق هذه الفرضية، أولاً لكون الرجلين الإيرانيين غير مسجلين في لوائح وكالات مكافحة الإرهاب وأجهزة الاستخبارات الدولية، وثانياً لأن تورّط إيران في عملية اختطاف طائرة أمر مستبعد، في ظلّ السعي الإيراني في ذلك الوقت لرفع العقوبات الدولية والتوصل إلى اتفاق حول النووي الإيراني. وخلص التحقيق إلى استبعاد فرضية الاختطاف برمتها، لأن لا أحد تبنّى العملية وأيضاً لكون اختطاف الطائرات يكون مبنياً على هدف محدد، إما استعمالها لتحطيم هدف ما أو احتجاز الركاب كرهائن.

وتحوّل التحقيق في القضية إلى متاهة غير مسبوقة، مفتوحة على كل الاحتمالات حتى أكثرها سوريالية، ومنها: احتمال محاولة اختطاف الطائرة عبر التحكم الإلكتروني عن بُعد، خصوصاً بعد إدراك المحققين بأن شركة متخصصة في هذا المجال الإلكتروني الدقيق تدعى “فريسكايل سيميكونداكتور” فقدت 20 شخصاً من مهندسيها كانوا على متن الرحلة المفقودة.

غير أن الفرضية الأبرز التي لاقت رواجاً كبيراً عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تُشير إلى تورّط الجيش الأميركي في اختفاء الطائرة بشكل أو بآخر. وتروّج تلك الفرضية إلى احتمال أن تكون الطائرة حُرفت عن مسارها لاستهداف قاعدة دييغو غارسيا، وعند اقترابها من القاعدة دمّرها سلاح الجو الأميركي. كذلك يطرح بعضهم فرضية أن تكون الطائرة قد تعرّضت لعطب أو لحريق فاتجهت صوب القاعدة، لكن بسبب تأثير أحداث 11 سبتمبر/أيلول، خشي الأميركيون من أن يكون هدف الطائرة الارتطام المتعمّد بالقاعدة فدمّروها.

ويرى أصحاب هذه الفرضية، وعلى رأسهم المخرج والروائي الفرنسي مارك دوغان، والذي نشر تحقيقاً مطولاً عن هذه القضية في مجلة “باري ماتش” الفرنسية، بأن الطائرة تحطّمت بالقرب من قاعدة دييغو غارسيا، وبأن شهوداً من جزر المالديف شاهدوا طائرة ضخمة تحلّق على علو منخفض قرب هذه الجزيرة. ويعتبر أصحاب هذه الفرضية أن القاعدة الأميركية التي تضم 1700 مجنّد وتتوفر على شبكة رادارات متطورة وطائرات خفية، لا يمكنها بأي حال من الأحوال عدم رصد طائرة ضخمة يبلغ طولها 63 متراً، تحلّق في منطقة مؤمنة ومراقبة على مدار الساعة.

والواقع أنه حتى الساعة بقيت كل هذه الفرضيات من دون سند أو دليل يجعلها حقيقة منطقية. إلا أن الشيء الوحيد الذي تأكد الآن هو أن الأبحاث الضخمة التي قادتها أستراليا بمشاركة ماليزية وصينية وأميركية، تمّت في الموقع الخطأ، وأن الأبحاث لم تقترب من منطقة القاعدة الأميركية وجزر المالديف. مع ذلك، تعقد عائلات الضحايا آمالاً كبيرة على الجناح الصغير، فقد يستطيع أن ينطق بالكثير من الأسرار، والتي تعتقد هذه العائلات أن ماليزيا تتستر عليها بتواطؤ دولي لغاية مجهولة.

3 مشاهدة
0 ردود

هل ترغب بالتعليق على هذا الموضوع ؟

تسعدنا مشاركتك ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *